(تونس) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن التونسيين الذين يشتكون من سلوك أعوان الأمن أو يعارضونه قد يواجهون تُهما كيديّة تتعلق بإهانة الشرطة.

وثقت هيومن رايتس ووتش سلسلة من القضايا التي رُفعت ضدّ أشخاص كانوا قد رفعوا دعاوى – أو عبروا عن نيتهم فعل ذلك – ضدّ أعوان أمن يُزعم أنهم أهانوهم أو احتجزوهم تعسفا أو اعتدوا عليهم. الأشخاص الذين يزعمون التعرض لانتهاكات قد يواجهون تهمة "هضم جانب (إهانة) موظف عمومي... حال مباشرته لوظيفته" التي تصل عقوبتها إلى السجن لمدة سنة بموجب الفصل 125 من "المجلة الجزائية" (قانون العقوبات). قالت هيومن رايتس ووتش إن على البرلمان تعديل هذا القانون.

قالت آمنة القلالي، مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس: "في عديد من الحالات، تُستخدم تهمة إهانة الشرطة لتخويف المواطنين الذين يبلغون عن سلوك قوات الأمن. تحتاج الديمقراطية الوليدة في تونس إلى التشجيع على رفع دعاوى مُبرّرَة ضدّ سلوك الشرطة في حال تجاوزت صلاحياتها او تصرفت بطريقة تعسفية، وليس العقاب على هذه الدعاوى".

متظاهرون يحملون شعلات مضيئة خلال احتجاج ضد مشروع قانون من شأنه حماية المتهمين بالفساد من الملاحقة، جادة الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة، تونس، 13 مايو/أيار 2017.

 

© 2017 رويترز

في حالة جدّت مؤخرا، حُكم على الصحفييْن سلام وسلوى مليك بالسجن 6 أشهر في مايو/أيار 2017، ثم خُفضت العقوبة إلى غرامة مالية. اتُهم الصحفيان بإهانة الشرطة أثناء مداهمة لمنزلهما لإيقاف شقيقهما، هدّد خلالها شرطيّ بـ "تفجير" ابن أخيهما البالغ من العمر 7 سنوات. اعتمد القاضي بشكل كامل على محضر الشرطة لإدانة الصحفيين، رغم اعتراضهما عليه.

في 2012، لاحقت السلطات المحامية الحقوقية مريم منور، وفي 2014 المدونة لينا بن مهني، في قضيتين منفصلتين بتهمة "هضم جانب موظف عمومي"، بعد أن رفعتا دعاوى بالتعرض للعنف على يد أعوان أمن، مُدعّمة بأدلّة من الطب الشرعي تؤكد التعرّض لإصابات. بعد سلسلة من الجلسات، ما زالت المحاكمتان مستمرتين.

تعبّر هيومن رايتس ووتش عن قلقها من أن تستخدم السلطات هذه التهم كتكتيك لتقويض الدعاوى التي يرفعها المتهمون، أو الانتقام منهم بسبب اعتراضهم على سلوك الشرطة. تستند القضايا المرفوعة ضدّ هؤلاء المتهمين أساسا – أو بشكل كامل – إلى محاضر أعوان الأمن.

في 4 من 8 حالات وثقتها هيومن رايتس ووتش، نظرت السلطة القضائية في الدعاوى التي رفعها أعوان الأمن بشكل سريع، في حين تباطأت على ما يبدو في القضايا التي رفعها ضحاياهم المزعومون. في 4 حالات أخرى، دمجت المحاكم قضايا الشرطة والمواطنين في قضايا موحّدة، ثم تباطأت كثيرا في البت فيها.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على البرلمان التونسي إلغاء الفصل 125 من المجلة الجزائية لأنه يُهدّد حقوق الإنسان بطرق شتى. لا يوجد في القانون التونسي تعريف لما يُمكن اعتباره "هضم جانب" بموجب هذا الفصل، ما يسمح للسلطات بتأويله بشكل فضفاض لتجريم التعبير المشروع. إضافة إلى ذلك، فإن تطبيق هذا القانون بشكل تعسفي يمنع المواطنين من ممارسة حقهم في السعي إلى الانتصاف عندما يعتقدون أن الشرطة أساءت معاملتهم.

