علامة طريق قرب معبر أبو سمرة الحدودي مع السعودية، قطر، 12 يونيو/حزيران 2017.

© 2017 طوم فين/رويترز

القول إن كل أزمة تحمل فرصة جديدة يصح اليوم في حالة قطر أكثر من أي وقت مضى. ما من شك أن حكومة قطر تتعرض لضغوط شديدة من جيرانها الذين كانوا يوما إخوانها، بقيادة السعودية.

لكنها تستطيع اتخاذ إجراءات فورية لتخفيف أثر الأزمة على مواطنيها، بالإضافة إلى طالبي اللجوء في البلد والآتين من بلاد حكوماتها أكثر قمعا في المنطقة؛ كما يمكنها اتخاذ خطوات قد تثني جيرانها عن انتهاك قوانين الحرب على أراضيها. هذه الإجراءات ليست فقط الخطوات الصائبة التي على قطر اتخاذها؛ إنها أيضا خطوات ذكية، لها انعكاسات مباشرة على أمن شعبها وسلامته.

الحق بالجنسية

تستطيع حكومة قطر اتخاذ خطوة قد تكون الأسهل والأسرع وفي متناول يدها، وهي إعطاء الجنسية إلى أولاد القطريات من آباء غير قطريين. فكغيرها من بلدان الشرق الأوسط، لا تسمح قطر للنساء بإعطاء أولادهن الجنسية تلقائيا، وهو انتهاك لالتزاماتها بموجب "اتفاقية القضاء على كافة أنواع التمييز ضد المرأة" (سيداو)، وإهانة لحوالي 100 ألف قطرية على الأقل حرمن من هذا الحق الأساسي.

تسمح قطر للأولاد الراشدين من أمهات قطريات وآباء غير قطريين بالتقدم بطلب الجنسية، لكنها تضع معايير مشددة من ضمنها الإقامة في قطر لـ 25 سنة. وقد تستغرق الإجراءات فترة طويلة وغالبا ما تكون اعتباطية. تشعر العائلات القطرية بثقل هذه السياسة غير المبررة في ظل المواجهة الحالية بين قطر وجيرانها، فبعض الأولاد والآباء في السعودية والبحرين والإمارات ممنعون من الانضمام إلى عائلاتهم في قطر.

في يونيو/حزيران، تحدثت "هيومن رايتس ووتش" إلى رجل في الـ 36 من العمر قال إنه بالرغم من ولادته في قطر لأم قطرية وإقامته هناك طوال حياته، انتظر لسنوات بدون فائدة ردا بخصوص طلبه للجنسية.

خلال اجتماعنا في الدوحة الأسبوع الماضي، قال رئيس الوزراء القطري عبد الله بن ناصر بن خليفة آل الثاني إنه سيكون من الصعب تعديل قانون الجنسية، لأن تعديل الدستور يتطلب موافقة أغلبية أعضاء "مجلس الشورى"، الهيئة التشريعية في قطر، وإجراءات طويلة.  

لكن رئيس الوزراء يستطيع إصدار مرسوم خلال ليلة وضحاها ينص فيه أن الحكومة ستوافق تلقائيا على أي طلب يتقدم به شخصٌ والدته قطرية للحصول على الجنسية، بدون ضرورة تعديل القانون.

إجراء كهذا لن يحل الأزمة التي تعاني منها العائلات القطرية ويجعل قطر أقرب إلى التزاماتها تجاه حقوق مواطنيها فحسب. سيجعل ذلك من قطر مثالا بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث ما زالت قوانين الجنسية التمييزة متفشية.

ثانيا، على قطر التصديق فورا على "اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين" (اتفاقية اللاجئين) ووضع إجراءات تسمح لمن هربوا من الملاحقة السياسية بطلب اللجوء. أثار بعض جيران قطر جلبة حول "إيواء" قطر منفيين سياسيين أتوا من بعض البلاد التي تحكمها الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، مثل مصر وليبيا، بينما ذلك في الواقع عادة جريئة ومشرفة لهذه الدولة الخليجية الصغيرة.  

تكلمت مع عدد من المنفيين في الدوحة، وهم ممتنّون للحماية، لكن يفتقدون الأمن حيال وضعهم. فقد يكونون عرضة للترحيل في أي وقت، وفي حالات عديدة لا يستطيعون السفر بسبب انتهاء صلاحية جوازات سفرهم التي أصدرتها بلادهم الأم.

