مع اشتداد قصف قوات بشار الأسد لمناطق المتمردين على امتداد العام الماضي، لم تكن حكومته تدرك أنها بصدد تقويض حصانتها تجاه عدم المسائلة عن الجرائم المرتكبة في النزاع السوري منذ عام 2011.

آلاف اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا تحدثوا عن جرائم بشعة عاشوها وشاهدوها. بدأ المحققون والمدعون العامون في فرنسا وألمانيا والسويد البحث عن بعض الأفراد الذين قدموا إلى تلك البلدان، ويُشتبه في ارتكابهم جرائم قتل وسوء معاملة في سوريا. يقدّم اللاجئون لسلطات الدول المضيفة تفاصيل حول الأحداث وهوية المتورطين فيها.

مع دخول الحرب السورية عامها السادس، وثق نشطاء على الإنترنت المعاناة الإنسانية المروعة ونقلوها للعالم. شمل التوثيق لقطات صوّرت بهواتف خلوية لمدنيين يتلوون من الألم نتيجة للغاز السام في الغوطة، وصور لأشخاص هزيلين عليهم آثار تعذيب في مبان تُستخدم كمراكز اعتقال، ووجوه أطفال مغبرّة تُسحب من تحت أنقاض مستشفيات مقصوفة في حلب.

جميع الأطراف تسببت في انتهاكات لقوانين الحرب، وخاصة تلك التي تقاتل لصالح حكومة الأسد. أدت جرائمهم المروعة إلى سعي المجتمع الدولي لإلقاء القبض على المشتبه فيهم بارتكاب تلك الأفعال المشينة وتقديمهم للمحاكمة.

كلما قُبض على مشتبهين في بلد أوروبي، يجب أن يتم أولا التحقيق فيما قاموا به، وتوجيه تهم إليهم لمحاسبتهم على جرائم الحرب المرتكبة في سوريا.

فتحت النيابة العامة في فرنسا تحقيقا أوليا ضدّ مشتبه به، لم يُكشف عن اسمه، يُعتقد أنه ضالع في جرائم حرب محتملة بعد تسريب مجموعة كبيرة من الصور، تُعرف باسم "صور قيصر". تُظهر الصور – التي سرّبها مصوّر سابق في سجون الحكومة –  معتقلين سوريين قتلى.

أفادت تقارير إعلامية في ألمانيا أن الشرطة تتلقى يوميا بين 25 و30 تقرير جرائم حرب محتملة من لاجئين وافدين. فتحت السلطات 13 تحقيقا بناء على شهادات لاجئين. أُلقي القبض على أحد المشتبه بهم، دعته السلطات الألمانية "إبراهيم الفـ"، بتهمة ارتكاب جرائم حرب. يُشتبه أن إبراهيم أشرف على ميليشيا متمردين في حلب قامت بتعذيب عدد من السجناء، اثنان منهما على الأقل عذبهما بنفسه. كما راجت مزاعم بأنه طلب فدية مقابل إطلاق سراحهم.

يواجه مشتبه به يُدعى محمد عبد الله في السويد تهما بارتكاب جرائم حرب منذ 3 سنوات. اعترف عبد الله بالعمل لصالح القوات الحكومية السورية.

توجد صعوبات في تحقيق العدالة، فكل من يُشتبه في أنهم مقاتلين هم من ذوي الرتب الدنيا، ولم يتولوا مناصب قيادية أو سلطة كبيرة. هناك أيضا خطر إمكانية استخدام الساسة الأوروبيين لمزاعم وجود مشتبهين في ارتكابهم جرائم حرب بين اللاجئين لتبرير تقييد وصول الفارين من العنف إلى أراضيهم.

على البلدان التي لها قوانين ملزمة تخصيص موارد كافية لإجراء تحقيقات ومحاكمات فعالة.

يجب أيضا تحقيق عدالة نزيهة تحترم حق المتهم في الحصول على محاكمة عادلة.

استخدم المحققون والمدعون العامون في الحالات المذكورة في فرنسا وألمانيا والسويد القوانين الجنائية المحلية، واستندوا إلى مبدأ "الولاية القضائية العالمية". يعود هذا المفهوم إلى القرن الـ17 عندما اُعتبرت القرصنة جريمة عالمية يمكن لمحاكم أي دولة محاكمة المشتبهين بها.

