يُستهدَف المسيحيون والأقليات الأخرى المتناقصة في اليمن، ويتضاءل أملهم بالحماية من قبل دولة مقسمة، معطلة وآخذة في التدهور.  

كنيسة القديس يوسف في عدن التي تعرضت للاقتحام والحرق على يد مسلحين في 15 سبتمبر/أيلول 2015. © 2016/خاص 

قتلت حرب اليمن الوحشية في اليمن العام الماضي أكثر من 3000 مدنيا، ودمرت ممتلكات مدنية كبيرة. سيطرت جماعات مسلحة مختلفة على المدن والبلدات في هذا البلد المسلم البالغ عدد سكانه 26 مليون نسمة. أبرز هذه الجماعات هي الحوثيون، وتحالف معاد لهم يضم إسلاميين وجماعات قبلية والانفصاليين الجنوبيين. يسود انعدام القانون في معظم أنحاء البلاد.

أثّرت الحرب على المجتمع المسيحي في اليمن بصورة حادة. يُقّدر عددهم بنحو 41 ألف مسيحي من اليمنيين الأصليين واللاجئين، الذين فرّ كثير منهم العام الماضي من البلاد التي مزقتها الحرب.

كان جون (كما سأدعوه)، المسيحي اليمني، يدير مكتبة احتوت الأدب المسيحي في تعز، ثالث أكبر مدينة في اليمن. وصف جون الخطر المتصاعد على المسيحيين في بلد يتوسع فيه الإسلاميون المتشددون بازدياد. قال لي إنه تلقّى تهديدات لعدة سنوات – غالبا على "فيسبوك" – بما في ذلك من أشخاص وصفوه بالمرتدّ. لكن هذه التهديدات لم تُثِر قلقه قط. كان يعلم أن الشرطة المحلية لن تسمح بحدوث أي شيء له، قبل أن تعم البلاد الفوضى بسبب الحرب.

وصلت شحنة كتب في 23 فبراير/شباط 2015 إلى جون، وفيها أناجيل وغيرها من المؤلفات المسيحية إلى مطار تعز. صادر مسؤولو الجمارك الشحنة، وقال مسؤول متواجد أثناء ذلك لـ "هيومن رايتس ووتش" إن مسؤولين آخرين اقترحوا حرق الكتب لأنها "كانت مسيئة للمجتمع والدين". قال إن نفس المسؤولين أنذروا محامي جون بأن عليه الحذر من "رجال متهورين بدافع ديني، قد يحرقون مكتبة [جون] إذا دخلت الشحنة المدينة".

اندلع القتال في تعز في أواخر ربيع 2015 بين أنصار قوات الحوثيين الشمالية وجماعات مسلحة معارضة لحكمهم. قال جون إن الهجمات ازدادت ضده على وسائل الإعلام الاجتماعي حينها. أصبحت العناصر المتطرفة أكثر نشاطا في المعارضة ضد الحوثيين في المدينة، في نهاية أبريل/نيسان، ولم يَعُد لديه خيار سوى الفرار.

قال لي أحد جيران جون إنه في صباح 27 سبتمبر/أيلول، وصل حوالي 15 رجلا مسلحا وملثّما يرتدون ثيابا سوداء في شاحنتي "بيك أب" من نوع "تويوتا"، إلى البناء الذي يحوي شقة جون ومكتبته. قال الجار إنه شاهدهم "يحزمون الكتب المسيحية في صناديق من مكتبة [جون] ويضعونها في السيارات". رآهم يحرقون الكتب في سوق الصميل العام القريب.

تعرّف الجار على زعيم الجماعة الذي كان مقاتلا معروفا في المدينة، وظن أنه مرتبط  بـ "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب". استجوب المقاتل جارا آخر حول قيام جون "بالتبشير وبيع الكتب المسيحية للناس".

أرسل جون لـ هيومن رايتس ووتش صورة عن الكتابة التي تركها المسلحون على جدار غرفة المعيشة، والتي تقول بالعربية: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، الدولة الإسلامية، لعنة الله على المسيحيين". أرسل جيرانه إليه صورة وقالوا إنه توجد رسائل أخرى أيضا. ليس من المستغرب أن يخاف جون من العودة إلى دياره.

كتابات بالخط العربي تركها رجال مسلحون على جدار غرفة جلوس "جون": "لا إلاه إلا الله. محمد رسول الله. الدولة الإسلامية. لعنة الله على النصارى واليهود".

© 2016/خاص

هوجِمت المؤسسات المسيحية 3 مرات في الآونة الأخيرة في مدينة عدن الجنوبية، ثاني أكبر مدينة في اليمن.

 اقتحم مسلحون كنيسة "القديس يوسف" وأحرقوها في 15 سبتمبر/أيلول، وهي إحدى 4 دور عبادة مسيحية في المدينة. قال شاهد عيان إن عددا من المسلحين الملثمين، يرتدون قمصانا بيضاء عليها شعار "الدولة الإسلامية" باللون الأسود، وصلوا إلى الكنيسة على دراجات نارية. عندما غادروا بدأت النار بالاشتعال. عند وصول سيارات الإطفاء بعد أكثر من 30 دقيقة، كان معظم الكنيسة قد احترق.

دمّر انفجار كنيسة "الحبل بلا دنس" الكاثوليكية بعدن في 9 ديسمبر/كانون الأول. زعم السكان المحليين أن الإسلاميين كانوا مسؤولون.

دخل 4 مسلحين مجهولين مأوى مسنّين مسيحي في عدن وقتلوا 16 شخصا على الأقل في4 مارس/آذار، بما في ذلك حراس وسائقِين وطباخِين و4 راهبات، كما ذكرت وسائل إعلام. أفادت تقارير بأن المسلحين اختطفوا كاهنا هنديا أيضا. كما دمّر المهاجمون كل الرموز المسيحية والأغراض الطقسية. لم يتعرض سكان المأوى غير المسيحين للأذى.
 

  مع أن من المفترض أن عدن تخصع لسيطرة الحكومة، عانت الأخيرة في محاولتها لفرض هذه السيطرة ولم تقدر على منع عدة هجمات إرهابية من قبل مجموعات إسلامية مسلحة، استهدف عدد منها المسيحيين. ردا على سؤال عن الهجمات، قال الناطق الرسمي باسم مديرية أمن عدن لـ هيومن رايتس ووتش إن جماعات متطرفة قامت بالهجمات، وأن قوات الأمن في عدن تعمل على حماية الأقليات وإرساء الأمان. 

لا يبدو الكشف عن منفذي الهجمات محتملا، كما أن تقديمهم إلى العدالة أبعد احتمالا. لا تُثير مسألة هوية المهاجمين اهتمام المسحيين والأقليات الأخرى المتناقصة، بقدر ما يعنيهم واقع استهدافهم، دون معاقبة المعتدين، بأمل ضئيل بحمايتهم من قبل دولة مقسمة، معطلة وتتآكل. 

*أجريت بعض التعديلات الطفيفة على هذا المقال في 31 مايو/أيار 2016 لإضافة تصريح من المتحدث الرسمي باسم مديرية أمن عدن.