(أربيل) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن التغيّرات الحاصلة في قواعد الغارات الجوية في العراق تثير مخاوف بشأن حماية المدنيين، خصوصا بعد غارات الموصل في 17 مارس/آذار 2017 التي تسببت في مقتل العشرات. على قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، التي تحارب تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش") في العراق، الإعلان التفصيلي عن نتائج التحقيقات المتصلة بالهجوم. عليها أيضا إحالة الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب إلى المحاكمة الجنائية وفق الآليات المناسبة، وتقديم التعويض المناسب للضحايا المدنيين أو أسرهم. لم تنشر تحقيقات التحالف السابقة أي تفاصيل عن عملها أو نتائجها أو تدابيرها التأديبية أو تعويضاتها إن كانت قامت بها.

 أشخاص يحملون جثثا لأقارب مدنيين قتلوا في هجوم على حي الموصل الجديدة، غرب الموصل، 17 مارس/آذار 2017. 

في 25 مارس/آذار، ذكرت وسائل إعلام عالمية مختلفة شن طائرات التحالف غارة على أحد أحياء الموصل الجديدة في غرب الموصل أدت إلى مقتل 200 شخص. أكد المكتب الصحفي لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وقوات المهام المشتركة لعملية "العزم الصلب" إغارة التحالف "على مقاتلين ومعدات لداعش" في المنطقة يوم 17 مارس/آذار، وأضاف أنه فتح تحقيقا رسميا. لكن نفى الجيش العراقي في 26 مارس/آذار مسؤولية التحالف عن سقوط ضحايا مدنيين، مدعيا أن سبب ذلك عبوات ناسفة زرعها داعش، دون نشر أي لقطات أو صور للموقع.

قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "على التحالف إجراء تحقيق شامل وشفاف في مقتل عشرات المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات. يثير ارتفاع عدد القتلى المدنيين في المعارك الأخيرة والتصريحات المتعلقة بتغيير إجراءات التدقيق في الغارات الجوية مخاوف بشأن الطريقة التي تُخاض فيها معركة غرب الموصل".

في ديسمبر/كانون الأول 2016، أكد المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، العقيد جون دوريان من سلاح الجو، لوسائل إعلام أمريكية وجود توجيهات أمريكية ذاك الشهر بتخفيض عدد الخطوات المطلوبة لحصول بعض قوات التحالف على التفويض والإذن بشن غارات جوية. أشار إلى أن التغيير الرئيسي أزال الحاجة إلى طلب إذن "خلية الغارات" لشن غارات فردية.

قابلت هيومن رايتس ووتش 3 مدنيين كانوا في محيط هجوم 17 مارس/آذار عند وقوعه، بينهم ناجيان. قال أحد من كانوا في المنازل المهاجَمة –عبر الهاتف – حتى يومين قبل الهجوم إنه في يوم 9 مارس/آذار، طلب مقاتلو داعش منه ومن أكثر من 45 أسرة ضمن نطاق 4 شوارع في الموصل الجديدة، مغادرة المنطقة دون إبداء أسباب. انتقلت عائلته وعائلة أخيه إلى منزل كبير جدا من 3 طوابق لأحد أصدقائه يقع على بعد 200 متر من منزله الأصلي. بحلول 15 مارس/آذار، وصل نحو 140 شخصا إلى المنزل مع إقامة عدة عائلات في غرفتي القبو، ومساحة كل واحدة 4 بـ 5 أمتار.

مع اكتظاظ المنزل، انتقل مع عائلته إلى منزل صديق آخر في الحي. لم ير حتى تلك ذاك اليوم أي شيء يشير إلى تفخيخ مقاتلي داعش منزله الأصلي، لكنه رآهم يحدثون فتحات في جدران منزله والمنازل المجاورة للتنقل فيما بينها.

قال إنه سمع انفجارات عنيفة من 15 إلى 22 مارس/آذار، لكنه لم يخرج. يتذكر سماعه بشكل محدد انفجارا هائلا حوالي 8:30 صباحا يوم 17 مارس/آذار، وكذلك أصوات طائرات محلقة. ذهب يوم 23 مارس/آذار إلى المنزل الكبير للاطمئنان على عائلة أخيه ليجده مدمرا بالكامل. قال الجيران الذين شهدوا الغارة إن ذخائر حربية دمرته صباح يوم 17 مارس/آذار. كما تدمر منزل مجاور وتضرر ثالث.

