(لندن) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن القوانين والسياسات التمييزية، وغياب الرغبة السياسية لدى الدول بتنفيذ التزاماتها الحقوقية في جمع أنحاء العالم، تتسبب في حرمان ملايين الأطفال والمراهقين من التعليم. سيجتمع مسؤولون حكوميون رفيعون معنيون بالتعليم، وصناع قرار عالميون، ووكالات تمويل في النرويج من 13 إلى 16 يونيو/حزيران 2016 لاتخاذ إجراءات لتحسين فرص الاستفادة من التعليم الجيّد حول العالم.

 

تقرير "أزمة التعليم: الفشل في حماية الحق في التعليم في برامج التنمية العالمية"، الممتد على 89 صفحة، قال إن حكومات العالم التزمت منذ 20 سنة بإلغاء الحواجز التي تمنع الأطفال من التعليم. ولكن هيومن رايتس ووتش وجدت أن القوانين والممارسات التمييزية، ورسوم الدراسة المرتفعة، والعنف وعوامل أخرى تحرم الأطفال من الالتحاق بالمدارس في عديد من البلدان. اعتمد التقرير على بحوث أجرتها هيومن رايتس ووتش في أكثر من 40 بلدا على امتداد 20 سنة تقريبا. قالت "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة" اليونسكو إن 124 مليون طفل ومراهق لا يحصلون على تعليم جيد في جميع أنحاء العالم.

الأعلى: من اليسار إلى اليمين) شقيقتان توأمان معوقتان ذاهبتان إلى المدرسة. © 2009 خاص؛ فتيات من مدرسة كالوكول للبنات الابتدائية يجلبن الماء من حوض نهر جاف إلى المدرسة التي لا يتوفر فيها الماء الصالح للشراب. © 2014 برنت ستيرتون/تصوير "غيتي ايمجز" لـ هيومن رايتس ووتش؛ عبد المجيد، 11 سنة (على اليسار) وشقيقه محمد، 9 سنوات، في مرسين، جنوب تركيا. في فبراير/شباط 2015، فرا من سوريا مع عائلتهما، لم يذهبا إلى المدرسة منذ 2012. © 2015 ستيفاني جي/هيومن رايتس ووتش

 

(الأسفل: من اليسار إلى اليمين) صبي (13 سنة) يعمل في مناجم الذهب ويحضر دروسه في قرية منجمية صغيرة في منطقة مبايا. © 2013 جاستن بورفوي لـ هيومن رايتس ووتش؛ مدرسة متضررة في نيكيشاين. تمركز بها مقاتلون متمردون من سبتمبر/أيلول 2014 إلى فبراير/شباط 2015، وتبادلوا إطلاق نار كثيف مع قوات أوكرانية. © 2015 يوليا غوربانوفا/هيومن رايتس ووتش؛ سيفولا (13 سنة) تقف في منزل تتقاسمه مع زوجها وعائلته. © 2015 أومي لـ هيومن رايتس ووتش  

قالت إلين مارتنيز، باحثة في حقوق الأطفال في هيومن رايتس ووتش: "نحن في 2016، ولا يُعقل أن يبقى ملايين الأطفال والمراهقين حول العالم محرومين من حقهم في التعليم. الرقابة الحكومية الضعيفة وغياب السياسات الخالية من التمييز كثيرا ما تمنح المسؤولين عن التعليم سلطة مطلقة ليقرروا من سيواصل تعليمه ومن سيُحرم منه".    

 

كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة – وعددها 196 – تقع عليها التزامات قانونية خاصة بالأطفال الموجودين على أراضيها. "اتفاقية حقوق الطفل"، التي انضمت لها دول كثيرة، واتفاقيات دولية وإقليمية أخرى، حددت الشروط الكفيلة بحماية الحق في التعليم. في سبتمبر/أيلول 2015، اتفقت جميع الحكومات على العمل سويّة "لضمان تعليم شامل وجيد للجميع" بحلول 2030 في إطار "أهداف التنمية المستدامة" التي تدعمها الأمم المتحدة. جعلت هذه الاتفاقية الاستفادة من التعليم الثانوي هدفا عالميا لأول مرة. أهداف التنمية التي سبقتها – "الأهداف الإنمائية للألفية" – كانت ترمي إلى تعميم التعليم حتى نهاية المرحلة الابتدائية، ولكن ذلك لم يتحقق.

 

رغم أن عديدا من المعاهدات الدولية تنص على إلغاء رسوم المرحلة الابتدائية والمصاريف المترتبة عنها، إلا أن بلدانا عدة – مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا – مازالت تفرض رسوما لا تستطيع العائلات توفيرها. كما تتسبب رسوم ومصاريف المرحلة الثانوية في منع ملايين المراهقين في بنغلاديش وإندونيسيا ونيبال، على سبيل المثال، من إكمال 9 سنوات من الدراسة على الأقل.

