أشخاص يحملون ملصقات تصور ضحايا العنف ضد المثلية الجنسية في مناسبة عامة في سانت بطرسبرغ. 

© 2013 مادس نيسين/بانوس

في أبريل/نيسان، انتشرت أنباء عن تطهير واسع النطاق ضد المثليين في الشيشان؛ وفي سبتمبر/أيلول، اعتقل مثليون ومتحولون جنسيا في أذربيجان؛ وفي أكتوبر/ تشرين الأول ظهرت تقارير عن قيام السلطات في طاجيكستان بإنشاء سجل لمثليي ومثليات الجنس. كيف لنا أن نفهم هذه الأحداث المتباينة كجزء من التوجهات في الدول الثلاثة التي كانت تتبع للاتحاد السوفياتي؟

يُظهر خطاب القادة الإقليميين وطريقة عملهم أن هذه الأحداث مرتبطة بخطاب "القيم التقليدية"، الذي يضع المثليين/ات، مزدوجي/ات التفضيل الجنسي، ومتحولي/ات النوع الاجتماعي (مجتمع الميم)، ضمن فئة "الآخرين المختلفين". تزداد سطوة فكرة القيم التقليدية الخالدة والثابتة بشكل كبير في هذه الأوقات التي يشوبها عدم اليقين الاجتماعي، عدم الاستقرار السياسي/ والضغوطات الاقتصادية.

انطلقت سلسلة الأحداث هذه بشكل جدي عام 2013 مع إقرار "قانون الدعاية" الروسي، الذي يحظر "الترويج للعلاقات الجنسية غير التقليدية أمام القاصرين". كان للقانون أثر سلبي على حرية التعبير، كما ارتفع العنف دون عقاب ضد مجتمع الميم في روسيا. لم يحظر قانون الدعاية العلاقات الجنسية بين الأفراد من نفس الجنس، بل استهدف جميع وسائل الإعلام والأنشطة العامة التي "تحاول تصوير المثلية كسلوك طبيعي".

نوقشت تشريعات مماثلة لقانون الدعاية في أرمينيا، أوكرانيا، بيلاروسيا، قيرغيزستان، كازاخستان، لاتفيا، ليتوانيا، ومولدوفا، مما أدى إلى ارتفاع نبرة الخطاب العام حول "القيم التقليدية" كوسيلة لنسف حقوق مجتمع الميم في جميع أنحاء المنطقة. بالطبع، يمكن سماع أصداء خطاب "القيم التقليدية"، في مناطق أبعد من ذلك بكثير كإندونيسيا، أوغندا، مصر، ونيجيريا. لا تعتبر روسيا المسؤولة المباشرة عن انتشار القوانين التي تحظر الترويج للمثلية الجنسية، أو الحماس المتجدد لاستخدام قوانين الأخلاق الموجودة ضد المثليين، كما الحال في مصر، لكن روسيا نصّبت نفسها لتدافع عن القيم التقليدية، محليا ودوليا.

قادت روسيا ومصر منذ فترة طويلة حملة ضد تقدم حقوق مجتمع الميم أمام "الأمم المتحدة". ركزت الدولتان جهودهما على "القيم التقليدية" و"قيم الأسرة"، وعارضتا أي ذكر للتوجه الجنسي، الهوية الجنسية، أو النوع الاجتماعي.

تستخدم روسيا في تحالفها مع دول "منظمة التعاون الإسلامي" و"مجموعة أفريقيا" في الأمم المتحدة خطاب "القيم التقليدية"، وتستفيد من قضية حقوق مجتمع الميم لتقويض حقوق الإنسان عالميا وتنصب نفسها كمعارضة للغرب على الساحة العالمية.

استخدم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هذا الخطاب في كلمة ألقاها أمام "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" في مارس/آذار 2014، حين قال:

"شهدت عدة بلدان مؤخرا ارتفاعا مفاجئا، بل وأحيانا عدائيا، في أنشطة أولئك الذين يدعمون الأفكار المتحررة كثيرا، ممن يدعون إلى الإباحية والمتعة، ويطالبون بمراجعة قواعد الأخلاق التي تتشاركها كل الأديان حول العالم". تحدث لافروف هنا عن فجوة كبيرة تقسم العالم إلى: من يدعم الحداثة الفاسدة، ومن يناصر التقاليد الرصينة. كما حقق هدفه الآخر المتمثل في تقييد حقوق الإنسان.

يمكن فهم عبارات وأفعال قادة أذربيجان وطاجيكستان والشيشان، الواقعة داخل روسيا، ضمن السياق الجغرافي–السياسي هذا.

في أبريل/نيسان، كشفت أنباء عن قيام قوات الأمن الشيشانية بشكل دوري بجمع الرجال المثليين وتعذيبهم وإرغامهم على الكشف عن أسماء الآخرين، ثم إعادتهم لأسرهم بعد ضربهم، بطريقة مخجلة شجعت ما يسمى بـ"جرائم الشرف".

وقتها، قال ألفي كريموف، الناطق باسم الرئيس الشيشاني، رمضان قديروف، "إذا كان لدينا مثل هؤلاء [المثليين] في الشيشان، لا حاجة لقيام مؤسسات إنفاذ القانون بأي شيء ضدهم، لأن أقاربهم سيرسلونهم إلى مكان لن يعودوا منه". بمعنى آخر، لا وجود للمثليين في الشيشان، وإن كان هناك البعض، سيعتبرون شواذا وستتخلص أسرهم منهم.

