أدت تركيبة من الإنكار والخوف إلى منع الحكومة المصرية لي ولزميلتي من دخول البلاد ليلة الأحد. كان النموذج الملفوف حول جواز سفر زميلتي، والذي يصف أسباب منعنا من الدخول، ممهوراً بختم يقول: "لأسباب أمنية".

وكانت تلك خطوة غير مسبوقة، فلم يتم منع أي شخص من هيومن رايتس ووتش من دخول مصر سابقاً، حتى في أحلك أيام الرئيس السابق حسني مبارك. لكن سبب زيارتي كان بدوره غير مسبوق ـ مذبحة تضارع أشهر المذابح في العصور الحديثة، على غرار المقتلة الصينية في تيانانمين في 1989، ومذبحة أنديجان الأوزبكية في 2005.

لقد جئت إلى القاهرة لتقديم نتائج تحقيقنا المفصل الذي أجرته هيومن رايتس ووتش في مذبحة العام الماضي بأيدي قوات الأمن المصرية للمتظاهرين في اعتصام كبير بميدان رابعة في القاهرة، كان قد تم تنظيمه لمعارضة قيام الجيش بخلع محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب لمصر. في يوم واحد ـ بل 12 ساعة تقريباً ـ قتلت قوات الأمن ما لا يقل عن 817 شخصاً، تعرفت هيومن رايتس ووتش على كل فرد منهم ، وأكثر من ألف على الأرجح. كانت المذبحة ممنهجة بحيث ترقى في الأغلب إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.

كان الاعتصام على قدم وساق منذ شهر ونصف حين تحركت السلطات المصرية لسحقه. وقد وعد المسؤولون المصريون بالفض التدريجي الذي يشمل تقديم تحذيرات وتوفير مخارج آمنة لكل من يرغب في الرحيل. لكن الفض الفعلي كان أبعد ما يمكن عن هذا، ففي ساعة مبكرة من صباح 14 أغسطس/آب 2013، شنت قوات الأمن عمليتها: وفي غضون دقائق كانت قوات الأمن ـ الزاحفة على حشود المتظاهرين بالجرافات وناقلات الأفراد المدرعة ومئات القوات البرية ـ تطلق الذخيرة الحية، في دفعات مكثفة أحياناً.

وبدأ المتظاهرون في السقوط على الفور. لم يظهر المخرج الآمن الموعود قط، حتى الدقائق الأخيرة من الفض، مما دفع المتظاهرين للانزواء في مساحة ما فتأت تتضاءل، بينما كان القناصة ينتقون ضحاياهم من أسطح المباني، وقوات الشرطة على الأرض تطلق النار دون تمييز على الحشود. بل إن القناصة استهدفوا مدخل مستشفى رابعة، الذي عرف باسم "حارة القناصة".

وقد سارعت الحكومة المصرية للتشديد على وقوع بعض العنف من جانب المتظاهرين أيضاً، إلا أن هذا لا يبرر المذبحة التي نفذتها قوات الأمن. على حواف الاعتصام، قام بعض الشباب بالفعل بإلقاء زجاجات المولوتوف على قوات الأمن، واستخدموا أسلحة نارية في حالات قليلة. لكن قوات الشرطة لم تعثر على أكثر من 15 سلاح ناري وسط عشرات الآلاف من المتظاهرين، كما بلغت حصيلة وفيات الشرطة، بحسب مصلحة الطب الشرعي الحكومية نفسها، ثمانية. وتوحي حصيلة الوفيات الخالية من أي تناسب على هذا النحو بخطأ كبير في هذه العملية، خاصة وأنها كانت عملية شرطية يشترط القانون الدولي أثناءها عدم استخدام القوة المميتة إلا للضرورة القصوى لمجابهة خطر حدق بالأرواح.

بدلاً من الاحتماء من عنف المتظاهرين، كان أفراد الشرطة يقفون مكشوفين على الأسطح وفوق المدرعات وهم يطلقون النار على المتظاهرين ويزحفون نحوهم. وقد وصف شهود يتخطاهم الحصر، وبينهم سكان محليون وصحفيون مستقلون، ابتعاد المشهد كل البعد عن أي جهد مستهدف لتحييد حفنة من المتظاهرين المسلحين، وبدلاً منه وصفوا قوات الأمن وهي تحصد متظاهري ميدان رابعة حصداً ودون تمييز.