على مدار الأيام الخمسة التالية، قام مع عمال الإنقاذ بسحب الجثث من تحت أنقاض المنزل الكبير، وفي 25 مارس/آذار، عثر على جثة شقيقه. قال إنه سحب مع عمال الإنقاذ 100 جثة على الأقل من تحت الأنقاض، وإن أقارب جاؤوا إلى المنطقة يبحثون عن 37 شخصا آخرين لم يُعثر عليهم بعد. قال إنه انتشل ناجٍ واحد فقط، وهو ساكن محلي يُعالج في أربيل.

قابلت هيومن رايتس ووتش الناجي في أربيل يوم 28 مارس/آذار. قال إنه بحدود 8:15 صباح يوم 17 مارس/آذار رأى مقاتلا من داعش يمر قرب البناء ومن ثم قُصف البناء بعد ذلك جوا كما يعتقد. قال رجل، لديه منزل أصغر تضرر أيضا من الهجوم، لـ هيومن رايتس ووتش إنه عند الساعة 9 صباحا تقريبا يوم 16 مارس/آذار، أخبره مقاتل من داعش هو وصاحب المنزل الكبير أن على الجميع إخلاء المبنى والتوغل داخل أراضي داعش قبل الصباح. قال إن المقيمين في المنزل كانوا يستعدون للإخلاء في الصباح عندما حدث انفجار كبير أدى إلى إصابته ومقتل 4 من أفراد أسرته.

لم يتصل محققو التحالف بأي فرد من هؤلاء طوال فترة تواصل هيومن رايتس ووتش معهم.

أخبر قائد في "دائرة مكافحة الإرهاب" العراقية هيومن رايتس ووتش أنه زار في 26 مارس/آذار مكان "وقوع المجزرة". قال إن هناك علامات على استخدام متفجرات وديناميت، وإن الضرر لا يتسق مع غارة جوية، بل مع انفجار داخلي.

حاولت هيومن رايتس ووتش في 26 مارس/آذار زيارة الموصل الجديدة للتحقيق في المزاعم، لكن مُنعت من أفراد قسم مكافحة الإرهاب، قائلين إن أوامر رئيس الوزراء حيدر العبادي تمنع وصول الصحفيين أو المنظمات غير الحكومية إلى المكان. مُنح عدة صحفيين إمكانية الوصول إلى الموقع في وقت سابق من ذلك اليوم، لكنهم قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات المسلحة طلبت منهم الرحيل خلال 30 دقيقة، ومنعتهم من التصوير. أخبرت عضوة في المجلس البلدي هيومن رايتس ووتش أنها حُرمت أيضا من الوصول إلى المنطقة في 27 مارس/آذار.

في حالة الغارات الأمريكية، تقوم القوات الأمريكية، بما فيها تلك التي تتبع القيادة المركزية الأمريكية، بالتحقيق في بشكل روتيني في سقوط أي ضحايا من المدنيين بسبب القوات الأمريكية يتبعه تقييم ذو مصداقية بموجب اللائحة التنظيمية 15-6 الخاصة بالجيش الأمريكي. تشرف القيادة المركزية على قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة.

أشخاص يحملون جثثا لأقارب مدنيين قتلوا في هجوم على حي الموصل الجديدة، غرب الموصل، 17 مارس/آذار 2017. 

على التحالف ضمان نشر نتائج تحقيقاته المتعلقة بهجمات تسببت في إصابات بين المدنيين علنا، وفي حال العثور على انتهاكات خطيرة لقوانين الحرب، عليه إحالة المسؤولين عنها إلى المحاكمة الجنائية المناسبة. ينبغي أن تتضمن النتائج معلومات عن تدابير المحاسبة المتخذة، مع تفسيرات، وأي تعويض مقدم للضحايا أو أسرهم. في الماضي، لم تقدم تحقيقات القيادة المركزية وفق اللائحة 15-6، أو تقارير التحالف الأخيرة حول التحقيقات، معلومات حول سقوط ضحايا مدنيين. قالت هيومن رايتس ووتش إن على التحقيق ألا يعتمد فقط على التقييمات الداخلية من القوات الجوية المشارِكة، والتي قد تقلل من عدد الضحايا المدنيين، بل عليه السعي إلى الحصول على شهادات مباشرة من الناجين.

