شرطيّان يحرسان احدى المدارس التي تم إغلاقها في بلدة ثاكيتا، رانغون، بعد أن فتشت السلطات المبنى، 29 أبريل/نيسان 2017.

© 2017 ريتشارد واير/هيومن رايتس ووتش
 

(رانغون) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن على الحكومة البورمية إعادة فتح مدرستين إسلاميتين كانت قد أغلقتهما السلطات المحليّة في رانغون في 28 أبريل/نيسان 2017. على الحكومة أن تلتزم علنا بحماية الحق في الحرية الدينية لجميع الجماعات الدينية في بورما، بما في ذلك الحق في العبادة وإقامة الشعائر والممارسة والتدريس.

في أواخر أبريل/نيسان مارس حشد من المتطرفين القوميين البوذيين، يتراوح عددهم بين 50 و100 شخص، ضغوطا على المسؤولين المحليين والشرطة في بلدة ثاكيتا في رانغون، لإغلاق المدرستين. زعم المتطرفون القوميون أن عناصر من المجموعات المسلمة يستخدمون المدرستين في الصلاة، مما ينتهك الاتفاق الذي وقعه قادة المدرستين في العام الماضي. نفذت السلطات طلبهم، ولم تعاود فتح المدارس، ما حرم مئات الطلاب من تعليمهم.

قال فيل روبرتسون، نائب مدير قسم آسيا في هيومن رايتس ووتش: "استسلام المسؤولين البورميين المحليين لمطالب المجموعة بإغلاق مدرستين مسلمتين هو أحدث فشل حكومي في حماية الأقليات الدينية في بورما. على الحكومة أن تتراجع فورا عن هذا الإغلاق، وأن تضع حدا للقيود المفروضة على ممارسة أديان الأقليات، وأن تحاكم المتطرفين القوميين البوذيين الذين يخرقون القانون باسم الدين".

سكان محليون يراقبون من خلال أبواب مغلقة قيام السلطات، مصحوبة بشيوخ المدرسة وقوميين بوذيين متشددين، بتفتيش احدى المدارس المغلقة في بلدة ثاكيتا، رانغون، 29 أبريل/نيسان 2017.

© 2017 ريتشارد واير/هيومن رايتس ووتش

قالت هيومن رايتس ووتش إن إدعاءات الجماعات البوذية القومية المتطرفة بأن عمليات الإغلاق كانت مشروعة، لأن قادة المدرستين وقعوا وثيقة في أكتوبر/تشرين الأول 2015 وافقوا فيها على عدم استخدام المدرستين للصلاة، لا يعطي مبرراً لإغلاقهما. حتى لو لم يتم توقيع الاتفاق تحت الإكراه، كما تشير الأدلة، فهو ينتهك الحقوق الأساسية للمجتمع المسلم في الحرية الدينية. ذكرت وسائل الإعلام أن المتطرفين القوميين البوذيين سبق أن ضغطوا على المسؤولين المحليين بناء على الادعاء بعقد الصلوات في المدرستين.

قال تين ميو أونغ (45 عاما)، وهو مسؤول أمن في إحدى المدرستين، لـ هيومن رايتس ووتش إن حشدا من القوميين المتطرفين البوذيين ظهروا حوالي الساعة 4 مساء أمام المدرسة التي كان يحرسها. زاد قلقه عند ازدياد حماسهم، قبل وصول الشرطة. أقفلت الشرطة المدرستين، حوالي الساعة 6 مساء، لمنع أي شخص من الدخول. جدّت مشاحنات بين بعض القوميين البوذيين ومراسل من وكالة "أسوشييتد برس"، لكنها لم تتطوّر. قال عضو بلجنة مدرسية لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات قالت إن الإغلاق مؤقت دون تحديد جدول زمني لإعادة فتح المدرستين.

زارت هيومن رايتس ووتش بلدة ثاكيتا في 29 أبريل/نيسان، ولاحظت وجود العشرات من رجال الشرطة خارج المدرستين. دخلت السلطات المحلية إلى جانب ممثلي المدرستين وأفراد، وصفهم السكان المحليون بأنهم من القوميين البوذيين المتطرفين، بعد الساعة 11 صباحا، إلى المدرستين لفحصهما. بعد خروجهم، استبدل المسؤولون أقفال البوابات، ووضعوا شريطا أصفر وحواجز حول المداخل. رفضت الشرطة خارج المدرستين، من ذلك الوقت، السماح بدخول أفراد المجتمع الإسلامي، بمن فيهم أولئك الذين يرتاد أطفالهم المدرستين.

قال عضو لجنة المدرسة لـ هيومن رايتس ووتش إن المدرستين أرسلتا على الفور رسالة إلى مكتب رئيس وزراء منطقة رانغون مطالبين بإعادة فتح المدرستين. مع ذلك، لم يتلقوا ردا حتى الآن. قال تين ميو أونغ إن مئات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و12 عاما يحضرون عادة إلى المدرستين. قالت هيومن رايتس ووتش إن الإغلاق يحرم الأطفال من حقهم في التعليم.

