متظاهر يرفع صليباً ومصحفاً أثناء مظاهرة ضد الرئيس المعزول محمد مرسي في ميدان التحرير. 4 يوليو/تموز 2013

© 2013 رويترز

(نيويورك) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن المصريين الأقباط كانوا هدفاً لعدة اعتداءات منذ قيام الجيش بعزل الرئيس السابق محمد مرسي. ويتعين على السلطات إجراء تحقيق عاجل في الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها، وتحديد ما إذا كان بوسع الشرطة منع العنف أو إيقافه.

في أكثر الوقائع دموية، بتاريخ 5 يوليو/تموز 2013، قام سكان محليون بضرب أربعة مسيحيين بوحشية داخل منزلهم حتى الموت بينما كانت الشرطة وحشد غوغائي من السكان يحيطون بالمنزل، في سياق يوم من العنف الذي اندلع بعد العثور على رجل مسلم ميتاً في نجع حسان، القرية التي تقع على مسافة 10 كيلومترات غربي الأقصر في صعيد مصر. قام سكان محليون أيضاً بإصابة ثلاثة آخرين بجراح وخربوا مالا يقل عن 24 عقاراً مملوكاً لأقباط. قال شهود وقالت الشرطة لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة لم تتدخل لإيقاف اهتياج مناوئ للأقباط في القرية دام 17 ساعة حتى قُتل الرجال الأربعة. زارت هيومن رايتس ووتش الأقصر ونجع حسان وأجرت مقابلات مع 20 على الأقل من الشهود على وقائع العنف.

قال نديم حوري، القائم بأعمال المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "ينبغي لقوات الأمن المصرية أن تتخذ أعلى درجات التأهب لمنع ووقف العنف الطائفي في الوضع المتوتر الراهن شديد الاستقطاب. وعلى الزعماء الدينيين والسياسيين في مصر التنديد بالتصعيد الخطير في الاعتداءات الطائفية".

منذ خلع مرسي في 3 يوليو/تموز وقعت ستة اعتداءات على الأقل على الأقباط في محافظات بمختلف أنحاء مصر، وتشمل الأقصر ومرسى مطروح والمنيا وشمال سيناء وبورسعيد وقنا. وفي كثير من الحوادث قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن أخفقت في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أو وقف العنف. على السلطات محاسبة الأشخاص المسؤولين عن جرائم القتل الطائفية والاعتداء على دور العبادة والممتلكات، والتحقيق في ما إذا كانت قوات الأمن قد اتخذت إجراءات غير كافية لمنع أو وقف الاعتداءات، بحسب هيومن رايتس ووتش.

في نجع حسان، أحاط حشد غوغائي بمنزلي اثنين من الأقباط بعد العثور على رجل مسلم ميتاً، وانتشار شائعات تفيد بأن شابين قبطيين قد قتلاه. قتل الحشد الغوغائي الذي احتشد أربعة أقباط وجرح اثنين آخرين. لم يتحرك أفراد الشرطة الموجودون والذين كان عددهم يقارب الـ60 للسيطرة على الموقف إلا بعد جرائم القتل.

في واقعة أسبق، بتاريخ 3 يوليو/تموز، قام مؤيدو مرسي بنهب وإحراق كنيسة مار جرجس للأقباط الكاثوليك وكنيسة الصالح بقرية دلجا في المنيا، على مسافة نحو 240 كيلومتراً جنوبي القاهرة. أدت الاعتداءات إلى إصابة ثمانية أشخاص ـ أقباط ومسلمين ـ بحسب تقرير لمنفذ إعلامي مصري. لم يقم أفراد الجيش أو الشرطة بحماية كنيسة مار جرجس أثناء الاعتداء، ولم يزوروا المكان حتى الآن بحسب راعي الكنيسة.

قال سكان دلجا الأقباط للصحفيين إن معظم الأقباط في المنطقة فروا منها، خائفين من العودة إلى بيوتهم وغير متأكدين مما إذا كانت قد أحرقت.

