Activist Nabeel Rajab has played a key role in condemning human rights abuses in Bahrain.

في سبتمبر/أيلول 2014 وافق اجتماع وزاري لجامعة الدول العربية على النظام الأساسي للمحكمة العربية المزمعة لحقوق الإنسان. وسوف تمر سنوات عديدة قبل أن تستعد المحكمة لفتح أبوابها رسمياً، إلا أن الوقت ليس مبكراً لتقييم احتمالات مساهمة المحكمة في إيجاد حل للوضع الحقوقي في العالم العربي ـ أو في مفاقمة المشكلة.

ولا شك في أن فكرة إنشاء محكمة إقليمية لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط العربي لا تخلو من الجاذبية، ففي إقليم يتمتع فيه المسؤولون بإفلات تام من العقاب رغم جسامة الانتهاكات، يمكن لمحكمة كهذه أن توفر فرصة للضغط من أجل درجة من درجات المحاسبة. لقد مر عقد من الزمان منذ قرر الميثاق العربي تلك الحقوق الهامة التي ينبغي لشعوب الشرق الأوسط التمتع بها، بما فيها الحرية من التعذيب، والمساواة أمام القانون، والحق في الحرية والأمن.

لكن على عكس المواثيق المماثلة في أفريقيا وأوروبا والأمريكتين، لم يحظ الميثاق العربي لحقوق الإنسان بمحكمة تفسره وتنفذه، ومن ثم فقد ظل، إلى حد بعيد، وثيقة على الورق.

وبوسع محكمة إقليمية قوية أن تبث الروح أخيراً في الميثاق العربي، وتبدأ في إنفاذ الحقوق بدلاً من الاكتفاء بتعريفها. ولذا فإنه من دواعي العار أن يعمل النظام الأساسي للمحكمة من البداية على وضعها في الأغلال، فهو نظام مشوب بعيوب جسيمة. ونظراً لافتقار المحكمة إلى سمات الاستقلال والمهنية الأساسية فمن الأرجح أن يستحيل عليها تقديم العدالة. وبدلاً من إقامة مؤسسة تساعد على كبح جماح الحكومات المسيئة، يبدو أن الدول العربية أنشأت بدلاً منها مجرد واجهة جديدة تحمي بها بعضها البعض من المحاسبة.

ولنتأمل كيف ازدادت مسودات النظام الأساسي المتعاقبة سوءاً بمضي الوقت، بدلاً من أن تتحسن. كانت إحدى المسودات التي راجعتها هيومن رايتس ووتش في أوائل 2014 تسمح للأفراد بتقديم الشكاوى للمحكمة ـ وهو شرط أساسي لأي نظام يفترض فيه التصدي لانتهاك الحقوق الفردية. لكن في اجتماع متعلق بالمحكمة في أواخر مايو/أيار، قدم مسؤولو الجامعة العربية مسودة "نهائية" تم تغييرها بحيث لا يجوز تقديم الشكاوى إلا للدول الأعضاء أنفسها ـ وليس الأفراد ولا المنظمات غير الحكومية.

وقد أدى هذا النقص الفاضح بـ شريف بسيوني، المحامي العربي المرموق وخبير جرائم الحرب، إلى إسقاط المحكمة من الاعتبار بوصفها مجرد "محكمة صورية".

إن البند العبثي الذي يجيز للدول وحدها تقديم الشكاوى يقوض علة إنشاء محكمة لحقوق الإنسان من الأساس، ويعمل بكل بساطة على إدامة الإفلات من العقاب، فخبرة عقود طويلة توضح لنا أن الدول نادراً ما تستعين بإجراءات الشكاوى فيما بينها، إن هي فعلت على الإطلاق.

أما المحاكم الإقليمية الأخرى ـ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، على سبيل المثال ـ فهي تكفل الشكاوى للأفراد والمنظمات غير الحكومية المستقلة. بل إن العديد من دول شمال أفريقيا هي أيضاً أعضاء في الاتحاد الأفريقي ومن ثم في اللجنة الأفريقية، وقد حصلت منظمة حقوقية مصرية على قرارات إيجابية من اللجنة الأفريقية رداً على شكاوى تقدمت بها.

ولنتأمل بعد هذا قرار الجامعة بأن يكون مقر المحكمة في البحرين ـ البلد الذي تقوم أسرته الحاكمة بقيادة قوات أمنية مسيئة إلى حد بعيد، وبالهيمنة على نظام مسيس للعدالة.

لقد تم الاتفاق على هذا، فيما يبدو، بدون استصدار أية تطمينات بأن البحرين ستحترم الحقوق المكفولة في الميثاق العربي. وحينما اقترح الملك حمد، ملك البحرين، إنشاء المحكمة في 2011، كان هذا جزءاً من حملة دعائية أوسع نطاقاً لإقناع المجتمع الدولي بأن البحرين جادة بشأن الإصلاح السياسي، في أعقاب حملتها القمعية ذائعة الصيت على المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية.

وتاريخ المحكمة المقترحة القصير، مثله مثل نظامها الأساسي المعيب، يؤكد الشكوك في أن نية العديد من الدول العربية قد انعقدت على التسربل برداء من احترام الحقوق، دون أن ينال من قدرتها على الإساءة بأي شكل من الأشكال.

فحين قامت الدول الأعضاء في الجامعة العربية بتعيين لجنة من الخبراء لإعداد مسودة أولى للنظام الأساسي، لم يتم الإعلان عن هوية هؤلاء الخبراء ولا إجراءات اللجنة. كما لم يتم تشاور يذكر مع المجتمع المدني ـ في تناقض واضح مع الشفافية التي كان يجب أن تشكل أساساً من أسس العملية.

ومع ذلك فقد حاولت أكثر من 20 منظمة حقوقية عربية ودولية التفاعل مع الجامعة العربية والدول الأعضاء بغية الوصول إلى محكمة من شأنها أن تكفل تحسين سبل الحماية والتعويض لضحايا الانتهاكات، وأن تشجع على المحاسبة أيضاً. لكن جهودهم التي تمتعت بمصداقية كبيرة تمت تنحيتها جانباً.

وحين تفتح المحكمة أبوابها في النهاية فإنها ستعمل حتماً على إحباط جهود حماية الحقوق. كان من الممكن لمحكمة مستقلة وذات مصداقية أن تمثل فرصة للشروع في محاسبة الحكومات على أساس المعايير التي تتشدق بها، وأن تساعد في صوغ فهم مشترك للكيفية التي تبدو بها حماية هذه الحقوق على أرض الواقع. إلا أن الفرصة أهدرت، حتى الآن على الأقل.