حقق كثير من ضحايا الانتهاكات الفظيعة، التي ارتكبت في عهد الدكتاتور التشادي السابق حسين حبري، انتصارا تاريخيا في العاصمة السنغالية داكار، في 30 مايو/أيار. بعد حوالي 20 سنة من الجهود التي بذلها النشطاء، أدانت "الغرف الأفريقية الاستثنائية" في المحاكم السنغالية حبري بالتعذيب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقضت بسجنه مدى الحياة. كُنا ضمن الحاضرين داخل قاعة المحكمة، وكانت صرخات الفرح التي أطلقها الضحايا عند سماع الحكم تأكيدا لأهميته الهائلة.

حبري هو أول متهم أفريقي يُحاكم بموجب "الولاية القضائية العالمية"

هذه أول مرة تُحاكم فيها محكمة أفريقية متهما بموجب "الولاية القضائية العالمية"، التي تسمح للدول بمحاكمة بعض الجرائم البشعة حتى لو ارتُكبت في الخارج، من قبل أجانب وضدهم. رغم أن كثيرا من الدول لها قوانين خاصة بالولاية القضائية العالمية، إلا أن أغلبها لا تستخدمها، والدول الأوروبية وحدها هي التي نظرت في مثل هذه القضايا. فتحت جنوب أفريقيا تحقيقا في بعض الجرائم بموجب الولاية القضائية العالمية، إلا أنها لم تُجر أي محاكمات إلى اليوم.

نرجو أن تكون محاكمة حبري مقدمة لمزيد من المحاكمات في محاكم أفريقية على ارتكاب الفظاعات، سواء باستخدام الولاية القضائية الدولية أو في محاكم البلدان التي ارتكبت فيها الجرائم المزعومة. قد تحتاج هذه القضايا دعما إقليميا ودوليا. على سبيل المثال، القاضي الذي ترأس محاكمة حبري كان من بوركينا فاسو، ونص النظام الأساسي الخاص بها – الذي أعده الاتحاد الأفريقي – على أن تضم عددا من القضاة والموظفين من خارج السنغال. يُتوقع إنشاء آليات مماثلة في جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان.

لكن لا يوجد توافق عام حتى الآن على إنشاء مثل هذه المحاكم. 

عدّة دول أفريقية أنشأت مؤخرا آليات تدعو لمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان

تبنت حكومة أفريقيا الوسطى في السنة الماضية قانونا لإنشاء دائرة قضائية متخصصة – داخل منظومة المحاكم الوطنية – لمحاكمة جرائم خطيرة ارتُكبت أثناء أعمال العنف القاتلة التي شهدتها البلاد في 2012. ستتكوّن هذه المحكمة الجديدة من قضاة وموظفين محليين وأجانب.

كما تبنى جنوب السودان السنة الماضية اتفاق سلام سمح للاتحاد الأفريقي بإنشاء محكمة مختلطة فيها قضاة وموظفون من جنوب السودان ودول أفريقية أخرى. ساحل العاج والكونغو وغينيا شهدت هي الأخرى ارتفاعا في التحقيقات الجنائية، وأحيانا في محاكمة الفظاعات.

لكن لا أحد يعلم النتائج التي ستتحقق. مبادرتا أفريقيا الوسطى وجنوب السودان لم تدخلا حيز النفاذ بعد، بينما واجهت القضايا المعروضة على محاكم محلية في دول أخرى صعوبات كبيرة.

إدانة حبري تصلح لأن تكون دراسة حالة حول صعوبة محاكمة مسؤولين نافذين

أُطيح بحبري في 1990، ففرّ إلى السنغال. خلصت لجنة تشادية لتقصي حقائق إلى أن فترة حكمه التي امتدت 8 سنوات شهدت وفاة أكثر من 40 ألف شخص، وكان التعذيب فيها ممنهجا. بعد صدور لائحة اتهام من بلجيكا، وصدور حكم عن محكمة العدل الدولية، أوصى الاتحاد الأفريقي بمحاكمة حبري في السنغال، ولكن الرئيس السنغالي آنذاك عبدولاي واد رفض ذلك. لم تتحقق التوصية حتى قدوم الرئيس ماكي سال إلى السلطة في 2012.

ضغطت هيومن رايتس ووتش – التي أعمل لصالحها – وغيرها من المنظمات الحقوقية الأخرى والأفراد، لعشرات السنوات، كي لا تُنسى القضية. ديزموند توتو وصف القضية ذات مرة بـ "المسلسل القضائي". عُرض حبري على المحاكمة في السنة الماضية، بعد 16 سنة من صدور لائحة الاتهام ضده.