في حوادث منفصلة في شمال سيناء بتواريخ 5 و6 و11 يوليو/تموز، قام معتدون مجهولون بقتل ثلاثة أقباط، بينهم قس، بحسب شاهدة أجرت معها هيومن رايتس ووتش مقابلة، وبحسب تقارير إعلامية، رغم أنه لم يتضح ما إذا كان قد تم استهدافهم بسبب ديانتهم.

وقعت اعتداءات أخرى يبدو أنها طائفية على كنائس قبطية منذ عزل مرسي في مرسى مطروح يوم 3 يوليو/تموز، حيث قال شاهدان لـ هيومن رايتس ووتش إن متظاهرين هاجموا كنيسة السيدة العذراء، وأشعلوا النيران في كشك رجال الأمن أمام الكنيسة، واعتدوا على قسم شرطة هناك وسرقوا عربتين تابعتين للشرطة. وفي 9 يوليو/تموز في بورسعيد قام ملثمون بمهاجمة كنيسة مار مينا، بحسب تقرير إعلامي محلي.

وقع الاعتداء الطائفي الوحيد الذي يبدو أن الشرطة تدخلت فيه بفعالية في قنا، يوم 5 يوليو/تموز. استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع حين حاول مؤيدو مرسي مهاجمة كنيسة فمنعت المعتدين من إحداث أضرار بالمبنى أو إصابة أي شخص بداخله، بحسب تقرير إعلامي محلي.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات المصرية أن تضمن قيام النيابة بالتحقيق السريع والمحايد في مزاعم العنف الطائفي، سواء كان الضحايا من المسلمين أو الأقباط، وإحالة الدعاوى للقضاء حسب مقتضى الحال. كما يتعين على السلطات التحقيق في مدى كفاية رد فعل الشرطة على العنف الطائفي، ومحاسبة ضباط الشرطة الذين يخفقون في اتخاذ الإجراءات المناسبة.

ويجب على القادة الدينيين والسياسيين رفع الصوت احتجاجاً على العنف الطائفي. وعلى قوات أمن الدولة اتخاذ اجراءات لمنع العنف الطائفي، وتعزيز حقوق الأقليات الدينية، وتسهيل العودة الآمنة والطوعية للأشخاص الذين اضطروا للفرار من منازلهم نتيجة الاعتداءات الطائفية.

قال نديم حوري: "على الحكومة المصرية أن تجعل من إنهاء العنف الطائفي أولويتها، وإلا فإنها تخاطر بخروج هذه المشكلة المميتة عن السيطرة. وعلى النيابة إجراء تحقيقات مدققة مع المسؤولين وملاحقتهم قضائياً، بمن فيهم قوات الأمن، إذا كانت تريد إظهار قدرتها على منع إراقة الدماء في المستقبل".

الاعتداءات في الأقصر
اتفق 20 شاهداً على الأقل تحدثوا مع هيومن رايتس ووتش على أن مشاكل نجع حسان، القرية القريبة من الأقصر التي يسكنها أقباط كثيرين، بدأت في نحو الثانية من صباح 5 يوليو/تموز، عند انجراف جثة حسن صدقي حفني، أحد سكان نجع حسان الذي يبلغ من العمر 52 عاماً، على ضفة النيل خلف منزل أحد السكان.

ما زالت ملابسات وفاة حفني غير واضحة. قال عدد من السكان لـ هيومن رايتس ووتش إن أهل القرية اعتقدوا أن شابين قبطيين شوهدا في المنطقة التي ظهرت فيها جثة حفني على ضفة النهر، وهما مجدي اسكندر، 18 سنة، وشنودة روماني، 20 سنة، هما المسؤولين عن وفاته. قال أحد الأهالي لـ هيومن رايتس ووتش إنه استيقظ نحو الثانية صباحاً على صوت استغاثة حفني الذي كان يعرفه. ثم رأى حفني في النهر، وشخصاً لم يتمكن من التعرف عليه يدفعه تحت الماء، بينما اكتفى شخص آخر يقف على الضفة بالتفرج. وقال إن الظلام كان أشد من أن يتيح له رؤية المعتديين.