وإلى أن يتم إلغاء الفصل 125، يتعين على النيابة العمومية والقضاة التدقيق بعناية في التهم التي تُوجّه بموجب هذا الفصل، والنظر إلى السياق بأكمله، بما في ذلك وجود دعاوى مرفوعة من قبل المُدعى عليهم، أو زعمهم التعرض إلى انتهاكات من قبل أعوان الأمن الذين تعاملوا معهم. على النيابة العمومية والقضاة أن يسعوا جادين إلى إيجاد أدلة تتجاوز محاضر أعوان الأمن الذين يزعمون التعرض إلى "إهانة"، وتقييم هذه المحاضر بشكل عادل.

في بعض الحالات، قد تتسبب القضايا المرفوعة ضد الأشخاص بمقتضى الفصل 125 بخرق التزامات تونس بموجب "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة". تنص هذه الاتفاقية، وتونس طرف فيها، على أنه "ينبغي اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان حماية مقدّم الشكوى والشهود [في القضايا المتعلقة بالتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة] من كافة أنواع المعاملة السيئة أو التخويف نتيجة لشكواه أو لأي أدلة تُقدّم" (المادة 13).

نصّت "لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان"، في تعليقها العام على المادة 19 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، على: "مجرد اعتبار أن أشكال التعبير مهينة للشخصية العامة لا يكفي لتبرير فرض عقوبات [...]. وإضافة إلى ذلك، فإن جميع الشخصيات العامة، بمن فيها التي تمارس أعلى السلطات السياسية مثل رؤساء الدول والحكومات، تخضع بشكل مشروع للنقد والمعارضة السياسية".

سلام وسلوى مليك

سلام وسلوى مليك شقيقان يعيشان في توزر، التي تبعد 450 كيلومتر عن تونس العاصمة. سلام هو رئيس "الاتحاد التونسي للإعلام الجمعياتي" ومدير "إذاعة الجريد أف أم" المحلية، وسلوى تعمل صحفية في نفس الإذاعة.

قالت سلوى مليك لـ هيومن رايتس ووتش إن أطوار قضيتهما تعود إلى مداهمة نفذتها الشرطة لمنزلهما في توزر في 7 فبراير/شباط. قالت إن الشرطة كانت تداهم منزل العائلة بانتظام بحثا عن شقيقهما، الذي يُشتبه بانتمائه إلى جماعة إرهابية. في منتصف ذلك اليوم، سمعت سلوى طرقا قويا على الباب، ولما فتحته شاهدت العديد من سيارات الشرطة وحوالي 20 عونا، بعضهم في ملابس مدنية، وبعضهم يوجهون بنادقهم نحو الباب.

قالت إنها ذُعرت وطلبت منهم عدم دخول المنزل لأن شقيقيها كانا بالخارج، وكانت بمفردها مع والديها وأبناء شقيقها. بينما كانت تتحدث إليهم، جاء ابن شقيقها (7 سنوات) وبيده لوحة الكترونية. قالت إن شرطيا صوّب سلاحه تجاه الطفل، وقال له "أسقط تلك اللوحة وإلا فجرت رأسك". احتجت سلوى على ذلك وقالت للشرطي إن ما يفعله يُشجع على الإرهاب بدل أن يكافحه.

قالت إنها اتصلت بعد ذلك بـ سلام عبر الهاتف، وطلبت منه المجيء إلى المنزل. فتش 6 أعوان، بمن فيهم رئيس إقليم شرطة توزر، المنزل، ثم غادروا بعد نصف ساعة.