 

قالت إنداه، التي انقطعت عن الدراسة في اندونيسيا لتعمل معينة منزلية في سن 15 سنة: "غادرت المدرسة لما كنت في الفصل الأول من الصف الثانوي الأول. كنت أرغب في مواصلة دراستي، ولكنني كنت أحتاج للمال. كانت رسوم الدراسة 15 ألف روبية (1.10 دولار أمريكي) في الشهر، ولكنني لم أستطع توفير "رسوم البناء" ورسوم الزي التي كانت تقدر بـ 500 ألف روبية (37 دولار أمريكي)... وكنا أيضا نحتاج لشراء الكتب في بداية كل فصل دراسي".

 

قالت "منظمة الأمم المتحدة للطفولة" يونيسف إن العنف المدرسي يؤثر على 246 مليون طفل. مازالت العقوبات البدنية في المدارس – وهي ممارسة ترقى إلى التعذيب والمعاملة المهينة، ولها تأثير سلبي على قدرة الأطفال على الدراسة – قانونية ومنتشرة في بلدان مثل تنزانيا وجنوب أفريقيا وعدة ولايات أمريكية.

 

من العوامل التي تدفع الفتيات للانقطاع عن التعليم الاعتداءات الجنسية والعنف الذي يرتكبه المدرسون وزملاؤهن الذكور، واختبارات العذرية المعيبة، واختبارات الحمل الإلزامية، والسياسات التي تقصي الفتيات الحوامل من المدارس. كما تتسب الظروف الصحية المتردية في المدارس، مثل انعدام المرافق التي تحفظ خصوصية وكرامة الفتيات أثناء فترة الحيض، في منع المراهقات، بمن فيهن المعوٍّقات، من حضور الدروس بانتظام، وتدفعهن إلى الانقطاع. كما يُعتبر زواج الأطفال سببا ونتيجة لعدم توفر تعليم جيد في بلدان مثل بنغلاديش ونيبال وتانزانيا وزمبابوي.

 

يعاني ملايين الأطفال المعوقين في الصين وجنوب أفريقيا، وأطفال من مجموعات عرقية ولغوية ودينية مختلفة في الهند، من تمييز واسع النطاق من قبل مسؤولين حكوميين عندما يسعون إلى التسجيل في المدارس. وبعد التسجيل، يوضع الكثير من هؤلاء الأطفال في فصول تمييزية لا يحصلون فيها على تعليم جيد. يضطر الكثير من الأطفال المعاقين إلى مغادرة المدارس بسبب عدم وجود مدرّسين حاصلين على تدريب، ولغياب الدعم ولمنعهم من المرور إلى مراحل دراسية أخرى. في روسيا وصربيا، على سبيل المثال، يواجه الأطفال المعاقون حواجز مؤسساتية، وغالبا ما يحصلون على تعليم سيئّ، إن تمكنوا من ذلك أصلا.

 

يعجز عدد متزايد من الأطفال الذين يعيشون في أوضاع إنسانية متأزمة أو في نزاعات عن المطالبة بحقهم في التعليم، وتكون المدارس مغلقة أو غير آمنة. تسببت الهجمات التي استهدفت المدارس أو أدت إلى السيطرة عليها لغايات عسكرية في حرمان ملايين الأطفال في أفغانستان ونيجيريا وفلسطين وأوكرانيا واليمن من الدراسة.

 

البلدان ذات الدخل العالي والمتوسط تضع هي الأخرى حواجز أمام التعليم وتنخرط في ممارسات تمييزية ضد الأقليات واللاجئين والمهاجرين والأطفال ذوي التوجهات الجنسية غير النمطية.

 

على الحكومات أن تضمن أن تكون المرحلة الابتدائية مجانية والزامية، والمرحلة الثانوية مجانية. وعليها أيضا القضاء على السياسات والقوانين التمييزية التي تسمح للمدارس بطرد الأطفال والمراهقين، وضمان استجابة المدارس لحقوق الفتيات والأطفال المعاقين وأطفال الأقليات والأطفال ذوي التوجهات الجنسية غير النمطية.

 

على الحكومات الغاء العقوبات البدنية بالقانون، واعتماد إجراءات أكثر صرامة لضمان حماية الأطفال من العنف والانتهاك والمضايقة في المدارس.

 

على المانحين – بمن فيهم المؤسسات المالية متعددة الأطراف مثل "البنك الدولي" و"الشراكة العالمية من أجل التعليم" – والوكالات الدولية التي تساعد الحكومات على تطبيق برامجها التعليمية، التمسك بمعايير حقوق الإنسان وعدم التساهل مع الانتهاكات التي تدفع الأطفال إلى مغادرة المدرسة.