بدأ أهل القرية الغاضبون في التجمع مع انتشار خبر وفاة حفني، حتى بلغ الحشد قرابة 200 أو 300 شخص. قال رجل شرطة إنه رأى أهل القرية يطاردون إسكندر وروماني ويحيطون بمنزل جيران اسكندر، بينما كان آخرون من أهل القرية يعتدون على منازل الأقباط بالحجارة وزجاجات المولوتوف. حاول إسكندر الاختباء على السطح، وفر روماني. قال رجل الشرطة، الذي كان يقف أمام المنزل الذي اختبأ فيه إسكندر، إن بعض أهل القرية تمكنوا من اقتحام المنزل بين الرابعة والنصف والخامسة صباحاً، وضربوا إسكندر وخنقوه حتى ظنوا أنه مات.

رغم وجود 15 أو 16 من رجال الأمن، إلا أنهم عجزوا عن السيطرة على الحشد، كما قال رجل الشرطة. أدرك أفراد الشرطة أن إسكندر لم يمت، فلفوه في بطانية وأخذوه في إحدى عربات الأمن المركزي إلى مستشفى الأقصر المركزي، بهدف دفع السكان الغاضبين إلى افتراض وفاته، بحسب قول رجل الشرطة.

نُقل إسكندر على الفور إلى مستشفى أسيوط وعولج من جراح الخنق ونزيف داخلي ناجم عن الضرب، بحسب أحد العاملين بالمستشفى الذي أجرت معه هيومن رايتس ووتش مقابلة. في نحو العاشرة صباحاً وصلت شاحنتان للشرطة إلى نجع حسان بينما كان الحشد الغوغائي قد بدأ في التفرق لصلاة الجمعة.

قال قس محلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان على الهاتف مع ضابط شرطة من قسم بلدة الضبعية القريبة، من السادسة وحتى العاشرة صباحاً، لمعرفة ما يحدث. ثم ذهب إلى نجع حسان، لكن الاشتباكات بدت وكأنها توقفت، وقد طمأنه وجود شاحنتي الشرطة. قال القس: "عدت [إلى الكنيسة] مبتسماً، وظننت أن الأمر انتهى". ثم قال إنه في نحو الخامسة مساءً، بدأ سكان البلدة الأقباط في الاتصال به من جديد "في حالة من الفزع" لأن الحشود الغوغائية كانت تعاود التجمع ومهاجمة منازلهم.

طوال اليوم ظلت مجموعات من أهل القرية تهاجم ما وصل عدده إلى 110 منزلاً من منازل الأقباط في المنطقة، وتحرقها وتنهبها، محدثة تلفيات جسيمة في 24 منها، بحسب شهود وأحد المسؤولين في مكتب النيابة. حضر سكان قرية مجاورة بالدراجات النارية وأطلقوا النار على اثنين آخرين من سكان المنطقة الأقباط في نحو الخامسة مساءً، فأصابوا أحدهما، بولس زكي نسيم، بجراح حرجة، وهذا بحسب مسؤول النيابة، وموظف بمكتب الاستقبال بالمستشفى، ونجل نسيم الذي شهد واقعة إطلاق النار.

نحو الخامسة مساءً بدأ ما تراوح عدده بين 300 و500 من سكان نجع حسان والقرى المجاورة المسلمين في التجمع، واتجهوا إلى الشارع الرئيسي بنجع حسان. وفي نحو الثامنة مساءً، قام ما يقرب من 50 رجلاً باقتحام منزل حبيب نصحي حبيب، فضربوا اثنين من أشقائه بوحشية حتى الموت، وهما محارب نصحي حبيب، 38 سنة، وروماني نصحي حبيب، 36 سنة، وكذلك راسم تاوضرس أقلاديوس، 56 سنة، الذي حاول التماس الأمان داخل المنزل. تعرض الجميع لجراح خطيرة بالرأس ضمن جملة إصاباتهم. وقام رجال آخرون بضرب نسيم صاروفيم، 41 سنة، حتى الموت، واعتدوا على ابن أخيه، ميلاد إميل، 25 سنة، فأصابوه بجراح خطيرة، بينما كانا يفران من المنزل.