قالت سلوى إن سلام تلقى بعد ساعة مكالمة تطلب منه ومنها الحضور إلى إقليم الشرطة، وهناك استُجوبا لأربع ساعات بشكل منفصل. وفي 8 فبراير/شباط، ذهب الشقيقان إلى وكيل الجمهورية (المدعي العام) بالمحكمة، فأعلمهما بأنهما سيواجهان محاكمة بتهمة إهانة الشرطة.

راجعت هيومن رايتس ووتش القرار الذي أصدره قاض بالمحكمة الابتدائية بتوزر بعد محاكمة 10 مايو/أيار التي دامت يوما واحدا. أدان القرار الشقيقين بـ "هضم جانب موظف عمومي" بموجب الفصل 125، استنادا إلى محضر الشرطة. ذكر تقرير الشرطة أن سلوى اتهمت قوات الأمن بتشجيع الإرهاب، وأن سلام سبّ الجلالة عند عودته إلى المنزل وأهان الشرطة بأن قال لهم إنهم يستطيعون استخدام أسلحتهم أو حتى معدّات اكتشاف المتفجرات، فلن يجدوا شيئا.

دوّن القاضي أن الشقيقين أنكرا إهانة الشرطة، وقالا إنهما فقط انتقدا ما فعله أعوان الشرطة دون إهانتهم.

اعتبر القاضي رواية الشرطة كافية لإدانة المتهميْن بالاعتداء على الشرطة، وقضى بسجن سلام لمدة 6 أشهر  مع النفاذ العاجل وسلوى لنفس المدة مع تعليق العقوبة، عملا بالفصل 125 من المجلة الجزائية. تم إيقاف سلام بمجرّد النطق بالحكم، ولكن أطلق سراحه من سجن قفصة بعد 6 أيام، بعد أن خفضت محكمة الاستئناف عقوبته إلى غرامة مالية.

مريم منوّر

مريم منوّر هي الرئيسة المؤسسة لـ "الحزب التونسي" ومحامية حقوقية كانت قد رفعت عشرات الدعاوى لدى المحاكم باسم تونسيين زعموا التعرض للتعذيب.

في 8 أغسطس/آب 2012، ذهبت مريم منور مع ابنة أحد جرحى انتفاضة 2011 إلى مركز شرطة حي هلال، في ضواحي تونس العاصمة، لمساعدتها على تقديم مطلب عمل في وظيفة إدارية في قطاع الأمن. قالت إن عون أمن أهان المرأة عند وصولهما، وقال لها إنها سبق وأن جاءت عدة مرات وحصلت على المعلومات التي تريد.

قالت منور إنها أعلمته أنها سترفع قضية ضدّه بسبب الإهانات، فأمسكها من شعرها ودفعها نحو الحائط. قالت إن رئيس المركز جاء في تلك اللحظة، وصفعها على وجهها، حتى سقطت على الأرض، وواصل ضربها وهي تزحف باتجاه الباحة. أضافت أن أعوانا آخرين أمسكوها من شعرها وسحبوها نحو أحد المكاتب، فلكمها رئيس المركز بعد ذلك على وجهها، ومزّق قميصها ووضعها في زنزانة في مركز الشرطة. أُطلق سراحها مساء ذلك اليوم، وفي 9 أغسطس/آب ذهبت إلى "مستشفى شارل نيكول" فحصلت على شهادة طبية، لدى هيومن رايتس ووتش نسخة منها، تنص على أنها تحمل العديد من الكدمات على جسدها وتعطيها راحة بثمانية أيام.

قالت منور إنها ذهبت في 11 أغسطس/آب 2012 إلى مكتب النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة لرفع دعوى ضدّ الشرطة. اتهمت في دعواها – لدى هيومن رايتس ووتش نسخة منها – رئيس مركز الشرطة والأعوان بضربها. قال لها وكيل الجمهورية إن رئيس المركز رفع دعوى ضدها هو الآخر يتهمها فيها بإهانة عون أمن، عملا بالفصل 125 من المجلة الجزائية. سجّل وكيل الجمهورية شكوى منوّر، ولكنه وجه لها أيضا تهمة إهانة الشرطة. أحال دعواها ودعوى الشرطة إلى قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية. وفي 6 سبتمبر/أيلول 2012، استجوبها القاضي كمتهمة.

