هناك طريقة واحدة فعالة للحكومات الغربية حتى تحافظ على أمن شعوبها، بدل تقويض الديمقراطية لديها، وهي الضغط على البلدان التي ينشط فيها متطرفون مسلحون للقيام بإصلاحات جوهرية.

لم تفرض فرنسا حالة الطوارئ الشديدة هذه منذ أكثر من نصف قرن، خلال الحرب الجزائرية. نفذت الشرطة الفرنسية، خلال أسبوعين من هجمات باريس، أكثر من 1000 مداهمة في كامل أرجاء البلاد، حيث اقتحمت الأبواب واعتقلت عشرات المشتبه بهم دون إذن قضائي، كما استخدمت قوانين مكافحة الإرهاب الجديدة لتضييق الخناق على المحتجين على تغير المناخ.

 أما في بلجيكا، حيث تم التخطيط لهجمات باريس، فلا تزال البلاد في حالة تأهب، واقترح رئيس الوزراء تدابير من قبيل وضع مراقبة إلكترونية على الشباب الذين تخشى السلطات توجههم إلى سوريا، وإخبار الأئمة بما عليهم قوله في خطبهم.

في المملكة المتحدة، حيث ربما يُصوت البرلمان هذا الأسبوع على بدء الضربات الجوية ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" المتطرف (المعروف أيضا باسم داعش)، باتت جرائم الكراهية ضد المسلمين في ارتفاع. أما في الولايات المتحدة، فتكاثرت الدعوات لحظر تشفير البيانات ومنع استقبال اللاجئين السوريين. في كندا، ستسمح الحكومة الليبرالية الجديدة بقدوم بعض السوريين فقط شريطة أن لا يكونوا ذكورا أسوياء في سن القتال.

ستشكل طرق الردّ على هجمات باريس، سواء المستندة إلى فكرة سيادة القانون أو التي انحدرت إلى درك أدنى – مثل دعوة دونالد ترامب لإعادة أحد أشكال التعذيب المعروفة باسم الإيهام بالغرق – اختبارا للديمقراطيات الرائدة.

من الطبيعي أن توجد رغبة في رد حزم نظرا لأن الحكومات مسؤولة عن حفظ أمن شعوبها. رغم وجود حاجة إلى اتخاذ تدابير وقائية إضافية، إلا أنه من المهم أيضا عدم السماح لردود الفعل بالانحدار إلى جوانب مظلمة كما حصل بعد هجمات 11سبتمبر/أيلول.

سيُسهل استهداف المسلمين بشكل تعسفي، وتقييد حرية التنقل والدين والتعبير على نحو غير متناسب، وتقويض سيادة القانون من جهود داعش في تجنيد المزيد. كما سيسهل على الحكومات الأخرى تبرير الانتهاكات باسم الأمن.

عند دراسة سُبل الردّ، يجدر بفرنسا والولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الاطلاع على "مؤشر الإرهاب العالمي"، وهو تقرير سنوي صادر عن معهد الاقتصاد والسلام. يُعرف التقرير الإرهاب على أنه "التهديد بالاستخدام أو الاستخدام الفعلي لقوة وعنف غير قانونيين من قبل شخص غير حكومي بغية تحقيق هدف سياسي أو ديني أو اقتصادي أو اجتماعي من خلال زرع الخوف أو الإكراه أو التخويف".

يُظهر المؤشر أنه بالرغم من ارتفاع وتيرة الإرهاب عالميا في السنوات الـ 15 الماضية، إلا أن الهجمات على الغرب لا تزال نادرة جدا. كما يقول المؤشر إن هناك 37 شخصا قتلوا في هجمات إرهابية في 38 بلدا غربيا العام الماضي، أي بنسبة بلغت فقط 0.1 في المئة من إجمالي عدد القتلى في جميع أنحاء العالم. على الرغم من أن عدد القتلى الغربيين سيكون أعلى هذا العام، إلا أنه من المرجح أن تبقى النسبة ضئيلة مقارنة بالعدد الجملي.

وفقا للتقرير، فإن عدد ضحايا أسباب القتل الأخرى حول العالم هو أعلى بـ 31 مرة من عدد ضحايا الإرهاب، في حين أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن جرائم العنف هي 32 مرة أكبر من خسائر جرائم الإرهاب. في بعض الديمقراطيات، مثل المملكة المتحدة، لم يُقتل أي شخص في هجمات إرهاب على أراضيها العام الماضي (في حين يلقى 1730 شخصا مصرعهم سنويا في حوادث سير).

يشير مؤشر الإرهاب أيضا إلى أن معظم الهجمات في الغرب في السنوات الثماني الماضية كانت من عمل المتعصبين اليمينيين المتطرفين أو القوميين أو العنصريين أو غيرهم من الفئات غير المرتبطة بالتطرف الإسلامي المسلح. كما لم تكن داعش، والتي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات باريس، أخطر جماعة متطرفة مسلحة، حيث ذهب هذا الوصف إلى الجماعة التابعة لها في نيجريا وهي "بوكو حرام".

على الحكومات الغربية أيضا إيلاء اهتمام كبير لما خلص إليه التقرير بأن البلدان التي لديها أعلى معدلات العنف المرتبط بالإرهاب – بما في ذلك سوريا والعراق ونيجيريا وباكستان وأفغانستان – تعاني أيضا من انتهاكات حكومية مثل الفساد، والإعدام خارج نطاق القضاء، والسجن السياسي، والتعذيب، والتمييز العرقي والديني.

يبرز هذا أن هناك طريقة واحدة فعالة للحكومات الغربية للحفاظ على أمن شعوبها، بدل تقويض الديمقراطية لديها، وهي الضغط على البلدان التي ينشط فيها متطرفون مسلحون للقيام بإصلاحات جوهرية.