ستة أشهر انقضت و16 ألف غارة جوية في حملة لهزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية"، أدت لاسترجاع أقل من 1% من الأراضي التي سيطرت عليها الدولة في العراق، تقودنا حسبة صادقة لها إلى استنتاج واحد فقط: أن الاستراتيجية التي تقودها الولايات المتحدة تمضي نحو الفشل.

مع الجهد المتركز بشكل حصري تقريبا على هزيمة عسكرية للجماعة المسلحة التي تعرف أيضا باسم داعش، لم تعمل الحكومة العراقية ولا حلفاؤها المعادون لـ داعش - بمن فيهم إيران - على تناول الإصلاحات بجدية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي قد تكسب تأييد ودعم سكان العراق من السنة. إن شرذمة القوات المقاتلة في العراق إلى ميليشيات طائفية غير خاضعة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المروعة ضد المدنيين العراقيين لهو جزء من انزلاق العراق إلى دولة محطمة لن يكن بمقدور أي حجم من المساعدات الخارجية والتدخل العسكري أن يعيدها سيرتها الأولى.

وعلى الرغم من المظالم الكامنة وراء دعم السنة لـ داعش في باديء الأمر، فقد ركز التحالف المناوئ لهذا التنظيم بشكل شبه حصري على حملة الغارات الجوية، مع لعب الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران دور القوات البرية الأساسية على أرض الواقع.

إن استيلاء داعش المذهل على رقعة هائلة من الأراضي العراقية ليشهد على تغريب المجتمعات السنية، حيث رحب العديد من السنة بمقاتلي داعش بصفتهم "محررين" لهم من الظلم الطائفي الذي تمارسه القوات الحكومية. لكن دعونا لا ننسى كيف وصل العراق إلى هذه النقطة - مع حرب العراق التي قادتها الولايات المتحدة والتي أدت إلى إزاحة ديكتاتور ولكن نتج عنها احتلال متعسف وحرب أهلية مدمرة، والتي خلفت وراءها أكثر من مليون قتيل.

فاقمت حكومة نوري المالكي الطائفية المدعومة من قبل الولايات المتحدة وإيران تقسيم البلاد بشدة إلى معسكرات سنية وشيعية متحاربة. اهتاجت المظالم السنية ومن ثم انفجرت تحت حكم المالكي، الذي استبعد على نحو فاعل المشاركة السياسية السنية ذات المغزى بل وعزز الانتهاكات واسعة النطاق ضد مجتمعهم. وعندما حاول السنة الاحتجاج سلميا على تهميشهم في 2012/2013، واجهوا اعتداءات عنيفة من قبل قوات الأمن الحكومية.

وأدت هذه الانتهاكات إلى تجدد التمرد الذي استغتله داعش. فقبل استيلاء داعش على الموصل بفترة كانت قوات الامن العراقية تقصف بشكل عشوائي محافظة الانبار في معركتها مع الجماعات المسلحة السنية. وفي الوقت الذي انتقد فيه مسؤولون أمريكيون استخدام الحكومة السورية للقنابل البرميلية، لم يصرحوا سوى بالنزر اليسير حول القنابل البرميلية التي كانت القوة الجوية العراقية تقصف بها الفلوجة في حينه. في أوائل 2014، كان الصراع قد أدى بالفعل إلى نزوح 500 ألف من المدنيين من المناطق السنية.

خلقت هذه الظروف أرضا خصبة لداعش من أجل تصعيد الصراع، مقترنة بالعديد من الجماعات المسلحة السنية، ومفسحة المجال لنثر بذور أزمة الإرهاب اليوم.

إن الميليشيات الشيعية التي تدعم حملة القصف التي تقودها الولايات المتحدة مسلحة، وممولة، ومدفوعة الأجر، ومدعومة من إيران، ولكن أيضا من الحكومة العراقية، والتي هي بدورها مسلحة وممولة من قبل واشنطن. في حين تقول الولايات المتحدة إن مخصصات أسلحتها في الميزانية تصل إلى 1.3 مليار دولار لعام 2015، مزمع أن تكون لقوات الأمن العراقية، فإن الواقع يقول إن الكثير منها ينتهي إلى أيدي هذه الميليشيات. بدلا من الإصرار على أنه يجب أن لا تذهب الأسلحة الأمريكية إلى الميليشيات، فأمام وزير الخارجية جون كيري الآن وثيقة تنازل عن متطلبات قانون ليهي للتدقيق على حقوق الإنسان ورصد الاستخدام النهائي، والتي يعتقد الكثيرون أنها لا تعمل على أية حال. وتعمل الحكومة الإيرانية في هذه الأثناء على بيع العراق ما قيمته 10 مليارات دولار أمريكي من الأسلحة، ينتهي الكثير منها أيضا إلى أيدي الميليشيات التي توجهها.

والمشكلة هي أن هذه الميليشيات تقوم بالانتهاكات التي تزيد السنة نفورا وتعمل بمثابة أداة تجنيد لداعش: عمليات الإعدام الجماعي للسجناء السنة، أعمال القتل الانتقامية في أعقاب ضربات قوات التحالف الجوية ضد المجتمعات السنية لدعمهم المزعوم لداعش، والتعذيب وقطع الرؤوس والتنكيل بالجثث. وفي يناير/كانون الثاني وصف شهود إعدام 72 مدنيا سنياً على يد الميليشيات الشيعية في محافظة ديالى.

يتحدث رئيس الوزراء حيدر العبادي بوجه حق عن الحاجة لتسريح هذه الميليشيات ودمجها مع القوات المسلحة، ودعا إلى إجراء تحقيق في مجزرة ديالى. لكنه وغيره من المسؤولين يقرون بأنهم ضعفاء في مواجهة قوات الأمن الفاسدة، والاعتماد على الميليشيات. في الواقع، تم تعيين قائدين في أحد الميليشيات، فيلق بدر، كوزيرين للداخلية ولحقوق الإنسان.

يعمل هذا بمثابة تأكيد واضح جدا لعلو كعب الميليشيات، وتأكيد ضئيل جدا على سلطة الحكومة الجديدة ومؤيديها. فقد يكون نزع سلاح هذه الميليشيات أمراً غير واقعي على المدى المنظور، ولكن هناك الكثير مما يمكن للحكومة أن تفعله الآن للحد من انتهاكاتها الأسوأ.

يمكن للحكومة أن تعاقب المسؤولين عن حالات الهيجان الإجرامية في المجتمعات السنية، وقطع رواتب الجهات المسيئة. يمكن للحكومة أن تصلح نظام العدل، وتفي بوعودها في الإفراج عن السجناء المحتجزين ظلما، ووضع حد للتعذيب المتفشي في منشآت الاعتقال في العراق. كما بامكانها الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، والتي يمكن لها أن تردع الانتهاكات التي ترتكبها كل الجماعات المقاتلة. ويمكن لرئيس الوزراء تعليق تطبيق القوانين الكارثية لمكافحة الإرهاب واجتثاث البعث. والاعدامات القضائية.

هذه خطوات أساسية يمكن لها أن تثبت للسنة أنهم أفضل حالا تحت حماية الحكومة. إذ يدرك حلفاء العراق أن القوات البرية والضربات الجوية وحدها ليست كافية، وأن الحملة الحالية ستفشل دونما تحركات جادة لوضع حد للانتهاكات.

سارة ليا ويتسن هي المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش