(تونس) ـ إن مدوّنا تونسيا تعرض إلى السجن بعد حكم صادر عن المحكمة العسكرية في تونس يقضي بسجنه لمدة ثلاث سنوات بتهمة "المس من كرامة الجيش وإهانة قادة عسكريين" في تعليقات على موقع فيسبوك.

وكانت السلطات قد اعتقلت ياسين العياري في مطار تونس قرطاج عند عودته من فرنسا في 24 ديسمبر/كانون الأول 2014. وفي اليوم التالي، مثل العياري أمام قاض عسكري أعلمه أن محكمة عسكرية أدانته غيابيا منذ 18 نوفمبر/تشرين الثاني. وفي محاكمة أخرى جرت في 18 نوفمبر/تشرين الثاني، قضت نفس المحكمة العسكرية بسجن الصحبي الجويني غيابيًا، وهو قيادي في نقابات الأمن، لمدة سنتين عملا بنفس الفصل المتعلق بالتشهير في مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.

وقال إريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "أصدرت محكمة عسكرية تونسية حكمين في نفس اليوم: واحد في حق زعيم نقابي وآخر في حق مدون، دون أن يكون أي منهما حاضرًا. هذا وضع لا يليق بتونس الجديدة".

أمر القاضي في جلسة 25 ديسمبر/كانون الأول بنقل العياري إلى سجن المرناقية لقضاء عقوبته. ويُذكر أن القانون الدولي الذي ينطبق على تونس يحظر محاكمة المدنيين في محاكم عسكرية. وقدّم مالك بن عمار، محامي ياسين العياري، طلبا بإعادة محاكمة موكله، وحددت المحكمة تاريخ الجلسة القادمة لـ 6 يناير/كانون الثاني. في الأثناء، مازال الصحبي الجويني في حالة سراح مؤقت في انتظار محاكمته، وكانت المحكمة العسكرية الابتدائية قد أجلت النظر في قضيته إلى 26 فبراير/شباط 2015.

وكانت تعليقات ياسين العياري، وهو مدون تونسي يعيش في فرنسا، مثيرة للجدل، وهو مساند لـ منصف المرزوقي، الرئيس المنتهية ولايته الذي لم يفز في الانتخابات، ومنتقد لـ الباجي قائد السبسي الفائز في انتخابات 21 ديسمبر/كانون الأول. كما نشر العياري في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول عديد التعليقات على موقع فيسبوك انتقد فيها وزير الدفاع غازي الجريبي بسبب عدم تعيين رئيس جديد للمخابرات العسكرية، واتهمه بإضعاف المؤسسة العسكرية. كما بث العياري نفس المزاعم التي أدت إلى إدانة الصحبي الجويني، ألا وهي وجود معلومات لدى وزير الدفاع حول الهجوم الذي نفذه مسلحون في 16 يوليو/تموز وتسبب في مقتل 16 جنديا وإصابة 23 آخرين بجروح في جبل الشعانبي القريب من الحدود مع الجزائر، دون أن يتخذ أي إجراءات لمنعه.

ينص الفصل 91 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية على عقوبة بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات في حق كل من يقوم بـ "تحقير الجيش والمس من كرامته أو سمعته أو معنوياته أو يقوم بما من شأنه أن يضعف في الجيش روح النظام العسكري والطاعة للرؤساء أو الاحترام الواجب لهم أو انتقاد أعمال القيادة العامة أو المسؤولين عن أعمال الجيش بصورة تمس كرامته".

ويُبرز الحكم الصادر في حق ياسين العياري، الذي أعده قاضي التحقيق في المكتب الأول للمحكمة العسكرية في تونس العاصمة بتاريخ 11 نوفمبر/تشرين الأول 2014، أن القاضي فتح تحقيقا اعتمادًا على تعليقات نشرها العياري على موقع فيسبوك في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2014. وخلص قاضي التحقيق إلى أن تعليقات العياري فيها تشهير بقيادات عسكرية، ومن شأنها الحط من "معنويات" القوات المسلحة. كما قام قاضي التحقيق باستجواب ستة شهود، كلهم مذكورون في تعليقات العياري، زعموا إن المدوّن أفشى أسرارا عسكرية من خلال الكشف عن معلومات سرية تتعلق بتعيينهم في رتبهم العسكرية، وإنه كان ينوي من وراء ذلك الإساءة إلى سمعتهم، وبالتالي إضعاف امتثال الجنود الخاضعين لإمرتهم. ووجه قاضي التحقيق إلى ياسين العياري تهم "المس من كرامة الجيش" و"التشهير بقادة عسكريين بما من شأنه تقويض الانضباط العسكري".

تُعتبر محاكمة الأشخاص بسبب التشهير بالجيش وغيره من مؤسسات الدولة متناقضة مع التزام تونس بالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وكانت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة قد أصدرت في 2011 توجيهات إلى الدول الأعضاء تتعلق بالتزاماتهم بموجب المادة 19، وأكدت على القيمة الكبرى التي يوليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إلى التعبير غير المقيد "في ظروف النقاش العام المتعلق بشخصيات عامة في المجال السياسي والمؤسسات العامة". كما قالت اللجنة إنه "لا يجب حظر انتقاد المؤسسات، مثل الجيش أو الإدارة". واعتبرت المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، في حكمها الصادر مؤخرا في قضية لوهي عيسى كانوتي ضد بوركينا فاسو، أن العقوبات الجنائية المتعلقة بأعمال التشهير مخالفة للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

ينص الفصل 31 من الدستور التونسي لسنة 2014 على حماية الحق في حرية التعبير. كما ينص الفصل 49 على أن لا تنال القيود التي تفرض على حقوق الإنسان والتي ينص عليها الدستور "من جوهرها، وأن لا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها".

إضافة إلى ذلك، قالت هيومن رايتس ووتش إن محاكمة ياسين العياري بصفته مدنيا، أمام محكمة عسكرية، تعتبر انتهاكا للمعيار المكفول في القانون الدولي الذي ينص على أن المحاكم العسكرية لا ولاية لها على المدنيين. كما تنص اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا على أن المحاكم العسكرية ليس لها أي ولاية قضائية على المدنيين.

على إثر فرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني 2011، أدخلت الحكومة الانتقالية إصلاحات على نظام القضاء العسكري. وأدخل المرسوم رقم 69 الصادر في 29 يوليو/تموز 2011 عديد الإصلاحات الهامة، ولكنه لم يقلص من صلاحيات المحاكم العسكرية بما يجعلها مقتصرة على الجرائم العسكرية التي يرتكبها أفراد عسكريون.

وقد تقوض محاكمة المتهم غيابيا بعضا من حقوقه الأساسية في المحاكمة العادلة كالحق في أن يكون حاضرا في أثناء المحاكمة والحق في أن يدافع عنه محام من اختياره والحق في استجواب الشهود. ولا يحبذ القانون الدولي المحاكمات الغيابية ولكنه لا يحظرها. وينبغي على النظم الوطنية التي تستخدم هذه الممارسة (المحاكمة الغيابية) على الأقل أن تؤسس ضمانات إجرائية لضمان حقوق المتهم الأساسية. ويبدو أن محاكمة ياسين العياري غيابيا لم تحترم هذه المعايير. فبالرغم من أن المحكمة زعمت أنها قامت بإعلامه بالمحاكمة على عنوانه المعروف، قال محاميه وعائلته لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان قد غير عنوانه وإن المحكمة العسكرية كانت تعلم ذلك لأنها بعثت لهم في السابق مراسلات تتعلق بتعويضات على إثر وفاة الطاهر العياري، والد ياسين العياري، الذي قتل في 18 مايو/أيار 2011 في هجوم نفذته مجموعة إسلامية متطرفة. يُذكر أن ياسين العياري نقل مباشرة إلى السجن لقضاء عقوبته دون أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه.

يتعين على البرلمان التونسي إصلاح جميع القوانين التي تنص على عقوبات بالسجن في الجرائم المتعلقة بالتشهير بمؤسسات الدولة أو اهانتها. كما يجب تعديل اختصاص المحاكم العسكرية بإلغاء ولايتها على المتهمين المدنيين.

وقال إريك غولدستين: "لم يعد يوجد أي مكان لقوانين قمعية من قبيل الفصل 91 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية في بلد تعتبر فيه حقوق الإنسان القاعدة الأساسية لدستوره الجديد. ومادامت هذه الأحكام موجودة، لن يتوانى حكام البلاد في استخدامها لإسكات المنتقدين والمعارضين".