قال وونا شوي (54 عاما)، وهو الأمين العام المشترك لـ "مجلس الشؤون الدينية الإسلامية"، إن مثل هذا الإغلاق أمر شائع في بورما، وإنه يمس أيضا جماعات أخرى من الأقليات الدينية مثل المسيحيين.

قال وونا شوي: "المدارس التي أقفلت أو أغلقت، وفقا لتجاربنا، لا تفتح مرة اخرى". أضاف أنه منذ اندلاع أعمال عنف في تونغو، في منطقة باغو، عام 2001، أغلقت الحكومة 10 مساجد، ولم تُعد فتح سوى 4 منها.

اتصلت هيومن رايتس ووتش مرارا بلجنة المعلومات التابعة لشرطة رانغون، ولكن لم يبد أحد استعدادا للتعليق على الحادث.

قال روبرتسون: "أظهرت السلطات والشرطة البورمية مرارا أنها غير راغبة فى مواجهة المتطرفين البوذيين الذين يحرضون على العنف ضد المسلمين والأقليات الدينية الأخرى. إذن فقد فشلت الحكومة في حماية حرية الدين والتعليم وفي توفير الأمن الأساسي لجميع فئات الشعب. لا يمكن لقادة بورما أن يجلسوا وينتظروا الجولة المقبلة من العنف ضد مجموعة من الأقليات. عليهم اتخاذ خطوات استباقية لمعالجة التوترات والنزاعات الدينية حتى يتمكن الجميع من ممارسة دينهم بسلام وأمان".

متاريس تم وضعها خارج احدى المدارس في بلدة ثاكيتا، رانغون، بعد أن أغلقتها السلطات، 29 أبريل/نيسان 2017.

© 2017 ريتشارد واير/هيومن رايتس ووتش

المسلمون في بورما

شغل المسلمون مناصب عليا في حكومة بورما والمجتمع المدني، خلال الفترة الاستعمارية البريطانية والسنوات الأولى بعد الاستقلال عام 1948. كانوا في طليعة الكفاح من أجل الاستقلال عن البريطانيين. واصل المسلمون بعد الاستقلال لعب دور بارز في الأنشطة التجارية والصناعية والثقافية في البلد. كان العديد منهم من الموظفين الحكوميين والجنود والضباط. بدأ الجنرال ني وين الطرد المنهجي للمسلمين بعد أن استولى على السلطة في عام 1962. لا توجد توجيهات مكتوبة تمنع المسلمين من العمل أو الترقية في الحكومة، ولكن هكذا كانت الممارسة لفترة طويلة. وثّقت هيومن رايتس ووتش في عام 2001 العنف المناهض للمسلمين، الذي أدّى إلى تدمير عشرات المساجد والمدارس في مختلف أنحاء بورما.

يشكل المسلمون ما يزيد قليلا عن 2 بالمئة من سكان بورما، ويشكل البوذيون حوالي 90 بالمئة منهم، وفقا لبيانات التعداد الحكومي التي جُمعت في 2014. مع ذلك، لا يشمل هذا الرقم أكثر من مليون مسلم من الروهينغا، وهي مجموعة عرقية عديمة الجنسية تعيش أساسا في ولاية راخين. يشكل المسيحيون ما يزيد قليلا عن 6 بالمئة من السكان.

بورما مُلزمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان بحماية الحق في حرية الفكر والضمير والدين، بما في ذلك الحق في التعبير عن المعتقد الديني وفي العبادة والشعائر والممارسة والتعاليم. لا بد من حماية هذا الحق بطريقة غير تمييزية. يخضع الحق لقيود لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين. إلا أنه يجب أن ينص القانون على هذه القيود، المصممة بشكل دقيق لمنع تهديد محدد والتي يجب أن تكون متناسبة مع هذا التهديد. لم يقدم المسؤولون البورميون أية معلومات أو أدلة تشير إلى أن هاتين المدرستين الإسلاميتين تشكلان أي تهديد وشيك.

قالت هيومن رايتس ووتش إن الحكومات البورمية المتعاقبة سمحت مرارا للجماعات البوذية القومية المتطرفة بمنع الأقليات الدينية من اختيار أماكن للعبادة والممارسة الدينية وتلقي التعاليم الدينية. وجدت "ﻟﺠﻨﺔ اﻟﻮﻻﻳﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة المعنية بالحرية الدينية الدولية" مرة أخرى، في تقريرها السنوي لعام 2017، أن التمييز متفشيا ضد المسلمين والمسيحيين في بورما.