ذكر القاضي في تقريره، الذي راجعته هيومن رايتس ووتش، إنه استجوب رئيس مركز الشرطة والعون اللذين اتهمتهما منور بضربها. أنكر كلاهما مزاعمها، وقالا للقاضي إنها أهانتهما ووصفتهما بـ "كلاب بن علي"، في إشارة إلى الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. دمجت المحكمة القضيتين، وعقدت 11 جلسة، والجلسة القادمة مقررة في 10 يوليو/تموز 2017. قالت منور إن القاضي كان في كل مرة يؤجل المحاكمة لعدم حضور الشرطييْن المتهميْن بالاعتداء عليها.

لينا بن مهني

لينا بن مهني ناشطة حقوقية بارزة. في أغسطس/آب 2013، أعلمتها وزارة الداخلية بوجود تهديدات بقتلها، ووفرت لها حماية أمنية. في 29 أغسطس/آب 2014، ذهبت إلى جربة مع عائلتها لقضاء عطلة، ومعها حارس وفرته لها وزارة الداخلية نظرا لتعرضها لتهديدات إرهابية. اتبع الحارس الإجراءات الاعتيادية، وأعلم الشرطة المحلية بمجيئها إلى جربة. وفي 30 أغسطس/آب، الساعة 8 مساء تقريبا، ذهبت مع والدها لموعد ما، فطلب منها حارسها المرور بمركز الشرطة، لإعلام الشرطة بمكان تواجد العائلة. ركنت بن مهني سيارتها، وأعلم حارسها 3 أعوان كانوا واقفين هناك بصفته، وبأنه مكلف بحمايتها. ثم دخل مركز الشرطة لإعلام العون المعني بحضورهم. وبعد 15 دقيقة، خرجت لينا من سيارتها ووقفت قربها.

قالت إن أحد أعوان الشرطة اقترب منها بعد 5 دقائق وصرخ في وجهها، "ماذا تفعلين هنا؟ لماذا تقف سيارتك أمام مركز الشرطة"؟ قالت إنها عرّفت بنفسها، وقالت له إنها تحت حماية الشرطة، فأجابها، "من تعتقدين نفسك؟ أبعدي سيارتك من هنا".

أخبرته أنني لا أستطيع المغادرة في ذلك الظلام وحارسي ما زال داخل المركز، فجاء الأعوان الثلاثة وحاصروني وصفعوني على وجهي وبدأوا يدفعونني. ناديت على حارسي وطلبت منه المجيء ليشاهد ما يحصل لي، فضربوه هو الآخر والتحق بهم أعوان آخرون. دفعوني إلى داخل مركز الشرطة، وهم يضربونني ويركلونني حتى تعثرت عند الباب. قال لي أحدهم، "سوف ترين ما سنفعل بك. من أنت حتى تحصلين على حماية؟ هل تعتقدين أن ليس أمامنا أي شيء آخر نفعله؟"

بعد أن هدأت الأوضاع، اتصلت بن مهني بمحاميها هاتفيا واتجها لمركز آخر لرفع قضية.

كما رفع محاميها دعوى في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2014 لدى وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بمدنين. وفي 22 ديسمبر/كانون الأول 2014، فتح قاضي تحقيق بالمحكمة بحثا.