ساد مفهوم الولاية القضائية العالمية مع إلقاء القبض على الدكتاتور التشيلي أوغستو بينوشيه في لندن في أكتوبر/تشرين الأول 1998. تعزز المفهوم أيضا مع إدانة الرئيس التشادي السابق حسين حبري من قبل محكمة في السنغال. صار ممكنا اليوم – بموجب الولاية القضائية العالمية – محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة في الخارج عند تواجدهم على أراضي دولة أخرى.

أصبحت الولاية القضائية العالمية، في العقود الأخيرة، شبكة أمان في "نظام" العدالة الدولية الهش. في التسعينيات، انضم عدد من البوسنيين والروانديين المتورطين في إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في بلدانهم، إلى من هاجروا بسبب تلك الجرائم. حاولت محاكم أوروبا وأمريكا الشمالية محاكمة من تواجدوا على أراضيها، وأحيانا استنادا إلى بلاغات قدمها لاجؤون وصلوا حديثا. أظهرت محاكمات الولاية القضائية العالمية أن عدد الملاذات الآمنة لمجرمي الحرب آخذة في التقلص.

استخدمت روسيا والصين حق النقض في مايو/أيار 2014 لمنع إصدار مجلس الأمن قرار فتح تحقيق من قبل  المحكمة الجنائية الدولية في سوريا، ما تسبب في عرقلة أحد سبل المساءلة الدولية. لكن لا تزال بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مصممة على تأكيد الحاجة لتحقيق العدالة. ستعقد تلك الدول جلسة يوم الثلاثاء يقدم فيها سفراء فرنسا وألمانيا والسويد معلومات عن القضايا التي هي محل نظر محاكمهم المحلية. تأمل تلك الدول في تعميم ما تقوم به لتحفيز المحاكمات الجنائية في بلدان أخرى.

المحاكمات الجارية في بلدان محايدة قيمتها تتجاوز معاقبة الأفراد، فهي تبعث بإشارة إلى المتورطين في جرائم خطيرة في سوريا مفادها أنهم ربما يجدون أنفسهم في قفص الاتهام. كما ترسل إشارة إلى الضحايا السوريين مفادها أن المحاكم المحلية في الدول المضيفة للاجئين يمكن أن توفر فرصة لتحقيق العدالة.

بذلت المنظمات غير الحكومية السورية والدولية جهودا مكثفة لتوثيق جرائم حقوق الإنسان أثناء الحرب. جُمعت معلومات وأدلة كثيرة من شأنها تعزيز جهود الملاحقة الجنائية.

هناك حاجة لبذل مزيد من الجهد على المستوى الدولي وفي إطار منظومة القضاء السوري التي ستتشكل في نهاية المطاف. تُعتبر هذه القضايا في أوروبا خطوة مهمة أولى لإنهاء مناخ الإفلات من العقاب السائد.

مع ذلك، ليست التطورات القضائية الأخيرة في أوروبا معروفة أو مفهومة. هناك حاجة لبذل جهود إضافية لتوسيع تأثير هذه الخطوات الأولية. على الحكومات التي تجري فيها هذه التحقيقات والمحاكمات اغتنام كل فرصة لتعريف العالم بما يقوم به المدعون في قاعة المحكمة لصالح الضحايا السوريين.

بعد ذلك، على الدول الأخرى التي لها قوانين مشابهة تخصيص الموارد اللازمة لإجراء تحقيقات ومحاكمات فعالة. على الحكومات التي قامت بذلك بالفعل العمل مع السلطات الوطنية في الدول المعنية الأخرى لتكثيف التعاون وتبادل المعلومات بشأن الجرائم المزعومة. يجب أن يتضمن هذا التعاون إجراء مناقشات مع منظمات غير حكومية حول معايير الحفاظ على الأدلة لاستخدامها ضمن محاكمات مقبلة.

أخيرا، على "لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا" الاجتماع مع السلطات التي تجري تحقيقات واطلاعها على المعطيات التي جُمعت.

كلما تأكد الضحايا من تحقق العدالة، ستزيد الطلبات لإجراء محاكمات. وكلما استجاب القضاء لهذه الطلبات، كلما صار صعبا تجاهل العدالة في محادثات التسوية.

هذه الإجراءات الوطنية محدودة ولكنها حيوية. هي خطوة أولى في اتجاه تأكيد سيادة القانون في مواجهة المعاناة. يمكن لهذه المحاكمات، إذا أجريت ونُشرت بشكل صحيح، تمهيد الطريق لمساءلة أوسع في سوريا.

جيرالدين ماتيولي-زلتنر هي مدير المرافعة من برنامج العدالة الدولية في "هيومن رايتس ووتش". ريتشارد ديكر هو مدير البرنامج.