قامت هيومن رايتس ووتش بمراجعة سجلات الدخول بمستشفى الأقصر المركزي، الذي استقبل الجثث في البداية، ووثقت إصابات جسيمة بالمخ وكسور بجمجمة روماني نصحي حبيب، الذي توفي بعد ساعتين من دخوله؛ وجروح قطعية وكسور بالجمجمة ونزيف داخلي لدى إميل نسيم صاروفيم، الذي توفي في السابعة من صباح اليوم التالي؛ وإصابات خطيرة بالرأس، بينها جراح مفتوحة ونزيف داخلي، لدى ميلاد إميل الذي نجا من الاعتداء. وصل محارب نصحي حبيب وراسم تاوضرس أقلاديوس إلى المستشفى ميتين، بحسب السجلات، التي لم تسرد تفاصيل إصاباتهما.

ظهر في الصور الفوتوغرافية لجثث الأربعة المتوفين التي اطلعت عليها هيومن رايتس ووش جراح قطعية وكدمات عديدة، يبدو أنها نجمت عن آلات راضة.

قال حبيب، ابن عم إميل نسيم، لـ هيومن رايتس ووتش إنه اختبأ من المعتدين في المنور تحت نافذة حمام:

استيقظت في السادسة صباحاً على جلبة كبيرة. أنا أسكن في شارع كوبري الجبانة، الشارع الرئيسي بنجع حسان، بجوار إميل [نسيم صاروفيم]. تطلعت إلى الخارج ورأيت مئات الأشخاص يركضون، وفي أيديهم مواسير معدنية ومعاول وسكاكين. اتصل بي ابن خالتي رفعت فواز المقيم قرب النيل وقال إن الناس يهاجمون منزله ويهاجمون منازل أقباط آخرين. بعد مرور بعض الوقت هدأت الأمور، لكنها بدأت من جديد في وقت لاحق من اليوم. إنني أعيش هنا مع روماني ومحارب، شقيقاي، وقد جاء صديقاي راسم وإميل وابن أخيه ميلاد للاختباء هنا أيضاً. فر جرجس، شقيقنا الآخر، إلى أسوان مع أبنائه.

في نحو الثامنة مساءً اقتحم [تم حجب الاسم] منزلي مع رجلين آخرين [ذكر اسم أحدهما]. في تلك اللحظة فر إميل وميلاد من الخلف. كان هناك نحو 20 شخصاً يقفون في المقدمة ويلقون زجاجات المولوتوف على المنزل، وفجأة تدفق الرجال على المنزل، لا بد وأن عددهم قد بلغ الخمسين. وكنت أنظر بينما اعتدى عدد منهم على محارب. ضربوه على رأسه وجسمه بالمواسير المعدنية والمعاول. جريت واختبأت في المنور تحت نافذة الحمام. وعرفت حين أجهزوا على محارب لأنني سمعتهم يقولون، "لا إله إلا الله". كما سمعت أحدهم يصيح من الخارج، "يلا، خلصونا". لم يكن من المنطقة، وقد عرفت هذا من لكنته.

قال حبيب إن أربعة من رجال الشرطة في ثياب مدنية رفضوا مساعدة الرجال المختبئين في المنزل على الهرب. قال حبيب، "كان بالمنزل 13 سيدة و7 رجال، والكثير من الأطفال. أخذوا السيدات والأطفال في عربات الشرطة إلى الكنيسة، لكنهم رفضوا أخذنا".