وفي 30 يونيو/حزيران 2016، عقد قاضي التحقيق جلسة جمعت بن مهني و3 أعوان شرطة، منهم رئيس المركز. أعلم القاضي بن مهني في تلك الجلسة بأنها مدعوّة للمثول أمام محكمة مدنين بتهمة "هضم جانب موظف عمومي" عملا بالفصل 125 من المجلة الجزائية. بحسب محضر الجلسة، الذي راجعته هيومن رايتس ووتش، زعم أعوان الشرطة الثلاثة الذين رفعوا الدعوى أن بن مهني دخلت مركز الشرطة دون تصريح، بحثا عن حارسها، ولما طلب منها أحد الأعوان مغادرة المكان، وصفته بـ "كلب بن علي". وفي 19 سبتمبر/أيلول 2016، انطلقت محاكمة بن مهني في المحكمة الابتدائية بمدنين، ثم أُجلت إلى تاريخ غير محدد. ما زالت القضيتان معلقتين.

سناء وعمر

زعمت سناء (44 عاما)، ربة منزل، وزوجها عمر (45 عاما)، دهّان، (تم تغيير أسماؤهما لسلامتهما)، إنهما تعرضا للضرب من قبل الشرطة في مارس/آذار 2013، بعد أن أرسلا شكوى بشأن قضية فساد إلى وزارة الداخلية. قال عمر إنه غادر ليون، فرنسا في مارس/آذار 2013 حيث كان يعمل، ليعود إلى المهدية على بعد 120 كيلومتر من تونس العاصمة. قال إن الحافلة الصغيرة التي كان يعيدها معه سُرقت في الميناء. ذهب عمر إلى مركز الشرطة في المهدية ليشتكي. قال له ضابط شرطة كبير إنه إذا دفع 1000 دينار (433 دولار) فسيحضر له الحافلة. قال عمر إنه دفع الرشوة. ذهب فيما بعد ليسأل الضابط عن مكان الحافلة، لكن الضابط قال إنه لا يستطيع أن يفعل شيئا له. في ديسمبر/كانون الأول 2013، أرسل عمر رسالة إلى المجلس التأديبي التابع لوزارة الداخلية يشتكي فيها على ضابط الشرطة.

بينما كان عمر يقود سيارته في المهدية مع طفليه ظهرا في 26 يوليو/تموز 2014، اقتربت سيارة بيضاء وأجبرته على التوقف. قال إن ضابط الشرطة نفسه خرج وأهانه وهدد بأنه إذا تابع شكواه فإن المركز "سيجعله يدفع الثمن". توجّه عمر إلى منزله، فتبعه ضابط الشرطة وشرطي آخر. قال إنه دخل المنزل، وقام الشرطيان بكسر الباب وضرباه على رأسه حتى أغمي عليه.

قالت سناء إنها كانت في غرفة الجلوس في الطابق العلوي عندما سمعت تحطيم الباب. ذهبت إلى الردهة ورأت شرطيين يصعدان الدرج. أجبراها على النزول، ثم لكماها وركلاها في الساقين والبطن. أخذ أحدهم عصا وجدها في المنزل وضربها بها على رأسها. ثم أمسكاها مرة أخرى، واقتاداها إلى سيارة بيضاء في الخارج، وبدأ أحد الشرطيين يقود سيارته وهو يمسكها بإحكام من ذراعها ويسحبها. سقطت على ركبتيها بينما واصل الشرطي القيادة وسحبها لبعض الأمتار. أغمي عليها واستيقظت في المستشفى.

تصف شهادة سناء الطبية، التي استعرضتها هيومن رايتس ووتش، ارتجاجا وكدمات على ذراعيها وساقيها. وصف الطبيب لها 10 أيام من الراحة. قدمت سناء وزوجها شكوى إلى النيابة العمومية في المحكمة الابتدائية بالمهدية.