تُعد التشريعات الحكومية المتعلقة بأماكن الصلاة وبناء المباني الدينية مبهمة وعادة ما يقتصر تفسيرها على تقديم المسؤولين المحليين تفسيرات شفاهية لها، وتترتب عليها متطلبات مرهقة. قال وونا شوي لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا توجد قواعد أو تشريعات رسمية مكتوبة تحظر الصلاة في المدارس الدينية أو تقيد تشييد دور العبادة، رغم أن بعض المدارس الدينية قد طلب منها استصدار الإذن بالصلاة على فترات زمنية محدودة. كما تحظر السلطات الحكومية البورمية بناء مساجد جديدة، وتجعل من الصعب للغاية الحصول على إذن بإجراء إصلاحات للمباني الدينية القائمة. فُرضت هذه القيود منذ أوائل الستينات، ونتيجة لذلك هناك العديد من المساجد في بورما بحاجة إلى ترميم، في حين ترزح مساجد أخرى عديدة تحت عبء الحاجة لخدمة مجموعات سكانية إسلامية متزايدة الأعداد.

على سبيل المثال، قال قيادي بأحد المساجد إن السلطات المحلية أجبرت المسجد مؤخرا على تكسير أرضية خرسانية بنيت لإبعاد الجرذان. قال مسؤولون إن البناء غير قانوني لأنهم لم يحصلوا على إذن قبل تنفيذ المشروع. قال قادة المسجد إن عملية الموافقة هذه تشمل ما لا يقل عن 6 موافقات من كل مستوى تقريبا من المكاتب الحكومية المحلية والاقليمية، من مستوى الحراسة حتى المكتب الاداري الاقليمي فى رانغون.

قالت هيومن رايتس ووتش إن الإغلاق القسري للمدرستين في رانغون هو جزء من اتجاه أوسع للضغط والترهيب والعنف الذي ترتكبه الجماعات البوذية القومية المتطرفة ضد المجتمعات الإسلامية. تعمل "ما با ثا"، أو "رابطة حماية العرق والدين"، بنشاط على الترويج للسياسات التمييزية وإذكاء المشاعر المعادية للمسلمين. شملت هذه السياسات حملة ناجحة لسن 4 قوانين تعسفية معنية بـ "العرق والدين"، وُقعت في مايو/أيار وأغسطس/آب 2015، وتستهدف بشكل غير مشروع المسلمين والأقليات الدينية الأخرى، وتنتهك حقوق المرأة، وتشجع الجماعات القومية المتطرفة البوذية على الضغط على المسؤولين المحليين لتنفيذ القوانين.

أدت موجات العنف المتتالية ضد السكان المسلمين في مختلف أنحاء البلد، ولا سيما ضد مسلمي الروهينغا في ولاية راخين الغربية في بورما، إلى هدم العديد من المساجد وتركهم دون دور عبادة. أعقبت أعمال العنف في يونيو/حزيران 2012 بين البوذيين والمسلمين في ولاية راخين، هجمة منسقة ضد الروهينغا من قبل حشود راخين البوذية المدعومة من الشرطة والجيش في أكتوبر/تشرين الأول 2012. وجدت هيومن رايتس ووتش أن الاعتداءات على مجتمعات الروهينغا في أكتوبر/تشرين الأول بلغت حد "التطهير العرقي" والجرائم ضد الإنسانية. حُرقت آلاف المباني، مما أدى إلى تشريد أكثر من 140 ألف شخص، معظمهم من الروهينغا ومسلمي كامان.

أسفرت اشتباكات بين المسلمين والبوذيين في ميكتيلا بمقاطعة ماندالاي في عام 2013، عن مقتل العشرات وتدمير أكثر من 800 مبنى. وقعت هجمات أخرى ضد الطوائف المسلمة على مدار السنة: في أبريل/نيسان في قرية أوكان في منطقة ساغاينغ؛ في مايو/أيار في لاشيو، بولاية شان؛ في أغسطس/آب في قرية هتان غون، بمنطقة ساغاينغ؛ في أكتوبر/تشرين الأول في بلدة ثاندوي، بولاية راخين. هاجمت عصابة بوذية منزلا مسلما في مدينة ماندالاي في يوليو/تموز 2014.

دمرت العصابات مسجدين في الأسبوع نفسه، أحدهما في إقليم باغو، والآخر في ولاية كاشين في أواخر يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2016.

شاركت قوات الأمن البورمية في حملة من أعمال الحرق والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون والاغتصاب في أكتوبر/تشرين الأول، بعد أن قامت جماعة مسلحة من الروهينغا تعرف باسم "جيش خلاص روهينغا أراكان"، بمهاجمة 3 مواقع حدودية في ولاية راخين الشمالية. أصدرت الأمم المتحدة قرارا بإيفاد بعثة لتقصي الحقائق للتحقيق في هذه الاعتداءات وغيرها من الانتهاكات، في مارس/آذار 2017، وهي الاعتداءات والانتهاكات التي قال تقرير صادر عن "مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان" إنها قد ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.