الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يُلقي خطابا في قصر الاتحادية الرئاسي في القاهرة، 26 مايو/أيار 2017. 

© 2017 رويترز

(بيروت) – البيان التالي صادر عن 8 منظمات غير حكومية، منها "هيومن رايتس ووتش"، في 2 يونيو/حزيران 2017، بشأن قانون الجمعيات المصري القمعي الجديد.

تدين منظمات المجتمع المدني الموقعة أدناه بشدّة التصديق على قانون جديد ينظم عمل المنظمات غير الحكومية في مصر، وقد صدر عن الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم الاثنين 24 مايو/أيار. ينص القانون على مستويات غير مسبوقة من القمع، وسوف يُجرّم نشاط العديد من منظمات المجتمع المدني، وسيجعل من المستحيل عليها أن تعمل بشكل مستقل.

تشمل عواقب القانون المتوقعة تغييب مبادرات التنمية الإنسانية والمبادرات الخيرية وتعتيم العمل الإعلامي وإلغاء المحاسبة على الانتهاكات الحكومية. هذه المهام التي تتولاها منظمات المجتمع المدني المصرية مطلوبة بشكل خاص في ظل الأزمات الأمنية والاجتماعية-الاقتصادية الحالية. فالمصريون المستضعفون واللاجئون في الأراضي المصرية يحتاجون أكثر من أي وقت مضى للدعم والخدمات الأساسية التي تقدمها الجمعيات التي يستهدفها هذا القانون، مثل الخدمات الاجتماعية والتعليم وتخفيف آثار الفقر، فضلا عن الدعم القانوني والطبي والنفسي للناجين من التعذيب والانتهاكات والعنف ضد المرأة.

قال جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "هذا القانون الجديد يمثل انتكاسة هائلة لحرية تكوين الجمعيات في مصر. لقد أغلقت السلطات المصرية بإحكام المساحة المحدودة التي بقيت مُتاحة للمنظمات غير الحكومية في مصر، ودفعت بمجتمع المعنيين بحقوق الإنسان إلى العمل في الخفاء".

التضييق على المجتمع المدني إلى هذه الدرجة يمحي مسارا كان يمكن للمواطنين المصريين من خلاله التعبير عن المعارضة، ومحاسبة الحكومة على انتهاكات حقوق الإنسان، والاستفادة من مبادرات التنمية الإنسانية في وقت الأزمة الاقتصادية الطاحنة. مع تكبيل المجتمع المدني، صعّبت الحكومة أكثر على الجمعيات الأهلية التعامل مع الاحتياجات الاجتماعية التي أدت في بعض الأحيان إلى اضطرابات، مثلما حدث مؤخرا مع ارتفاع سعر الخبز. زيادة السيطرة الحكومية على منظمات المجتمع المدني المصرية تؤدي إلى غياب المعلومات الكافية حول التهديدات الأمنية والهجمات الإرهابية وإعطاء الجناة فرصة فرض روايتهم حول القتال بين الدولة والمتطرفين المسلحين.

هذا القانون يطابق تشريعا سابقا وافق عليه البرلمان المصري في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ثم تم حفظه بعد انتقادات دولية واسعة.

بموجب "القانون رقم 70 لسنة 2017 لتنظيم عمل الجمعيات وغيرها من المؤسسات العاملة في مجال العمل الأهلي"، فإنه يُحظر على جميع الجمعيات ممارسة نشاط "يضر بالأمن القومي للبلاد أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة" وهي مصطلحات مبهمة وفضفاضة يمكن أن يُساء توظيفها في تقييد أنشطة مشروعة. ينص القانون على إنشاء "الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية" ويضم ممثلين عن أجهزة الأمن القومي الرئيسية في مصر: المخابرات العامة، وزارتي الدفاع والداخلية، فضلا عن ممثلين عن وزارة الخارجية والبنك المركزي. يشرف الجهاز على عمل المنظمات غير الحكومية، بما يشمل أي تمويل أو تعاون بين جمعيات مصرية وكيانات أجنبية. يحظر القانون على الهيئات الحكومية المصرية إبرام اتفاقات مع منظمات مجتمع مدني دون موافقة الجهاز.

يسيطر القانون بإحكام على تمويل المنظمات غير الحكومية. ينص القانون على ضرورة استصدار الجمعيات لموافقة من السلطات قبل 30 يوما من تلقي التبرعات من الكيانات المصرية والأفراد داخل مصر، ولابد من إخطار وزارة التضامن الاجتماعي لدى تلقي هذه الأموال. كما ينص القانون على إمكانية أن تحصل الجمعيات على المنح أو الهبات من كيانات أجنبية داخل مصر، أو كيانات مصرية أو أجنبية خارج مصر طالما تم إخطار السلطات في ظرف 30 يوما من تحصيل الأموال. ثم يحق للسلطات رفض التمويل خلال مهلة 60 يوما من بعد الإخطار. يُحظر على الجمعيات استعمال هذه الأموال خلال فترة المراجعة المقدرة بـ 60 يوما.