في 24 فبراير/شباط 2015، وجه قاضي التحقيق في تلك المحكمة اتهاما إلى الضابط والشرطي بالاعتداء بالعنف بموجب المادة 101 من المجلة الجزائية ودخول المباني الخاصة ضد إرادة الساكن بموجب المادة 102 من القانون. كما اتهم عمر، في نفس القضية، بإهانة ضابط شرطة. استند القاضي في لائحة اتهامه للشرطيّين، التي راجعتها هيومن رايتس ووتش، على الشهادة الطبية و3 شهادات لشهود رأوا الشرطي يقود السيارة وهو يجرّ سناء. أفرج قاضي التحقيق عن الضابط والشرطي قبل المحاكمة. استند في التهم الموجهة إلى عمر على تصريحات الشرطة التي تؤكد أنه أهانهما أثناء محاولتهما اعتقاله في منزله.

قالت سناء إنها كانت تقف خارج المحكمة في المهدية في 24 سبتمبر/ أيلول 2014، بعد أن أحضرت شهودا ضد الشرطيَّين اللذين اعتديا عليها. قالت إن رجلا اقترب وشتمها، وتابع مشيه. عندما أدركت أنه كان الشرطي الذي اعتدى عليها، لحقته وسألته: "ألن تتركني وشأني؟".

دخلت المحكمة لتقديم شكوى جديدة ضد الشرطي، فوجدت أنه سبقها هناك، وقدم شكوى ضدها بـ "هضم جانب موظف عمومي".

راجعت هيومن رايتس ووتش الشكوى، التي تذكر أن الشرطي كان يدخل سيارته عندما واجهته سناء واتهمته بشتمها.

في 30 يناير/كانون الثاني 2015، برأت المحكمة الجهوية في المهدية سناء من تهمة الإهانة بسبب عدم كفاية الأدلة. أيدت محكمة الاستئناف الحكم بالبراءة في فبراير/شباط 2017.

عُقدت جلسة فى القضية دمجت تهم الاعتداء ضد الشرطيين وتهمة الإهانة ضد عمر في 13 أبريل/نيسان. من المتوقع صدور حكم فى 12 يوليو/تموز.

أحمد

قال أحمد (اسم مستعار، 66 عاما(، وهو ضابط متقاعد في الجيش، لـ هيومن رايتس ووتش إنه ذهب مع زوجته إلى سجن المهدية لزيارة ابنهما في 10 أغسطس/آب 2016. لم يتمكنا قبل أسبوع من زيارته لأن سلطات السجن قالت لهما إنه كان في السجن الانفرادي. قال إنهما وجدا ابنهما في حالة سيئة للغاية: كان يبكي وقال لهما إنه سيموت قريبا. وأظهر لهما جرحا مفتوحا في صدره.

قال أحمد إنه صُدم وأخبر الحراس عند مغادرته بأنه سيشتكي نيابة عن ابنه لوكيل الجمهورية ويجلب الطبيب لتسجيل إصابات ابنه. قال إن 8 من حراس السجن أحاطوه وأمسكوه واقتادوه إلى غرفة جانبية داخل السجن. قال أحمد إنهم ضربوه على صدره وساقيه وذراعيه ثم اقتادوه للاستجواب إلى مركز "الحرس الوطني" في المهدية. قال إن أحد ضباط الحرس الوطني أحاله إلى الطبيب الشرعي، بعد أن رأى حالته البدنية والدم على ملابسه.

أصدر الطبيب الذي استشاره في اليوم التالي بـ "مستشفى الطاهر صفر" في المهدية تقريرا استعرضته هيومن رايتس ووتش. جاء في التقرير أن أحمد أصيب بعدة كدمات، بما فيه في جبينه وذراعه، فضلا عن أثر صدمة في الخصيتين. قدم أحمد شكوى إلى المدعي العام في المحكمة الابتدائية بالمهدية، في 12 أغسطس/آب 2016، ضد حراس السجن بسبب الاعتداء والعنف.

في اليوم نفسه، استدعي إلى مكتب قاضي التحقيق الذي أخبره أن أحد حراس السجن قدم شكوى ضده بـ "هضم جانب موظف عمومي". يذكر تقرير تحقيق الحرس الوطني في ملف القضية، الذي راجعته هيومن رايتس ووتش، أن الحارس يدعي أن أحمد شتمه عندما خرج من قاعة الزيارة في السجن. ذكر الحارس أن حراسا آخرين كانوا شهودا وأكدوا ادعاءات زمليهم.

لا يزال أحمد ينتظر مزيدا من التطورات بشأن شكواه والشكوى المرفوعة ضده.

معز الجماعي

معز الجماعي صحفي يكتب لمجلة "مراسلون" الإلكترونية. قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه في 16 سبتمبر/أيلول 2016، كان وسط مدينة قابس، على بعد 410 كيلومترات جنوب العاصمة التونسية، في الساعة 9 مساء، عندما خرج 3 أعوان شرطة، أحدهم في ملابس مدنية، من سيارة الشرطة. أمسك أحدهم الجماعي من يده وسأله، "لماذا تحدّق بنا، بنظرة ازدراء على وجهك؟ نعرف أنك تكره الشرطة". قال الجماعي إن الشرطي حاول دفعه داخل سيارة الشرطة، ولكن الشرطيين الآخرين طلبا من زميلهما أن يتركه:

مشيت نحو المنزل، ولكن بعد 15 دقيقة اقتربت سيارة الشرطة نفسها مني، وأجبرني رجال الشرطة الثلاثة على دخولها. أخذوني إلى مركز الشرطة وسط المدينة. وجدت هناك شرطيا آخر، كان مسؤولا عن إعداد المحضر. سألني، "لماذا تهين الشرطة؟" ثم، "هل رأيت رجال الشرطة يتلقون رشاوى؟" كان يشير إلى تقرير أعددته عن التهريب عبر الحدود التونسية-الليبية.

قال الجماعي إن الشرطي اتصل بعد ذلك بوكيل الجمهورية وطلب منه اعتقال الجماعي لـ "إهانة الشرطة". طلب الجماعي الاتصال بمحام لكن الشرطي قال إنه ليس له الحق في ذلك. رفض الشرطي أيضا السماح للجماعي بالاتصال بأسرته، التي علمت عن اعتقاله فيما بعد، من خلال أشخاص شاهدوه أثناء القبض عليه. توجهت العائلة الساعة 2 صباحا إلى مركز الشرطة وطلبت رؤيته، لكن رجال الشرطة رفضوا ذلك. قال الجماعي إنه احتجز فى مركز الشرطة ليومين.

في 19 سبتمبر/أيلول، أخذته الشرطة إلى المحكمة الجهوية بقابس، حيث اتهمه وكيل الجمهورية بـ "هضم جانب موظف عمومي" بموجب المادة 125 من قانون العقوبات، وأطلق سراحه في انتظار المحاكمة. قال الجماعي إنه في 18 يناير/كانون الثاني 2017، ذهب إلى مكتب الضرائب لدفع ضريبة، وأبلِغ أن عليه دفع 30 دينارا غرامة فرضتها المحكمة لـ "هضم جانب موظف عمومي". قال إنه لم يتلق أي استدعاء لجلسة الاستماع أو الإخطار بالحكم.

عبير شمام

قالت عبير شمام (24 عاما)، مغنية في "فرقة البحث الموسيقي" المعروفة، ومدرّسة في مدرسة ثانوية، إنه في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، في الساعة 8:54 مساء، أوقفتها سيارة شرطة بينما كانت توصل خطيبها إلى وظيفته في "الشركة الجهوية للنقل"، على بعد أمتار قليلة من مركز شرطة منطقة قابس.

خرج رجل بملابس مدنية من سيارته يرافقه شرطي بالزي الرسمي، وفحص وثائق هويتيهما وسيارتها، ثم طلب منهما الخروج من السيارة ومرافقته إلى مركز شرطة المنطقة. قالت إن خطيبها رفض وأبلغه أن عليه أن يحضر إلى مكان عمله. قالت إن الرجل أهانهما. قالت إنها أخبرته أنه لا ينبغي أن يتحدث معها بهذه الطريقة وأنه يجب أن يحترمها كمواطنة ومعلمة.

