في درجة حرارة قاربت الصفر، وبينما كان المطر ينزل خفيفا، وقد حوّل الأرض الحمراء إلى طين، كنت أسير في الوحل مع اثنين من زملائي بين صفوف الخيام في مخيم للنازحين بشمال العراق. استقبَلنا "قيس"(20 عاما تقريبا) في خيمته التي ضمّت 4 أفراد من عائلته، وفيها موقد للغاز يمنحهم بعض الدفء، ويضيئها مصباح يدوي.

مع وصولنا إلى المخيم أوائل ديسمبر/كانون الأول، كان قيس قد قضى فيه 9 أيام. قال إن عائلته هربت في سبتمبر/أيلول بعد أن سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف بداعش على قريته التي تبعد بضعة كيلومترات فقط عن خط المواجهة مع قوات "البيشمركة" الكردية، وانتهى بهم المطاف إلى هذا المخيم. قيس واحد من عدد متزايد من العراقيين الذين يقومون بمخاطرة كبيرة للهروب من داعش، ولكنهم يواجهون انعدام الأمن في الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة. قابلنا عشرات الأشخاص الذين لديهم قصص مماثلة.

فرّت عائلة قيس وحوالي 30 شخصا آخرا بعد غارة جوية قتلت زعيم القرية وعائلته المكونة من 8 أفراد. قال قيس: "كان عناصر داعش يذهبون إلى منزله ويجرون مكالمات لاسلكية منه. احتجزوا زعيم القرية وعذبوه في الأسابيع التي سبقت، لاشتباههم بأنه يبلغ القوات الحكومية عن مواقعهم. نجحوا من خلال اتصالاتهم بجعل التحالف يظن أن منزله كان مقرا لداعش. لو كانت الطائرة عراقية لرأيناها، ولكن طائرات التحالف تطير عاليا جدا ولا يمكن رؤيتها".

كانت الرحلة إلى بر الأمان محفوفة بالمخاطر، وخاصة خطر اكتشاف داعش للهاربين. قال قيس إنه حاول الفرار مرة في منتصف يونيو/حزيران: "انتظرت 3 أيام في التلال بعد أن عبر أخي، ولكن البيشمركة أعادوه. استخدمت وأخي قنوات سرية لدفع مليون دينار عراقي (800 دولار أمريكي) على كل واحد منا لداعش كي لا يعدمونا بسبب هروبنا".

الهروب

قال قيس إنه خلال هروبهم في سبتمبر/أيلول وصلوا إلى قرية على بعد بضعة كيلومترات، بعد خمس ساعات من الاختباء والانتقال على طول مجرى نهر. كانت القرية مُدمرة بشكل كامل، بعد تفخيخ بعض المنازل على ما يبدو. كما قال: "كان البيشمركة قد سيطروا [على القرية]، ولكنهم تراجعوا في اليوم السابق. كانت المنازل لا تزال مشتعلة". وأضاف: "بقينا مختبئين في منزل عمي القريب عند سفح التلال، وفي الظلام أكملنا طريقنا عبر التلال". مشى لساعات وهو يحمل والدته التي كانت مريضة. "وعلى الجانب الآخر رأينا مواقع البيشمركة، يرفعون راية بيضاء ويقتربون".

قدّم البيشمركة لهم الطعام والماء، ولكن أبقوهم في منطقة متنازع عليها مع أكثر من 100 آخرين. قال قيس إن "الأسايش"، قوات الأمن السياسي الكردية، وصلت بسرعة وصادرت هواتفهم المحمولة ووثائق هوياتهم. وأضاف: "أبقونا هناك 18 يوما". حين سُمِح لهم بالعبور، كان قد تجمع أكثر من 300 شخص فروا من داعش، "اضطر آخر الواصلين إلى تفادي إطلاق النار من قبل داعش من جهة التلال. وقال لنا إن آخرين في مجموعته لم يكونوا سريعين بما فيه الكفاية، فأمسكهم داعش. أفرجوا عن النساء في نهاية المطاف"، ولكنه قال إنه لا يعرف ماذا حلّ للرجال.

قال قيس إنه عندما استولى داعش على هذه المنطقة (لم يتم تحديدها لسلامة قيس)، بعد أيام قليلة من سقوط الموصل في 10 يونيو/حزيران 2014، لم يبايع داعش سوى قروي واحد فقط من 100 عائلة هناك. فرض داعش القيود المعروفة على التدخين واللباس وتنقل المرأة، وهدد بجلد مرتكبي المخالفات، وجلب إماما خاصا به. وأضاف قيس: "لم أذهب إلى صلاة الجمعة، ولم أكن أريد أن أسمع خطبهم البغيضة".

ما الذي سيحدث بعد ذلك؟

بعد هروب العائلة وقضائها 18 يوما في العراء على خط الجبهة، نقلت قوات البيشمركة مجموعة الهاربين إلى بلدة صغيرة في مكان قريب، وطلبت منهم البقاء هناك. كان الملجأ الوحيد المتاح عدد قليل من المباني غير المكتملة: "لم يُسمح لنا بالمغادرة، وكانت الآسايش تراقبنا. لم يكن لدينا بطاقات هوية على أي حال، لذا كان يمكن أن يُقبض علينا في أي لحظة".

كان الهاربون يخافون من قوات الأسايش ومن داعش على حد سواء. قال قيس إن الأسايش اعتقلت عمه من هذه البلدة الصغيرة، متهمة إياه بأنه كان عضوا في داعش لأنه كان قد ذبح شاة لمقاتليهم الذين طلبوا الطعام. بعد 20 يوما من الاحتجاز، اقتادته الأسايش جنوبا إلى نقطة تفتيش كردية قريبة من الميليشيات التابعة لحكومة بغداد التي يقودها الشيعة. اعتقلت هذه الميليشيات وقتلت العرب السنة، مثل عائلة قيس، متهمة إياهم بمناصرة داعش.

قال قيس إن خلال إقامته لشهر ونصف في البلدة، توفيت رضيعتان، إحداهما كانت ابنة أحد معارفه، "مرضت وكانت ترتجف وتبكي، وأخذتها السلطات الكردية إلى العيادة ولكن لم تسمح لأبويها بمرافقتها، وتوفيت هناك".

أمرت قوات الأمن الكردية في أواخر أكتوبر/تشرين الثاني قيس والآخرين بالصعود في حافلات، واقتادتهم إلى هذا المخيم للنازحين. يشعرون الآن بأمان أكبر، فالخيام توفر مأوى أفضل من البيوت غير مكتملة البناء، ولكنهم وأطفالهم الصغار لا يزالون بحاجة للخروج تحت المطر وفي الجو البارد إلى الحمام، ومن أجل الطبخ في الأكواخ المشتركة. قيس لا يعرف القراءة والكتابة، وكان يسافر للعمل بمهن متنوعة في المدن الكردية قبل وصول داعش. قال قيس إنه يريد العودة الى قريته إذا نجحت قوات البيشمركة في الاستيلاء عليها مرة أخرى من داعش دون تدمير المنازل، ولكنه لا يعرف ما الذي سيحدث فيما بعد.