على لجان القوات المسلحة، العلاقات الخارجية، والاستخبارات في الكونغرس الأمريكي طلب الإحاطة المنتظمة وفي الوقت المناسب بكل ما يتعلق بالغارات التي تشنها قوات التحالف وأي تحقيق جار للحصول على الصورة الكاملة تجاه طريقة تنفيذ غارات التحالف الجوية وعملية التحقيق في إصابات حدثت بين المدنيين.

واصلت داعش ارتكاب فظائع ترقى إلى مستوى جرائم حرب في الموصل. تنطبق قوانين الحرب على جميع أطراف القتال في العراق، بما فيها داعش، وتتطلب منهم العمل المستمر خلال العمليات العسكرية على تجنب استهداف المدنيين و"اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة" لتجنب أو تقليل تعرض المدنيين لخسائر في الأرواح أو الإضرار بالأعيان المدنية. على داعش الكف عن تعريض المدنيين للخطر عبر إجبارهم على مرافقة المقاتلين، بما في ذلك في مناطق القتال النشطة. استخدام المدنيين كدروع بشرية جريمة حرب.

قالت فقيه: "سيؤدي تسهيل طلب شن غارات جوية إلى إضعاف حماية المدنيين وتعريضهم للمزيد من الإصابات والقتل. سيزيد الخطر على الكثيرين ممن يُفترض بتلك العمليات أن تحميهم".

التغييرات في عملية التفويض

وفقا للجيش الأمريكي، تقع "خلية الغارات" في بغداد، توفر معلومات حول المناطق الواجب على طائرات التحالف استهدافها، تؤكد تواجد أهداف عدوة، وتقدم توصيات الاستهداف. يسمح التوجيه الحالي لبعض أعضاء التحالف، ومن المحتمل أيضا للقوات العراقية، طلب تنفيذ غارات جوية دون الإجراءات الإضافة للتفويض والمراجعة من "خلية الغارات" التابعة للتحالف في بغداد.

المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، النقيب جيف دايفس، أخبر صحيفة "نيويورك تايمز" في 24 مارس/آذار أنه "لا يوجد أي تخفيف لقواعد الاشتباك". قالت هيومن رايتس ووتش إنه لم يتطرق إلى التغييرات الأخرى التي يمكن أن تضع المدنيين في خطر أكبر.

سواء كان أعضاء التحالف يرونها تغييرات في قواعد الاشتباك أو مجرد تغييرات إجرائية، يبدو أن نتيجة هذه التغييرات أن طائرات التحالف باتت الآن قادرة على توجيه غارات في مناطق ذات كثافة سكانية عالية بمعلومات ووقت أقل حول عدد المدنيين الذين قد يصابون أو يقتلون، مع تدابير أقل للتحقق من الهدف، وتوصيات أقل بخصوص القرار المناسب. يزيد هذا من احتمال سقوط ضحايا مدنيين.

من غير الواضح كذلك كيف يمكن للتحالف التحقق من، والتدقيق في، صحة المعلومات الواردة من شركائه في التحالف ممن يطلبون إذنا بشن غارات قبل أن يسمح لهم بها، وكيف غيرت التوجيهات الجديدة هذه الإجراءات. يملك المراقبون الذين يوجهون الضربات الجوية سلطة إعطاء التفويض بشن الغارات وإصدار الأوامر، لكن قد يؤدي اعتمادهم على معلومات خاطئة إلى مقتل المدنيين.

إضافة إلى ذلك، منذ بدء عملية استعادة السيطرة على غرب الموصل، وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام القوات العراقية صواريخ بدائية تحمل ذخائر عشوائية ومدفعية ثقيلة في مناطق مأهولة بالمدنيين. يشير الاستعداد لاستخدام هكذا أسلحة في مناطق مدنية إلى أن الحكومة العراقية هي الأخرى تتخذ احتياطات أقل لحماية أرواح المدنيين.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه إضافة إلى الانتهاكات الصريحة لقوانين الحرب، تخفيف قواعد الاشتباك أو عطل المعدات سيزيد عدد الضحايا المدنيين أيضا مع ارتفاع وتيرة المعركة ضد داعش، والكثافة السكانية المدنية في المناطق التي تجري فيها المعارك حاليا. تتزايد المخاوف بشكل خاص عند حدوث معارك في مدن حيث لا يمكن معرفة مواقع المدنيين بسهولة دون رصد مستفيض، والذي حتى لو تم، قد لا يمكن رؤية المدنيين. تزداد خطورة ما سبق نظرا إلى أن داعش معروف باستخدامه المدنيين كدروع بشرية.