مازال غياب العدالة متفشيا. ففي السنوات الأخيرة تسببت الانتهاكات السياسية والنزاعات القاتلة في سقوط ضحايا في بوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو وكينيا وجنوب السودان والسودان، ومازال المتورطون فيها يتمتعون بحصانة مطلقة تقريبا.

في ذات الوقت، لاحظت هيومن رايتس ووتش أن غياب المحاسبة على الجرائم الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان – في أماكن مثل سيراليون والكونغو وأفغانستان – شجع مرتكبي هذه الانتهاكات وغيرهم على ارتكاب مزيد من الجرائم. في المقابل، عندما يُعرض المجرمون على العدالة، فإن ذلك يعزز سيادة القانون ويحقق استقرارا طويل المدى.

ضرورة استمرار الدعم الأفريقي للمحكمة الجنائية الدولية

تعتبر المحكمة الجنائية الدولية – أول محكمة جنائية دولية دائمة – حديثة النشأة، ومازالت تشوبها نقائص. منذ إنشائها في 2002، عانى أداؤها من مشاكل، وهي تحتاج لتوسيع نطاق عملها ليشمل الكثير من الأماكن الأخرى حول العالم. ولكن تبقى المحكمة الجنائية الدولية المؤسسة الوحيدة التي تستطيع التدخل في جميع أنحاء العالم – حيثما تكشفت جرائم – ورفع قضايا ضد المنتهكين الذين يتحصنون وراء نفوذهم.

حتى وقت قصير، كانت جميع قضايا المحكمة الجنائية الدولية تتعلق ببلدان أفريقية. في معظم الأحيان، هذه الدول هي التي طلبت من المحكمة التدخل، أو منحتها سلطة لذلك. ولكن ذلك أصاب الوتر الحساس لعدد قليل القادة الأفارقة، لا سيما بعد أن أصدرت المحكمة مذكرة توقيف ضد الرئيس السوداني عمر البشير لارتكابه جرائم مزعومة في دارفور. كذلك الأمر بالنسبة إلى القضايا ضد الرئيس الكيني أوهورو كنياتا ونائبه ويليام روتو بسبب جرائم مزعومة ارتكباها خلال أعمال العنف التي عقبت انتخابات 2007-2008. ولكن القضايا المتعلقة بكينيا أسقطت منذ ذلك الوقت.

شنت كينيا، بشكل خاص، هجوما حادا على المحكمة الجنائية الدولية، واقترحت مؤخرا أن تناقش إحدى لجان الاتحاد الأفريقي انسحاب الدول الأفريقية الـ 34 من عضوية المحكمة الجنائية الدولية. في أبريل/نيسان، قررت لجنة الاتحاد الأفريقي توفير حصانة لقادة الدول وكبار المسؤولين الحكوميين أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي 2015، تبنى الاتحاد الأفريقي بروتوكولا يمنح محكمته الإقليمية سلطة محاكمة الجرائم الخطيرة، لكن مع منح حصانة لقادة الدول وكبار المسؤولين الحكوميين وهم في مناصبهم. لم تصادق بعد أي دولة على هذا البروتوكول، ولن يدخل حيز النفاذ ما لم تصادق عليه 15 دولة على الأقل.

جهود الاتحاد الأفريقي للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية تتعارض مع الوثيقة التي أنشئ بموجبها، والتي ترفض بوضوح الإفلات من العقاب. يوجد توجه مثير للقلق لدى بعض القادة الأفارقة يتمثل في تجاوز مدة الحكم التي تحددها الدساتير، وهو ما يُبرز أهمية الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية في مقاضاة مسؤولين، مازالوا في مناصبهم، على ارتكاب جرائم خطيرة.

قضية حبري تذكر بأهمية تحقيق العدالة. بعد أكثر من 20 سنة على الجرائم، مارس الضحايا ضغوطا قوية لمحاكمة حبري. ولما تتوفر محاكمات عادلة في المحاكم الأفريقية، فلا داعي لتدخل المحكمة الجنائية الدولية في هذه القضايا. على الحكومات الأفريقية النظر في إمكانية الرد على إدانة حبري عبر محاكمة الجرائم الأكثر خطورة بها، وإن لم يكن ذلك ممكنا، فعليها مساندة محاكمات المحكمة الجنائية الدولية.

 

إيليز كيبلر مديرة مشاركة لبرنامج العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش.