بعد 93 يوما من إضرابه عن الطعام، استأنف الصحفي الفلسطيني المُنهك محمد القيق في 26 فبراير/شباط تناول الطعام. بدأ إضرابه عن الطعام احتجاجا على احتجازه من قبل مسؤولين عسكريين إسرائيليين دون محاكمة في نظام يُعرف باسم الاحتجاز الإداري، وأنهاه عندما وافقت إسرائيل على الإفراج عنه في مايو/أيار عند انتهاء صلاحية أمر اعتقاله.

وفقا لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسليم"، تعتبر ظروف اعتقال محمد مطابقة لظروف نظام الاحتجاز الإداري في إسرائيل، حيث يُحتجز نحو 600 فلسطيني دون محاكمة. ادعى مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن الإفراج عنه يشكل خطرا على الأمن لأنه – بحسب زعمهم – كان ينشط ضمن "حركة حماس". لكنهم يزعمون أيضا أن الكشف عن الأدلة المستخدمة ضده يشكل خطرا على الأمن، لذلك فهو لا يستطيع دحض الاتهامات الموجهة له – وهو ما ينطبق على كل حالات الاحتجاز الإداري. أخبرت زوجته "هيومن رايتس ووتش" أنه اُعتقل بسبب كتاباته ونشاطه السياسي الذي ينتقد فيه إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

الاحتجاز الإداري، شأنه شأن التدابير التقييدية الأخرى التي يسمح بها قانون الاحتلال، يُفترض أن يكون مقبولا في حالات استثنائية كإجراء ضروري ومؤقت، يُفعّل في حالات الطوارئ. مع ذلك، وفقا لمنظمة بتسليم، تضاعف استخدام إسرائيل لهذه الممارسة أربع مرات تقريبا بعد أن تراجع استخدامها في 2013. ومع مرور نصف قرن على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية تقريبا، تُثار المزيد من التساؤلات حول استخدام تدابير – يُفترض أنها مؤقتة واستثنائية – للدوس على الحق في المحاكمة العادلة.

كجزء من تدريبي القانوني، قبل أن أرافع في قضايا حقوق الإنسان أمام "المحكمة الإسرائيلية العليا"، عملت ككاتبة في المحكمة وشاهدت هذا النظام قيد التنفيذ طوال الوقت. تُبرز قضية القيق أنه كان مستعدا لدفع ثمن باهض احتجاجا على احتجازه – ليس من الواضح إلى أي مدى سيتعافى جسمه وعقله بسبب الجوع – ولكن المراجعة القضائية التي تلقاها كانت عادية جدا.

اعترض القيق على احتجازه لدى المحكمة العليا، وهي المحكمة الوحيدة غير العسكرية التي لها ولاية قضائية. رفضت المحكمة إلغاء الاحتجاز الإداري، كما هو الحال في مثل هذه الحالات، لكنها قالت إنه سيكون "معلقا" طالما حالة القيق الطبية تمنعه من أن يُشكل تهديدا محتملا. وضعه القرار في مأزق قانوني، حيث لم يعد مقيدا إلى سريره، لكنه لا يستطيع ترك المستشفى الإسرائيلي الذي كان محتجزا فيه. أفادت التقارير الطبية التي قُدمت إلى المحكمة أن القيق بات ضعيفا وأحيانا لا يستطيع السمع والكلام، إضافة إلى معاناته من ألم مستمر.

مع استثناء بضعة أيام في يناير/كانون الثاني أدخلت فيها سلطات السجون الإسرائيلية قسرا محلولا في وريده يحتوي فيتامينات ومعادن، لم يتناول القيق – من 25 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 26 فبراير/شباط – سوى الماء.  نجا من واحد من أطول الإضرابات عن الطعام التي قام بها سجين فلسطيني.

لا يبدو أن هناك من يعرف ما يعنيه تعليق أمر الاحتجاز الإداري، ولكن المحكمة أوضحت أنه يمكن تجديده إذا تحسنت حالة القيق، واستعاد قدرته على أن يشكل تهديدا.