ورغم وصول ما يبلغ 60 عنصر شرطة في النهاية إلى نجع حسان بحلول الساعة السادسة مساءً إلا أنهم لم يمنعوا المعتدين من اقتحام المنزل ولا سيطروا على الموقف إلا بعد مقتل الرجال الأربعة.  قال رجل شرطة محلي لـ هيومن رايتس ووتش إن مديرية أمن الأقصر لم ترسل قوات إضافية إلى مسرح الأحداث بسبب مظاهرة انعقدت أمام مبنى محافظة الأقصر في ذلك اليوم.

قال ضابط شرطة محلي رفيع الرتبة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم حاولوا السيطرة على الحشد الغوغائي ولكن دون جدوى. وقال إن سبعة أو ثمانية من كبار ضباط الشرطة ونحو 60 من رجال الأمن المركزي من الضبعية والأقصر أطلقوا الغاز المسيل للدموع واستخدموا الهراوات ضد الحشد الغوغائي المحيط بالمنازل، لكنهم عجزوا عن السيطرة على الحشد إلى ما بعد مقتل الرجال الأربعة. قال الضابط لـ هيومن رايتس ووتش، "لم أدر ماذا أفعل":

حط نفسك مكاني، واطرح على نفسك سؤالين. الأول، هل تطلق الذخيرة الحية على هؤلاء المجتمعين بالخارج؟ من الذي سيُقتل، من بالخارج أم بالداخل؟ والثاني، بصفتك ضابط شرطة، لا يمكنك القيام بشيء دون أوامر. فماذا تفعل إذا لم تتلق أمراً يتيح لك اتخاذ إجراءات إضافية؟

قال اللواء خالد ممدوح، مدير أمن الأقصر والضابط المشرف على أفراد الجيش والأمن المركزي المنتشرين في نجع حسان يوم 5 يوليو/تموز، قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه لم يكن ثمة "أي سبيل" للشرطة كي تسيطر على الموقف. "هؤلاء الناس يقومون بتلك الأفعال طوال الوقت، إنهم أغبياء"، بحسب قوله. "لم يكن في أفعالهم ما يدعو الشرطة لاتخاذ أية تدابير خاصة استثنائية، فليست مهمة [الشرطة] أن توقف القتل، لكننا نحقق فيما بعد وحسب".

أنكر اللواء ممدوح، الذي قال إنه نُقل من القاهرة إلى مديرية أمن الأقصر في مطلع يوليو/تموز، وجود أية أبعاد طائفية لجرائم القتل، ونسب العنف إلى "همجية" الناس في المنطقة. قال اللواء ممدوح، "سترى، ارجع بعد شهر وسوف يخبرك الجميع بأن شيئاً لم يحدث هنا".

قال حبيب إن أحد المحققين في مكتب النيابة بالأقصر زار نجع حسان لبرهة وجيزة في اليوم التالي للاعتداء، فزوده بأسماء الرجال الـ18 الذين رآهم يشاركون في الاعتداءات. وكان أحد الذين ذكر أسماءهم من أعضاء الإخوان المسلمين. كما قال حبيب إنه أبلغ وكيل النيابة بأنه يعتقد أن الشرطة متورطة في الاعتداء، لكن في 10 يوليو/تموز حين استدعى وكيل النيابة حبيب إلى الأقصر لمقابلة أخرى، لم يستجوبه وكيل النيابة بشأن تدخل الشرطة في الواقعة.

قال مسؤول بمكتب النائب العام في الأقصر، رفض ذكر اسمه، لـ هيومن رايتس ووتش إن أهل القرية، بحسب البلاغات التي تلقوها، ظلوا طوال اليوم يهاجمون منازل السكان الأقباط بالحجارة والمواسير وزجاجات المولوتوف، فخربوا 24 منزلاً، في الصباح الباكر بينما كان أهل القرية يطاردون إسكندر، ومرة أخرى بين الخامسة والعاشرة مساءً.