وكل الأسباب تدعونا للاعتقاد بأن العملية كانت مدبرة، بتورط مسؤولين من أرفع مستويات الحكومة المصرية. كان وزير الداخلية محمد إبراهيم هو المهندس الرئيسي لخطة الفض. أما رئيسه المباشر، المسؤول عن كافة العمليات الأمنية، فقد كان عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء للشؤون الأمنية آنذاك، ورئيس مصر الحالي.

في نقاشات سابقة على الفض، تحدث بعض كبار مسؤولي وزارة الداخلية عن توقع الآلاف من الوفيات. وفي اليوم التالي للمذبحة قال إبراهيم إن كل شيء سار حسب الخطة بالضبط، ثم منح المشاركين مكافآت فيما بعد.

كان فض رابعة جزءاً من حالات نمطية شملت أرجاء مصر، ولجأت فيها قوات الأمن إلى القوة المفرطة، بما في ذلك مقتل 61 مشاركاً في اعتصام أمام مقر الحرس الجمهوري يوم 8 يوليو/تموز، و95 متظاهراً آخرين قرب المنصة بشرق القاهرة في 27 يوليو/تموز. وكانت كل الأسباب تدعو كبار المسؤولين لاتخاذ خطوات تمنع قتل المتظاهرين على نطاق واسع في فض ميدان رابعة، لكن الأدلة على قيامهم بهذا منعدمة.

ورغم التطمينات التي أفادت بأن قوات الأمن ستمارس ضبط النفس، إلا أن كبار المسؤولين بدوا وكأنهم يتصرفون عن علم بالعملية الإجرامية التي ينوون القيام بها. قال اثنان من لواءات الداخلية لوكالة "أسوشيتد بريس" إن مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى نبهوا قواتهم إلى أن الفض سيتصاعد بسرعة، وقالوا لهم ألا يقلقوا من المحاسبة على أفعالهم. كما فصّل أحد اللواءين الخطوات التي اتخذتها وزارته لإفراغ الفحص الجنائي لمسرح الجريمة من مضمونه، بما في ذلك خلط ذخائر واردة من عدة مواقع، والتستر على محاضر صرف الذخيرة. وقد تم فيما بعد إعادة رصف الشوارع المحيطة بميدان رابعة، وإعادة بناء المباني المتضررة، في ما يبدو وكأنه جهد لمحو ذكريات المذبحة من هناك.

وخلال العام الذي انقضى، لم يصدر كشف حساب رسمي بما حدث، ولا تمت تحقيقات قضائية ذات مصداقية، ولا لوحق أحد. ورفضت الحكومة المصرية الإقرار بأي خطأ من جانب قوات الأمن، كما رفضت التعاون مع أي تحقيق، وبدلاً من هذا أقامت نصباً لتكريم الشرطة والجيش في قلب ميدان رابعة.

لكن أسلوب دفن الرأس في الرمال لن ينفع، فقد كانت مذبحة ميدان رابعة أكبر حجماً وتخطيطاً وانعداماً للسوابق المماثلة في التاريخ المصري من أن تنسى. ولعل بعض الحكومات الغربية، وبينها واشنطن، متلهفة على دفن الماضي والترحيب بحكومة الرئيس السيسي. لكن إقرار سابقة الإفلات من العقاب على جريمة بهذا النطاق الواسع من شأنه التشجيع على ارتكاب المزيد من الفظائع عند وقوع احتجاجات أخرى في المستقبل، كما لا بد وأن تقع. والإفلات من العقاب ليس السبيل لتشييد سيادة القانون ـ وهي مكون أساسي من مكونات "الانتقال" الديمقراطي الذي يتشدق به وزير الخارجية جون كيري على الدوام، والذي لم تتضح معالمه حتى الآن.

وربما تود الحكومة المصرية اليوم التظاهر بأنها محت ذكريات مذبحة رابعة. لكنني أشك في أن تكون الأمور بهذه البساطة. ففيما كان جنود الأمن يقتادونني من استراحة إلى استراحة في مطار القاهرة، سألتني شابة تعمل في المطار عما فعلته كي أستحق هذا الاهتمام الخاص. فعرضت عليها نسخة من تقرير هيومن رايتس ووتش عن مذبحة رابعة الذي كنت أرجو نشره. فابتسمت الشابة وعادت بصورة لها في ميدان رابعة أثناء الاعتصام.

إن العدالة ضرورية في مصر، لمنع قتل أي أشخاص آخرين مثلها، لا يريدون سوى احترام حقهم في انتخاب حكومتهم بحرية. وإذا واصلت مصر تجاهل هذه الجريمة المهولة فسوف يتعين على المجتمع الدولي أن يتدخل.