قال القاضي الياكيم روبنشتاين [بالعبرية]، "وهو مدع عام سابق وأحد أكبر القضاة في المحكمة: "نحن نتحدث بشكل لا لبس فيه عن ناشط في حركة حماس المشاركة في الإرهاب العسكري". 

 

هل يمكن أن يكون ذاك الاحتجاز قانونيا حتى وفق معايير نظام العدالة الإسرائيلي؟

تزعم إسرائيل أن لدى الفلسطينيين إمكانية الطعن في احتجازهم أمام المحكمة العليا، ولكن عملية الطعن تلك معيبة جدا وقيمتها لا تزيد عن توفير فرصة للمحامين للضغط على الحكومة لتقديم تنازلات – في حالة القيق إزالة الأغلال مع إبقائه محتجزا. ستتمسك المحكمة بأمر الاحتجاز إذا قدم المسؤولون الأمنيون دليلا على وجود خطر، والذي يمكن أن يكون مجرد اتهامات من مخبرين مأجورين لا يظهرون في المحكمة، أو اعترافات محتجزين آخرين، أو حتى تورط أفراد أسرة الشخص المحتجز في عمل مسلح.

تُقدم هذه الأدلة في جلسة مغلقة لا يحضرها سوى القضاة ومسؤولو الدولة. يُفترض من القضاة دراسة الأدلة، ولعب دور محامي الدفاع نيابة عن المعتقل، الذي لا يُسمح له بمعرفة الادعاءات ضده. لكن بحسب تجربتي، فإن دور القضاة سلبي عموما. تُقدم الادعاءات في شكل ملفات، يختلف حجمها من قضية لأخرى، تحتوي على تحذيرات من كبار مسؤولي الأمن من الضرر الذي سيصيب دولة إسرائيل ومواطنيها إذا تم الإفراج عن المحتجز. أمر الإفراج يعني تحمل مسؤولية تلك التحذيرات. منذ عام 1967 ألغت المحكمة العليا أمرا واحدا من هذا النوع.

نتيجة لعملي ككاتبة محكمة، ساعدت وحضرت عشرات الجلسات التي قُدمت فيها أدلة سرية. كان الإجراء هو ذاته: يتحدث المحامي مقدم البلاغ عن قضيته، ثم يغادر القاعة. بعد 5 أو 10 دقائق، يعود ليسمع أن القضاة يوصون بسحب الالتماس.

ذات مرة، خلال فترة صباحية طويلة مليئة بالجلسات، فاجأتني القاضية رئيسة الجلسة بطلبها مني البقاء في قاعة المحكمة خلال المداولات المغلقة رغم عدم امتلاكي تصريح أمني. أوضحت أنه سيكون أفضل إن بقيت، كي أتمكن من استدعاء المحامي مقدم البلاغ للغرفة بشكل أسرع.

جلست في مكاني فجاء عميلان من المخابرات يرتديان قمصانا بأزرار وسراويل الكاكي، وقدّما 3 ملفات لكل قاض. تصفح القضاة الملفات، وسأل القاضي الذي يرأس الجلسة إن كانت هناك معلومات حديثة، فأجاب العميلان "نعم". انتهت جلسة الاستماع ورفض القضاة الالتماس.

حتى لو لعب القضاة دورا أكثر فعالية، كيف يمكن لجلسة عُقدت دون القيق أو محاميه أن تجعل روبنشتاين يستنتج أنه إرهابي "بشكل لا لبس فيه"؟

من المقرر إطلاق سراح القيق في 21 مايو/أيار، بعد أن تسبب إضرابه عن الطعام في ضغط على السلطات الإسرائيلية التي كانت تخشى من رد فعل قوي في حال وفاته. حافظت المحكمة العليا الإسرائيلية على دورها في المشاهدة والمراجعة، لكن دون أي تدخل فعلي.