 

على الأمين العام للأمم المتحدة واليونسكو ضمان تقيّد "البلدان البطلة" – التي تقود مبادرات عالمية في مجال التعليم – بالتزاماتها الحقوقية، والقضاء على الانتهاكات داخل منظوماتها التعليمية.

 

قالت مارتينيز: "لا يجب التسامح مع الفشل في حصول جميع أطفال ومراهقي العالم على تعليم. لن ينتظر الأطفال 15 سنة أخرى، أو حتى سنة دراسية واحدة، حتى تضمن لهم حكوماتهم حقهم في الاستعداد للمستقبل".

 

اقتباسات من التقرير

 

"أغلب الطلاب في المدارس العادية غير ملزمين بدفع رسوم، ولكننا ملزمون بذلك. الكثير من الأولياء الذين لهم أطفال معاقون لا يستطيعون العمل – علينا الاعتناء بهم 24 ساعة في اليوم. تراسلنا المدارس لتطالبنا بدفع الرسوم، ولكنها لا تفهم وضعنا".

-والد فتاة عمرها 8 سنوات تعاني من التوحد، جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا

 

"أنا وابنة عمي السوريتان الوحيدتان في الفصل. اتحدت باقي الطالبات ضدنا، وهن يقلن إننا نتحدث كثيرا وسلوكنا غير جيد. يضعنا الأستاذ في آخر الفصل. يُعاملني جميع الأساتذة بشكل سيئ لأنني سورية. لما يسأل الأستاذ فتاة أردنية، وتجيب على سؤاله، يقول لها "برافو". ولما أجيب أنا، لا يقول شيئا".

-هديل (اسم مستعار)، 11 سنة، الزرقاء، الأردن

 

"يضربونني كلما حجبت الرؤية بينهم وبين المدرّس. لم يكن المدرس يعلم، ولذلك لم يفعل شيئا. زار والدي مدير المدرسة واشتكى له، فقال له: "عليك أن لا ترسلها إلى المدرسة إن كنت خائفا عنها..." في سوريا كنت أحب المدرسة، وكان لي أصدقاء، وكنت أحب التعلم".

-فاطمة، 12 سنة، تورغوتلو، تركيا

 

"أحد المدرسين حاول إقناعي بممارسة الجنس ، فلم أذهب إلى الصف الثاني الإعدادي لأتجنب ذلك . انقطعت عن حصص الرياضة. فعلت ذلك لأنني كنت خائفة من أن ألقاه فيقتادني إلى مكان ما ليفعل ما يريد. كان شعورا سيئا، وكان المدرسون الآخرون يتساءلون لماذا لا أستطيع التركيز أو الدراسة، ولماذا تراجع أدائي... قررت الخروج من المدرسة لأوفر على والديّ المال الذي يصرفانه عليّ"

-آنا، 16 سنة، موانزا، تانزانيا

 

"النظام التعليمي في اليابان صارم جدا في موضوع الجنسين، وهو الذي يحدد الفئات التي ينتمي (أو لا ينتمي) لها الطلاب. في السنوات الأخيرة، تم تحديد التوجه الجنسي لكل الطلاب بشكل صارم، فصار الأطفال المتحولون جنسيا يعانون. أمامهم خياران: إما إخفاء الحقيقة والكذب وإما التصرف بتلقائية ومواجهة التحرش والاقصاء".

-مدرّس متحول جنسيا في مدرسة ثانوية، اليابان

 

"أجبرني أعمامي على الزواج من رجل في سنّ جدي. كنت لازلت طالبة في الصف السادس، وأحب المدرسة. لو مُنحت فرصة لأتم دراستي، ما كنت لأواجه هذه المشاكل. أنا الآن أعمل نادلة، ومنفصلة عن زوجي".

-أكور ل، تزوجت في سن 13 سنة، جنوب السودان

 

"حملتُ السنة الماضية وأنا في سن الـ 14. انقطعت عن الدراسة في نفس العام لأن أمي – التي تعمل معينة منزلية براتب شهري قدره 50 دولارا أمريكيا – لم تكن قادرة على توفير مصاريفي المدرسية. أقمت علاقة مع رجل متزوج، وذهبت إلى المستشفى لأنجب رضيعا، لكنه توفي بعد دقائق... أتمنى لو أعود إلى المدرسة لأنني ما زلت طفلة".

أبيغيل، س، 15 سنة، زمبابوي

 

"قصف [الجيش] مدرستي بالمدفعية... ولما هربت، أمسكني الشبيحة [ميليشيا تدعمها الدولة] من كتفي، ولكني قاومت وأفلتُّ منهم. جاء الشبيحة إلى المدرسة وأطلقوا النار على الشبابيك وحطموا أجهزة الحاسوب. ومنذ ذلك الوقت لم أرجع للمدرسة إلا وقت الامتحانات".

رامي، 12 سنة، لاجئ من محافظة درعا السورية. جرت مقابلته في الرمثا، الأردن