وضع الشرطيان شمام وخطيبها في سيارتهما واقتادوهما إلى مركز شرطة منطقة قابس. قال الشرطي لرئيس المحطة إن شمام وخطيبها رفضا تقديم وثائق سيارتهما.

قالت إنها عندما اعترضت، رفع المحقق، الذي كان يسجل أقوالها بالصوت، يده وقال: "إغلقي فمك وإلا ضربتك".

قالت إنهما وقعا على تقرير الشرطة، بعد قراءته، الساعة 1 صباحا. اتهم محضر الشرطة شمام وخطيبها بإهانة أعوان الشرطة ورفض إظهار وثائقهما.

استدعيا إلى مركز الشرطة مرة أخرى في 7 نوفمبر/تشرين الثاني. أبلغ رئيس مركز الشرطة شمام بأنهم يوصون باتهامها بـ "هضم جانب موظف عمومي" بموجب المادة 125 من المجلة الجزائية. قدم محاميها شكوى ضد ضباط الشرطة في 9 نوفمبر/تشرين الثاني بدعوى الاعتداء والضرب أمام مكتب المدعي العام في محكمة قابس الابتدائية.

قالت إن ممثلين عن وزارة الثقافة حاولوا التوسط وعقد اجتماع بين شمام وخطيبها وفرع قابس في "نقابة قوات الأمن الداخلي". خلال الاجتماع، اتفق كل من شمام والشرطة على إسقاط شكاواهم. قالت إنها دعيت في يناير/كانون الثاني إلى احتفال للشرطة في قابس. راجعت هيومن رايتس ووتش شريط فيديو للمراسيم يظهر فيه رئيس فرع قابس في نقابة قوات الأمن الداخلي يدعو شمام إلى المنصة، ويسلمها زهورا، قائلا إن ما حدث كان خطأ.

قالت شمام إنها لم تسمع من الشرطة فيما بعد. لكنها تلقّت في 18 مايو/أيار أمرا من المحكمة الابتدائية في قابس، تستدعيها كطرف متهم، لجلسة استماع في 1 يونيو/حزيران. خلال هذه الجلسة حكم عليها القاضي بدفع غرامة 100 دينار (41 دولار). أما في ما يتعلق بشكواها ضد الشرطة، فقالت إنها لم تكن على علم بأي إجراء اتخذه القضاء.

إيناس بن عثمان

في 19 ديسمبر/كانون الأول 2014، ذهبت المخرجة السينمائية إيناس بن عثمان إلى مركز الشرطة في حي النصر بتونس العاصمة لتشكو سلوك ضابطة شرطة تعمل هناك، حيث قالت إنها أرسلت لها رسائل تهديدية وشائنة عبر "فيسبوك". قالت إن الشرطة لم تأخذ طلبها بجدية فى مركز الشرطة. منعها قائد المركز من المغادرة، واحتجزها لعدة ساعات للاستجواب، ثم اعتقلها لإهانة الشرطة. في وقت لاحق من ذلك اليوم، أخذتها الشرطة إلى مركز استجواب العوينة التابع للحرس الوطني للجرائم الخطيرة، واستجوبتها أيضا. أصدرت النيابة أمرا بالاحتجاز، واحتجزتها 6 أيام في مركز اعتقال بوشوشة. زعم رجال الشرطة في مركز شرطة النصر أنه عندما كانت تغادر المركز التفتت وأهانتهم. اتهمها قاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة بـ "إهانة الشرطة". أمضت بن عثمان شهرا في سجن منوبة للنساء في الحبس الاحتياطي أولا، ثم كمُدانة بعد أن حكم عليها القاضي الابتدائي بالسجن 3 أشهر. خفضت محكمة الاستئناف حكمها بالسجن إلى شهر وأطلقت سراحها بعد احتساب المدة التي قضتها.