هدم حي مشاع الأربعين بالكامل، في حماة.

© 2014 DigitalGlobe

قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته اليوم مؤلف من 38 صفحة إن صور الأقمار الصناعية، وشهادات الشهود، وأدلة مستمدة من مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية، جميعها تبين أن السلطات السورية قامت عمداً ودون وجه حق بهدم الآلاف من المباني السكنية في دمشق وحماة في عامي 2012 و2013. 
 
تقرير "التسوية بالأرض: عمليات الهدم غير المشروع لأحياء سكنية في سوريا في 2012-2013"، يتولى توثيق سبع حالات لعمليات هدم واسع النطاق بالمتفجرات والجرافات وانتهاك هذه العمليات لقوانين الحرب، حيث أنها لم تكن تخدم أي غرض عسكري ضروري وبدت وكأنها تعاقب السكان المدنيين عن قصد، أو تسببت في أضرار كبيرة للمدنيين، بحسب ما توصلت إليه هيومن رايتس ووتش.  
 
قال أوليه سولفانغ، باحث الطوارئ في هيومن رايتس ووتش: "إن محو أحياء بأسرها من على الخريطة ليس من أساليب الحرب المشروعة، وتأتي عمليات الهدم غير المشروع هذه كأحدث إضافة إلى قائمة طويلة من الجرائم التي ارتكبتها الحكومة السورية".  
 
قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة السورية، كجزء من مفاوضات جنيف 2، أن تتعهد بوضع حد فوري لعمليات الهدم التي تخالف القانون الدولي، وأن تعوّض الضحايا وتوفّر سكناً بديلاً لهم. وعلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يحيل الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية.  
 
وقعت الحالات السبع التي وثقتها هيومن رايتس ووتش بين يوليو/تموز 2012 ويوليو/تموز 2013 في المناطق التالية: منطقتي مشاع الأربعين ووادي الجوز في حماة، ومناطق القابون، والتضامن، وبرزة، ومطار المزة العسكري، وحران العواميد في دمشق وبالقرب منها. 

 
تقدر المساحة الإجمالية للمباني المهدومة، استناداً إلى تحليل صور القمر الصناعي، بما لا يقل عن 145 هكتاراً ـ وهي مساحة تعادل نحو 200 من ملاعب كرة القدم. وكان الكثير من المباني المهدومة عمارات سكنية مكونة من عدة طوابق، وصل بعضها إلى ثمانية. وفقدت آلاف العائلات مساكنها نتيجة لعمليات الهدم هذه. أما المناطق المتضررة فكانت جميعها مناطق تعتبر معاقل للمعارضة، من جانب السلطات والشهود الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات.  
 
ادعى مسؤولون حكوميون ومنافذ إعلامية موالية للحكومة أن عمليات الهدم شكلت جزءاً من جهود التخطيط العمراني أو إزالة المباني المقامة بالمخالفة للقانون، إلا أنها كانت تتم تحت إشراف قوات عسكرية وكثيراً ما تمت في أعقابجولات من القتال في تلك المناطق بين قوات الحكومة والمعارضة. وبقدر ما استطاعت هيومن رايتس ووتش التأكد، لم تجر عمليات هدم مشابهة في المناطق المؤيدة بصفة عامة للحكومة، رغم أن الكثير من منازل تلك المناطق تم تشييدها بدورها بالمخالفة للقانون وبدون التصاريح اللازمة.  
 
إن هذه الظروف، علاوة على أقوال الشهود وتصريحات أقل مواربة من مسؤولين حكوميين منشورة في وسائل الإعلام، تشير إلى تعلق عمليات الهدم بالنزاع المسلح، وإلى أنها لم تكن تخدم أي غرض عسكري ضروري وبدت وكأن القصد منها هو معاقبة السكان المدنيين، أو أنها تسببت في أضرار غير متناسبة للمدنيين بالمخالفة لقوانين الحرب.  
 
هناك سيدة كانت تعيش بالقرب من وادي الجوز، وهو أحد الأحياء التي تم هدمها في حماة، قالت لـ هيومن رايتس ووتش: " بعد تهديم وادي الجوز، جاء الجيش إلى حينا بمكبرات الصوت، وقالوا إنهم سيدمرون حينا كما دمروا وادي الجوز ومشاع الأربعين إذا أطلقت رصاصة واحدة من هنا".
 
كما زعم عدد من أصحاب المنازل المهدومة أنهم، كانوا يملكون التصاريح والوثائق اللازمة لمنازلهم على  عكس ذريعة الحكومة المعلنة لعمليات الهدم.  

 
وفي تعليق على عمليات الهدم، قال حسين مخلوف محافظ ريف دمشق، في مقابلة مع صحفي دولي في أكتوبر/تشرين الأول 2012 إن عمليات الهدم ضرورية لطرد مقاتلي المعارضة.  
 
تمت بعض عمليات الهدم في نطاق مواقع حكومية عسكرية أو استراتيجية كانت قوات المعارضة قد هاجمتها. ورغم أن السلطات ربما كانت لها مبرراتها في اتخاذ بعض الإجراءات المستهدفة لحماية هذه المواقع العسكرية أو الاستراتيجية، إلا أن تدمير المئات من المباني السكنية، على بعد كيلومترات من هذه المواقع في بعض الحالات، يبدو غير متناسب وينطوي على المخالفة للقانون الدولي.  
 
قال سكان محليون لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الحكومية لم تقدم تحذيرات تذكر قبل الهدم، مما جعل نقل معظم أمتعتهم مستحيلاً. كما قال أصحاب المنازل الذين أجرت معهم هيومن رايتس ووتش المقابلات إنهم لم يتلقوا أي تعويض.  
 
وقال صاحب مطعم من حي القابون في دمشق لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن وصلت بالجرافات في صباح أحد الأيام دون إنذار، وأمرته بمغادرة المكان: "وحين سألت عن السبب، قال الجندي ‘كفانا من الأسئلة‘ وإلا احتجزوني".  
 
وقال إنهم لم يأذنوا له بأخذ أي شيء من المطعم، وأرغموه على الرحيل مشياً، تاركاً دراجته البخارية خلفه. وقال:"وبينما كنت أسير نظرت خلفي فرأيت الجرافة تهدم مطعمي. كان جدي قد افتتح المطعم قبل سنوات طويلة. وأدرت المطعم بنفسي لمدة 8 سنوات. أمام عينيّ، تم تدمير كفاح عائلتي في ثانية واحدة".  
 
يستند التقرير إلى تحليل تفصيلي لـ15 صورة "عالية الوضوح" التقطتها أقمار صناعية تجارية، وإلى مقابلات مع 16 شاهداً على عمليات الهدم ومع أصحاب المنازل المدمرة. وقد قامت هيومن رايتس ووتش إضافة إلى هذا بمراجعة تقارير إعلامية ومراسيم حكومية ومقاطع فيديو للتدمير المنشورة على موقع يوتيوب.  
 
قال أوليه سولفانغ: "لا يجوز لأحد أن ينخدع بمزاعم الحكومة أنها تقوم بالتخطيط العمراني في وسط نزاع دموي، فهذا عقاب جماعي لتجمعات سكانية يشتبه في تأييدها للتمرد. وعلى مجلس الأمن الأممي، عن طريق الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، أن يرسل رسالة واضحة مفادها أن عمليات التستر وإفلات الحكومة من العقاب لن تقف في طريق العدالة للضحايا".