قال قديروف بعد أسابيع قليلة: "هذه العلاقات [المثلية] ليست تقليدية، وفيها اختلال نفسي لا نفهمه". هنا وضع قاديروف مثلي الجنس خارج معايير الثقافة والتقاليد.

قال ماغوميد سيليمخانوف، عضو مجلس الدوما عن الشيشان لوسائل الإعلام في نفس الوقت: "لا يوجد مثليون في الشيشان، بالتالي لا موقف لدينا تجاههم. شخصيا، أعتقد أن مكانهم في القبور". الإقصاء هو التطور المنطقي لخطاب يضع مجتمع الميم خارج معايير النظام الاجتماعي.

في أذربيجان، رغم التوقف عن تجريم سلوك المثليين منذ عام 2000، قامت السلطات باحتجاز ما يقارب من 83 رجلا في بداية ومنتصف سبتمبر/أيلول. عذبتهم كما فعلت نظيرتها الشيشانية، واستخدمت حتى الصدمات الكهربائية، وأجبرتهم على الكشف عن أسماء آخرين. لكن على نقيض السلطات الشيشانية، لم تنكر السلطات هناك قيامها بالقبض على الرجال المثليين في باكو في مداهمات رسمية، وبررت ذلك بأسباب اجتماعية وبالصحة العامة.

قال إحسان زاهيدوف المتحدث باسم وزارة الداخلية، في مقابلة أجراها معه موقع أوراسيا، إن الشرطة تصرفت استجابة لشكاوى وردت من سكان باكو عن ظهور رجال مثليين في الشوارع. نُقل عنه قوله: "اشتكى الناس من أنهم يتجولون قربنا، يمشون في شوارعنا، ويجلسون في مقاهينا. إنهم لا يتناسبون مع أمتنا ودولتنا وعقليتنا، رجاءً تصرفوا".

إنها السياسة المألوفة للإقصاء التي تدعم خطاب "القيم التقليدية"، وتتميز بأنها ترى الأقليات الجنسية والجنسانية كمجموعات خارجية يمكن تقديمها ككبش فداء. يمكن أن يلقى اللوم على هويات مجتمع الميم، التي ترتبط بشدة بالحداثة والعولمة، فيما يخص العلل الاجتماعية والتدهور المتصور للمنظومة الأخلاقية، مما قد يزيد من العواقب الوخيمة على مجتمع الميم في المنطقة. يوضح تفسير المتحدث باسم أذربيجان خطاب التطهير الاجتماعي الذي استخدمه الزعيم الشيشاني لتبرير التطهير الوحشي هناك.

برر المسؤولون الحكوميون أيضا مداهمات باكو بالصحة العامة، مدعين أن الرجال المثليين الذين تم اعتقالهم خضعوا لاختبار الأمراض المنقولة عبر الاتصال الجنسي. الصحة العامة هي المبرر "للسجل" الذي أفادت تقارير قيام سلطات طاجيكستان بجمعه عن 367 مواطنا، يفترض أنهم مثليو أو مثليات الجنس. نقلت صحيفة "زاكونوست" عن المدعي العام في طاجيكستان تصريحات قال فيها إن "السجل أنشأ بسبب ضعف تلك الفئة في المجتمع ولسلامتها، ومنعا لانتقال الأمراض المنقولة عن طريق الاتصال الجنسي".

ظهر السجل في سياق تفاقم رهاب المثلية في طاجيكستان. مع أن تجريم المثلية الجنسية هناك ألغي منذ عام 1998، وصف لنا مجتمع الميم نمطا ثابتا تستهدف فيه السلطات الأشخاص الذين يُرون على أنهم مثليو أو مثليات الجنس، حيث يحتجزونهم، يسيئون معاملتهم، يبتزونهم، ويُهددون بفضحهم أمام عائلاتهم وأرباب عملهم والمجتمع.

ذكرت زاكونوست أن مجموعة العمل التي أنشئت في العام الماضي، أنشأت السجل بناء على عمليتين حكوميتين بدأتا عام 2016، سمتهما "الأخلاق" و"التطهير". ليس من الصعب الربط بين فكرة الصحة العامة والجسم الاجتماعي الملوث، وبين هذين المصطلحين. إنها طريقة تقليدية لنشر ذعر أخلاقي - يتم إلقاء لوم العلل الاجتماعية فيها على أقلية ضعيفة. إذا عزلت هذه المجموعة وأُنهيت، فبمنطقهم غير السوي، سيكون كل شيء على ما يرام.

ليس مجتمع الميم بالتأكيد أول من يتعرض للاضطهاد بسبب هذا المنطق. ولكن من خلال الخطاب المستمر، الذي تروج له روسيا وحلفاؤها بقوة، أصبح مجتمع الميم يجسد كل ما يتناقض مع ما يسمى "القيم التقليدية". عندما يؤسس هذا الخطاب لنبذ مجتمع الميم، يكون من السهل تهديد أمنهم، وتكون حملات المداهمة والاعتقال والتطهير النتيجة العنيفة للكره السياسي للمثلية.