قال المسؤول لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يحققون في جرائم القتل وتدمير الممتلكات لكنهم لا ينوون التحقيق في إخفاق قوات الأمن في احتواء العنف ومنع المزيد منه، العنف الذي تصاعد على مدار 17 ساعة بدون أي تدخل فعال من جانب الشرطة. وقال إنه حتى 13 يوليو/تموز كان هناك 10 أشخاص مشتبه بهم في مقتل الرجال الأربعة، وقد تم احتجاز 4 من الـ10. وهناك 26 شخصاً أخرين، بينهم 12 محتجزون على ذمة التحقيق، مشتبه في مشاركتهم في نهب وتدمير ممتلكات في المنازل المملوكة لأقباط.

قال مسؤول النيابة، "حتى الآن لا يوجد تحقيق في سلوك الشرطة، ولن يكون. إننا نتخذ إجراءات حاسمة لضمان عدم تكرار شيء كهذا ثانية، لكن الشرطة لم تخطئ. لقد أنقذت الأرواح. لولا تدخلها لاشتعلت البلدة كلها. لن يكون هناك تحقيق في إخفاق الشرطة لأنه لا ضرورة له".

قال سكان مسلمون في نجع حسان لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة أخفقت في التدخل الكافي لمنع الاشتباكات من التصاعد. قال محمد جيلاني، ناظر المدرسة الابتدائية بنجع حسان، "لم يفعلوا أي شيء. لقد تعودنا على حل مشاكلنا بأنفسنا هنا".

كما قال سكان مسلمون لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة اعتقلت بين 45 و50 رجلاً على ذمة اعتداءات 5 يوليو/تموز، واحتجزت 7 منهم لمدة 5 أيام بدون أمر حبس صادر من النيابة، ثم أفرجت عنهم بعد ذلك دون توجيه اتهامات. قال السكان المسلمون إنهم لا يعرفون أسباب اعتقال الرجال، واعتبروها "عشوائية".

زعم السكان أن الشرطة استخدمت القوة المفرطة في تنفيذ عدد من الاعتقالات. قال حمدي علي محمد، 29 سنة، لـ هيومن رايتس ووتش إن ضباط الشرطة اعتقلوه الساعة 12:30 من صباح يوم 6 يوليو/تموز، بعد دخوله في مشادة كلامية مع رجل شرطة كان يشغل تسجيلاً لآيات القرآن من مكبر الصوت الخاص بمسجد القرية في نحو التاسعة والنصف مساءً، بعد قليل من مقتل الرجال الأربعة. قال محمد، "قلت له إن هذا استفزاز والوقت غير مناسب. وفي نحو الحادية عشرة والنصف صباحاً اعتقلني 3 رجال شرطة من الشارع ـ اثنان للإمساك بذراعيّ والثالث لضربي. ما زال على جلبابي بقع دم من أثر الضرب".

قال محمد عبد المحسن، 32 سنة، لـ هيومن رايتس ووتش إن الشرطة اقتحمت منزله في الواحدة والنصف من صباح يوم 6 يوليو/تموز بينما كان نائماً مع أخويه محمود، 28 سنة، وأحمد، 31 سنة. وقال إن الشرطة ضربت أخويه واعتقلتهما. قال عبد المحسن، "كسروا الباب وحطموا كل مصابيح المنزل وهم يطلقون الشتائم بحق أخويّ طوال الوقت. ثم قيدوهما وضربوهما بالهراوات والأحذية، وأخذوهما إلى الشارع وواصلوا ضربهما هناك". وقال إن أخويه رهن الاحتجاز على ذمة التحقيق في قسم شرطة العوامية.

قال شخص آخر من سكان القرية رفض ذكر اسمه إنه شاهد رجال الشرطة يضربون محمد بغدادي رشاد، 28 سنة، على جانب رأسه بمسدس في أثناء اعتقاله.