تأمين اللجوء

في حال صادقت قطر على اتفاقية اللاجئين وطبقت إجراءات اللجوء، سيسمح ذلك للحكومة بمراجعة طلبات اللجوء بطريقة منظمة ومنضبطة، وتأمين اللجوء – والحقوق وليس فقط الرحمة – لمن يستحقها. لن ينتقد أحد قطر على ما تفعله عدة دول في تأمين اللجوء لمن يُعتبرون اليوم "غير مرغوب بهم"، ضمن التزاماتها بموجب القانون الدولي.

أعرب بعض المسؤولين القطريين عن قلقهم أن في حال انضمت قطر إلى اتفاقية اللاجئين ستكون عرضة لاستقبال عدد كبير من اللاجئين من أنحاء العالم، لكن في الواقع موقع قطر الجغرافي سيجعل ذلك غير عملي على الإطلاق. المستفيدون هم اللاجئون وطالبو اللجوء الذين تأويهم قطر بالفعل، لكن بطريقة تسمح لهم بالسفر والحصول على الحماية الأساسية.

ستُرسي قطر مرة أخرى مسار التقدم في العالم العربي، حيث فشلت دول عدة أخرى في المصادقة على اتفاقية اللاجئين ووضع إجراءات للّجوء. 

كانت دول الخليج كريمة في توقيع الشيكات لدعم إيواء الأردن ولبنان اللاجئين السوريين وسمحت بشكل عام للسوريين المقيمين على أراضيها بالبقاء إلى أجل غير مسمى. لكن يمنع غياب إجراءات اللجوء الاعتراف بهم كلاجئين يملكون حقوق حماية شرعية بموجب وضعهم. يمكن لقطر أن تظهر للعرب أنهم يستطيعون القيام بما هو أفضل.

 نظام روما والمحكمة الجنائية الدولية

أخيرا، على قطر التحرك بسرعة للمصادقة على "نظام روما الأساسي" والانضمام إلى "المحكمة الجنائية الدولية"، بالإضافة إلى المصادقة على "اتفاقية الأسلحة العنقودية". الانضمام إلى هذه الاتفاقيات ليس فقط الخطوة الأخلاقية المفروض اتخاذها. الحماية التي تقدمها هذه الاتفاقيات عند منعطف الطرق الخطر هذا ليست افتراضية. فهي تستطيع تأمين غطاء مهم لردع جيران قطر، لا سيما السعودية والإمارات، في حال فكروا بتقليد التكتيكات العسكرية غير المشروعة التي طبقوها في اليمن.

نعلم أن التحالف بقيادة السعودية، والذي كانت قطر عضوة فيه قبل بضعة أسابيع فقط، قصف مرارا وتكرارا مدارس ومشافٍ وأسواق ومنازل يمنية. وثقنا 81 هجوما غير شرعي على ما يبدو للتحالف، قد يصل بعضها إلى مصاف جرائم حرب تخضع للتدقيق من المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية لو كان اليمن عضوا في المحكمة. نعلم أن التحالف بقيادة السعودية قصف اليمن بوابل من الذخائر العنقودية. إن لم تُزَل الذخائر الصغيرة غير المنفجرة، ستترك خطرا يؤثر على البلاد لأجيال قادمة.

قد تفكر السعودية والإمارات مليا قبل استعمال تكتيكات مشينة مماثلة في قطر، في حال تدهور الوضع السياسي وتحول إلى نزاع عسكري.

قد تتمهلان قليلا قبل إلقاء قنابل عنقودية على الحدود القطرية، علما أن غالبية المجتمع الدولي، بما فيه الدولة المستهدفة، تعتبر استعمال هذه الذخيرة غير شرعي حكما. قد يدفعهما خطر مواجهة اتهامات بارتكاب جرائم حرب للتفكير مليا قبل البدء في أي جرائم حرب محتملة، مثل إطلاق صواريخ على مقر قناة "الجزيرة"، الأمر الذي شجع عليه عدة معلقين مرارا.

هذه ليست سياسيات سليمة فحسب من شأنها إفادة القطريات وعائلاتهن، الذين هربوا من العنف والملاحقة في البلدان المجاورة، والمدنيين القطريين.

هذه ليست مجرد سياسات ستفيد سمعة قطر كدولة تلتزم بتطبيق واجباتها الحقوقية وكرائدة في العالم العربي. إنها سياسات ستنعكس لصالح كل الإنسانية وتمهد الطريق للحصول على منطقة أكثر سلما واحتراما للحقوق.