يعطي القانون للحكومة أيضا سلطة مراقبة وإيقاف الأنشطة اليومية للجمعيات، من اختيار القيادات إلى تنظيم جداول الاجتماعات الداخلية. حتى التغييرات الإدارية من قبيل نقل المقر إلى مبنى آخر دون إخطار السلطات، من الأمور التي يعاقب عليها القانون. ينص القانون على مادة عامة ومبهمة تعطي السلطات المصرية حق إلغاء تراخيص المنظمات غير الحكومية الأجنبية في أي وقت إذا تبين للسلطات أن نشاط المنظمة ضار بالأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام، أو بموجب مبدأ المعاملة بالمثل، كما في حال إغلاق حكومة أجنبية لمنظمة مجتمع مدني مصرية على سبيل المثال.

الهيئات الحكومية المشاركة في هذا الجهاز الجديد – ومنها هيئات أمنية – لها سلطة التدخل في كل جوانب وجود المنظمات غير الحكومية وكل ما يخص الإدارة والأنشطة. زعم نواب بالبرلمان أن القانون سيجعل هذا القطاع أكثر "أمنا" إذ سيضمن رقابة قوية عليه، لكن من المشكوك فيه أن يكون لدى هذا الجهاز القدرات الكافية للإشراف الفعال على قطاع المجتمع المدني الكبير والنشط. إنما سيؤدي التنفيذ الكامل للقانون إلى حالة شلل ثم إغلاق الكثير من الكيانات بقطاع المجتمع المدني، بما أن الكثير من طلبات الجمعيات بتراخيص أو موافقة على التمويل يُرجح ألا تُجاب ومن ثم تُعتبر مرفوضة. لكن المصريين في حاجة شديدة ومتزايدة للخدمات وللدعم من المجتمع المدني. تحتاج مصر نمو القطاع غير الهادف للربح، لا أن يذبل ويتقلص.

يعاقب القانون على جملة من المخالفات بعقوبات بالسجن من عام إلى 5 أعوام، وبغرامة من 50 ألف إلى مليون جنيه مصري (2760 إلى 55349 دولارا). من بين الأنشطة المحظورة التي قد تؤدي إلى عقوبات بالسجن:

 

  • إنشاء منظمة غير حكومية تشق صف الوحدة الوطنية أو الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة.
  • معاونة أو مشاركة منظمة أجنبية في ممارسة نشاط أهلي في مصر دون تصريح.
  • إنشاء أو إدارة كيان يؤدي نشاطا أهليا دون اتباع أحكام القانون.
  • إرسال أو استقبال تمويلات أجنبية، كرئيس بجمعية أهلية أو كعضو فيها، في مخالفة لأحكام القانون.

كل من أصدر تصريحا لمنظمة غير حكومية يخالف نشاطها القانون أو يعيق تثبت الحكومة من أوراق ومستندات جمعية، أو أجرى استطلاعات للرأي العام أو بحوث ميدانية أو نقل مقر منظمة غير حكومية دون موافقة، يواجه عقوبة بالسجن لا تزيد عن عام وغرامة تتراوح بين 20 ألف و500 ألف جنيه مصري (1104 إلى 27624 دولارا).

يخالف هذا القانون التزام مصر بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما يشمل "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، والذي ينص على عدم فرض قيود على الحق في حرية تكوين الجمعيات إلا تلك "التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم". يجب ألا تؤدي أية قيود إلى تقويض جوهر الحق في حرية تكوين الجمعيات.

إننا ندعو الحكومة المصرية إلى إسقاط كافة التحقيقات الجنائية القائمة بحق المنظمات غير الحكومية، وإلى إلغاء القانون اتساقا مع التزامات مصر الداخلية والدولية بحماية حرية تكوين الجمعيات.

كما ندعو شركاء مصر الدوليين الذين يوفرون مساعدات أجنبية ومعونة اقتصادية، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى استخدام نفوذهم لحث الحكومة المصرية على السماح للمنظمات غير الحكومية بالوفاء بمهامها في المجتمع المدني. كما أن على الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان التابع لها، والدول الأعضاء بالأمم المتحدة، إلى التدخل كوسطاء بالمجتمع الدولي لتحميل مصر المسؤولية على هذا التشريع المكبل للمجتمع المدني إلى درجة شلّه تماما.

لا يجب أن تكون الدعوة لاحترام حقوق الإنسان والعمل على التنمية في مصر من الجرائم. لكن هذا القانون يجرّم هذه الأمور، ويشل المجتمع المدني لسنوات قادمة.

 

الموقعون:

  • معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP)
  • هيومن رايتس ووتش
  • مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
  • CIVICUS
  • المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب (OMCT) في إطار مرصد حماية الدافعين عن حقوق الإنسان
  • الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، في إطار مرصد حماية المدافعين عن حقوق الإنسان
  • جمعية الإبداع والثقافة الإيطالية (ARCI)
  • منظمة Un Ponte Per