بعد اعتداءات 5 يوليو/تموز، فر الكثير من أقباط نجع حسان خارج البلدة. وقال قساوسة بكنيسة في الضبعية لـ هيومن رايتس ووتش إن 40 عائلة قبطية احتمت بالكنيسة. وما زالت 10 عائلات من هذه في الكنيسة، والسبب لدى البعض هو تدمير منازلهم بحيث لم تعد صالحة للسكنى، ولدى آخرين خوفهم من العودة خشية التنكيل بهم.

اعتداءات المنيا
في 3 يوليو/تموز قام مؤيدو مرسي بنهب وحرق كنيسة مار جرجس للأقباط الكاثوليك وكنيسة الصالح في قرية دلجا بالمنيا، على بعد حوالي 260 كيلومتر جنوبي القاهرة. تسبب المعتدون في جرح 8 أشخاص ـ من المسلمين والأقباط ـ بحسب تقريرلصحيفة "المصري اليوم".

قال الأب أيوب يوسف راعي كنيسة مار جرجس لـ هيومن رايتس ووتش إن مجموعة من مؤيدي مرسي تجمعوا يوم 2 يوليو/تموز بالقرب من الكنيسة مرددين شعارات معادية للأقباط. قال يوسف، "كانوا يصيحون ‘إسلامية إسلامية! مصر هتفضل إسلامية، رغم أنوف النصرانية‘ و‘الأقباط ضد الثوار!‘".

في اليوم التالي أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي على شاشات التلفزة عن إزاحة مرسي من السلطة، وكان السيسي محاطاً بقادة سياسيين ودينيين مصريين، بينهم رأس الكنيسة القبطية الأنبا تاوضرس. قال يوسف إن مؤيدي مرسي اعتدوا على الكنيسة ونهبوها في أعقاب إعلان السيسي مباشرة، ثم أشعلوا فيها النيران:

بعد إعلان الجيش بخمس دقائق، وبمجرد أن بدأ الأنبا تاوضرس الحديث، قامت مجموعة مكونة من أكثر من 500 فرد بالاعتداء على المبنى المكون من 3 طوابق. وأنا أسكن الطابق الثالث. كانوا يهتفون، "سيسي يا سيسي، مرسي هو رئيسي!" نهبوا المكان فأخذوا كل شيء في حضانة الأطفال ومتجر الهدايا والمكتبة. بل إنهم أخذوا طلمبة المياه والمصابيح والأسلاك الكهربية. نهبوا المكان عن آخره ثم أشعلوا فيه النيران.

قال يوسف إنه ذهب في موعد لاحق من ذلك المساء إلى قسم الشرطة لتقديم بلاغ. وحين عاد إلى منزله وجد أن شقته التي تعلو الكنيسة قد سرقت. قال يوسف، "أخذوا متعلقاتي الشخصية وكتبي وكل شيء. وما عجزوا عن أخذه خربوه. في تلك الليلة نهبوا الكنيسة أيضاً وأغاروا على منازل 7 أو 8 من الأقباط".

قال يوسف لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد منازل الأقباط المعتدى عليها في 3 يوليو/تموز كان مكتوباً عليه بصيغة تهديد، "هذا منزل تالايفاس"، وهو اسم عائلة قبطية في دلجا. قال المحامي القبطي المحلي ثروت بخيت لـ هيومن رايتس ووتش إن الحشود الغوغائية قامت أيضاً بنهب 12 متجراً مملوكاً لأقباط، بينها متاجر صاغة وأدوات مكتبية ومحلات بقالة.

لم تقم قوات الجيش والشرطة بحماية الكنيسة أثناء الاعتداء ولم تزر المكان حتى الآن، كما قال يوسف، رغم مطالباته المتكررة بالحماية. ولم يبدأ وكلاء النيابة حتى الآن على ما يبدو في التحقيق. قال يوسف، "رحل رجال الشرطة القليلون الذين كانوا يحمون الكنيسة فور اقتراب الحشود. اتصلت بالشرطة وبالجيش وبأي شخص استطعت الوصول إليه، لكن لم يحضر أحد حتى الآن للمساعدة".