خطوات للحد من الخسائر البشرية المدنية

قالت هيومن رايتس ووتش إن على قوات التحالف والقادة العراقيين اتخاذ عدة خطوات فورية للحد من المخاطر التي يتعرض لها الضحايا المدنيون. يحظر على جميع القوات المسلحة شن هجمات عشوائية، وعليها عدم استخدام أسلحة متفجرة ذات تأثير واسع النطاق في المناطق المأهولة بالسكان. على القادة، حيثما أمكن، الحد من استخدام النيران غير المباشرة (مدافع الهاون والمدفعية والصواريخ) التي لا تستخدم الذخائر الموجهة بدقة، واختيار أسلحة وذخائر محددة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين إلى أقصى حد ممكن. ينبغي الطلب من موجهي الضربات الجوية الحفاظ على أعلى مستوى من التحكم المباشر بكل غارة، بما في ذلك إبصار الهدف والطائرات المهاجمة.

على القادة مراجعة جميع طلبات القصف الجوي والمدفعي بدقة للتأكد من أن جميع الأهداف هي عسكرية ومشروعة وأن الغارات لا تسبب ضررا بالمدنيين لا يتناسب مع المكاسب العسكرية المتوقعة. يجب أن يتم التحقق من المعلومات المتعلقة بالهدف، والمنطقة المستهدفة، ووجود مدنيين أو أعيان مدنية باستخدام كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك التأكيد البصري واستخدام منصات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المختلفة.

يثير ارتفاع عدد القتلى المدنيين في المعارك الأخيرة والتصريحات المتعلقة بتغيير إجراءات التدقيق في الغارات الجوية مخاوف بشأن الطريقة التي تُخاض فيها معركة غرب الموصل.

لما فقيه

نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش

على القادة التأكد من عدم مهاجمة المناطق المحمية بموجب قوانين الحرب: مثل المستشفيات ودور العبادة والمعالم التاريخية، ما لم تفقد وضعها المحمي. لهذه الغاية، على القادة ضمان وضع قوائم بالأماكن الممنوع قصفها، توزيعها بشكل واسع على القوات التابعة للتحالف، تحديثها باستمرار، والالتزام بها.

تغييرات محتملة في القواعد المتبعة في سوريا واليمن

في الأسابيع الأخيرة، كانت هناك تقارير سابقة عن غارات جوية شنتها القوات الأمريكية أو باقي قوات التحالف في سوريا أسفرت عن سقوط ضحايا من المدنيين ربما بأعداد كبيرة. قصفت القوات الأمريكية يوم 16 مارس/آذار مسجدا قرب بلدة الجينة في محافظة حلب السورية أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص. بينما قالت السلطات الأميركية إن الهجوم استهدف وقتل أعضاء بتنظيم "القاعدة"، أخبر سكان محليون هيومن رايتس ووتش أن الهجوم قتل مدنيين. في 21 مارس/آذار، أصابت غارة جوية مدرسة قرب الرقة أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين ممن احتموا فيها، وفقا لنشطاء محليين وجماعات مراقبة. قالت قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة إنها شنت هجمات ضد داعش قرب الرقة يوم 21 مارس/آذار.

وفقا لـ نيويورك تايمز، قالت إدارة ترامب في يناير/كانون الثاني إنها خففت قواعد الاشتباك في 3 محافظات يمنية على الأقل، معلنةً أجزاء منها "مناطق أعمال عدائية نشطةووسعت بشكل متسارع نطاق العمليات الأمريكية ضد "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" في الأسابيع التي تلت ذلك. تدرس إدارة ترامب كذلك رفع مستوى، أو إزالة القيود عن، الدعم الأمريكي للتحالف العسكري بقيادة السعودية في حملته ضد جماعة الحوثيين المسلحة في اليمن، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".