قال بخيت لـ هيومن رايتس ووتش إن مجموعة الأشخاص الذين اعتدوا على كنيسة مار جرجس قامت هي عينها بإطلاق النار على كنيسة الصالح، لكن لم يصب أحد بسوء.

قال سكان أقباط في دلجا لـ هيومن رايتس ووتش إن معظم أقباط المنطقة فروا منها، خائفين من العودة وغير متأكدين مما إذا كانت منازلهم قد أحرقت.

اعتداءات أخرى على أقباط
في وقائع منفصلة في شمال سيناء أيام 5 و6 و11 يوليو/تموز، قام معتدون مجهولون بقتل 3 من الأقباط، رغم أنه لم يتضح ما إذا كانوا قد استهدفوا بسبب ديانتهم. قام مسلحون مجهولون بخطف مجدي لمعي السمائي، وهو قبطي يعمل كمندوب مبيعات للعدد الكهربية، يوم 5 يوليو/تموز في مدينة الشيخ زويد بالقرب من حدود شمال سيناء مع قطاع غزة. في 11 يوليو/تموز تم العثور على جثة لمعي مقطوعة الرأس في مقبرة بالشيخ زويد بعد مطالبة الخاطفين بفدية تعادل 70 ألف دولار أمريكي.

وفي 11 يوليو/تموز أفادت مصادر أمنية بمقتل بائع قبطي آخر هو مجدي حبشي البالغ من العمر 60 عاماً، الذي اختطفه مسلحون مجهولون يوم 6 يوليو/تموز في الشيخ زويد، وظهرت جثته مقطوعة الرأس لاحقاً في إحدى المقابر.

وفي عصر 6 يوليو/تموز في العريش قام ثلاثة ملثمين مسلحين بإطلاق النار بكثافة على الكاهن القبطي الأب مينا عبود فأردوه قتيلاً، بينما كان يقود سيارته قرب سوق مكشوفة.

قالت سيدة تسكن شقة تعلو موضع إطلاق النار مباشرة لـ هيومن رايتس ووتش:

في 6 يوليو/تموز، في الواحدة والنصف أو الثانية مساءً، سمعت طلقات نارية فهرعت إلى الشرفة لاستطلاع ما يحدث. رأيت سيارة "فيرنا" بيضاء تتجاوز سيارة رمادية وتقطع طريقها. ترجل من السيارة [الفيرنا] رجلان ملثمان وكانا يطلقان النار على السيارة [الرمادية]، وكان ملثم آخر يقف على مقربة. فتحا باب السيارة الرمادية وأطلقا النار على الرجل الذي بداخلها ثم ألقيا به خارجها وأخذا سيارته ورحلا. صرخت من الشرفة وبدأ الناس يتجمعون حول الجثة. نزلت إلى أسفل ورأيته ممدداً على الأرض. [ورأيت موضع] إصابته بالطلق الناري في عنقه وصدره وساقه. استغرق الأمر كله أقل من 10 دقائق.

وقعت اعتداءات أخرى يبدو أنها طائفية على كنائس منذ خلع مرسي في مرسى مطروح في الشمال الغربي لمصر، يوم 3 يوليو/تموز، حيث اعتدى مؤيدو مرسي على كنيسة السيدة العذراء وأشعلوا النار في كشك مخصص لرجال الأمن أمام الكنيسة، وهاجموا قسم شرطة في الضبعة، وهي إحدى ضواحي مرسى مطروح، فسرقوا عربتين للشرطة. وفي مدينة بورسعيد المطلة على قناة السويس اعتدى ملثمون يوم 9 يوليو/تموز على كنيسة مار مينا. استجابت الشرطة لاعتداء طائفي في قنا في صعيد مصر يوم 5 يوليو/تموز فتدخلت بالغاز المسيل للدموع حين حاول مؤيدو مرسي الاعتداء على كنيسة، فمنعت المعتدين من إحداث أضرار بالمبنى أو إصابة من بداخله.