بالكاد تمكنت أمينة الربيعي من التعرف على الرجل الناحل حتى عظامه، البادي على الشاشة، وذلك في آخر مرة أدارت فيها مداولة عبر كاميرا الفيديو من اليمن مع شقيقها سلمان، وهو واحد من المحتجزين بسجن الولايات المتحدة الحربي في غوانتانامو باي.

أخبرتني أمينة الربيعي حين التقينا مؤخرا ًفي العاصمة اليمنية صنعاء أن شقيقها "كانت عيناه غائرتين في محجريهما داكني اللون" ومضت قائلة إنه "كان يقبع غاطساً في مقعده، يقيم رأسه منتصباً بشق النفس. لم يكن بمقدوره الاحتفاظ بتركيزه، كذلك لم يبد عليه أنه يحيط بما نقول. لم يكن بمقدورنا كبح أنفسنا عن النحيب."

حملت التقارير أنباء التقاط سلمان الربيعي البالغ من العمر 33 عاماً على أراضي أفغانستان في ديسمبر/كانون الأول 2001. وهو واحد من بين عشرات المحتجزين المشاركين في إضراب عن الطعام امتد لثلاثة أشهر احتجاجاً على احتجازهم في غوانتانامو لأجل غير معلوم دون توجيه اتهام. وهو كذلك من بين نحو 90 يمني موجودين داخل السجن يمثلون الكتلة الأكبر بحسب الجنسية كما وأنهم المجموعة التي تقع في قلب أزمة غوانتانامو الراهنة.

ولقد لاحت لمعتقلي غوانتانامو في الأسبوع الماضي بارقة الأمل الأولي منذ سنوات حين جدد الرئيس باراك أوباما الوعد الذي قطعه في اليوم الأول لجلوسه على مقعد الرئاسة بإغلاق سجن غوانتانامو. وفي ذات الوقت مضت الحكومة الانتقالية الجديدة في اليمن من جانبها في بذل جهودها لإعادة المحتجزين اليمنيين إلى وطنهم. لذا فإنه يتعين على إدارة أوباما القيام بكل ما في وسعها لانتهاز الفرصة الكامنة في هذا الزخم.  

ولقد صدق مجلس الوزراء اليمني في اجتماعه الشهر الماضي على قرار صادر من السيدة حورية مشهور وزيرة حقوق الإنسان التي تتسم بالمشاكسة، وتعهدت الحكومة بأن تسهر عشرة من وزاراتها الرئيسية على مراقبة أي من المحتجزين العائدين للوطن للحيلولة، من ناحية، دون أن يمثلوا تهديداً محتملاً للولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى لضمان تلقيهم للمشورة القانونية والتدريب المؤهل للعمل وغيرها من أوجه العون لمساعدتهم على الاندماج مجدداً في المجتمع.

هذا وقد قامت حورية مشهور، التي أحالت وزارتها التي اتسمت فيما سبق بارتعاش اليد إلى منبر متنمر دفاعاً عن حقوق الإنسان، بإعداد مسودة لمذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة حول المشاركة في المعلومات بشأن المحتجزين العائدين للوطن وإتاحة الوصول إليهم. فضلاً عن ذلك فقد تقدمت السلطات اليمنية باقتراح إقامة مركز لإعادة التأهيل يكون مقره اليمن لإيواء المحتجزين إثر عودتهم.

وخلال الأسبوع الجاري حضر إلي واشنطن كل من السيدة حورية مشهور وفريق من مكتب الأمن الوطني اليمني، وهو أحد الأجهزة الاستخباراتية بالبلاد، لتبادل الرأي مع المسئولين الأمريكيين بشأن معتقلي غوانتانامو. ولسوء الحظ، قامت السيدة مشهور التي كانت بالمدينة مسبقاً لحضور اجتماع للبنك الدولي، باختصار زيارتها إثر علمها بأن أمامها موعد رسمي وحيد تم تعيينه للالتقاء بإدارة أوباما.

كان من الممكن أن تتيح زيارة السيدة مشهور فرصة ذهبية للولايات المتحدة واليمن للتشارك في مناقشة واحدة من أشد قضايا حقوق الإنسان التي تجابه حكومتيهما إلحاحاً. غير أنه ينبغي ألا تصير مغادرتها المبكرة ذريعة لأي من واشنطن أو صنعاء للمزيد من التواني في إيجاد حل لمسألة اليمنيين في غوانتانامو، الذين يمثلون نحو الثلثين من المحتجزين البالغ عددهم 166 في ذلك السجن.

لقد قام أوباما في عام 2009 بإجازة نقل 56 من اليمنيين في غوانتانامو إلى وطنهم، 26 منهم بصورة فورية يتبعهم 30 آخرون إذا ما سارت الأمور على نحو طيب بالنسبة للشريحة الأولية. غير أن الرئيس قام بتجميد عمليات النقل في غضون بضعة أيام عقب حادث الشروع في تفجير طائرة فوق مدينة ديترويت بواسطة شاب نيجيري ادعى تلقيه الإلهام من الداعية اليمني- الأمريكي أنور العولقي وذلك في عيد الميلاد لعام 2009، فيما كان اثنان من المحتجزين اليمنيين على الأقل قد تم نقلهم فعلياً من زنازينهم وكانوا يعدون العدة للتوجه لوطنهم حين تلقى حراسهم تنبيهاً بتجميد الإجراء فأعادوا حبسهم مرة أخرى، وذلك بحسب رواية محاميهم. وقد قامت الولايات المتحدة بقتل العولقي قصفاً بواسطة طائرة بدون طيار في عام 2011.

جرى تأجيل المزيد من التباحث بشأن عمليات الإعادة للوطن العثرات في ظل حكم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وكان زعيماً داهية غير أنه كان شريكاً متقلب الأحوال في عملية مكافحة الإرهاب. وقد أفادت تقارير بأن صالح قد أعطى الولايات المتحدة الإذن بمهاجمة العولقي قصفاً بواسطة طائرة بدون طيار في 2011، إلا أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ازدهر خلال فترة رئاسته.

تخلى صالح عن السلطة في عام 2012 في أعقاب انتفاضة جماهيرية. وقد عمل خلفه عبد ربه منصور هادي، على العكس من سلفه، يداً بيد مع الولايات المتحدة على مواجهة الإرهاب.

وبطبيعة الحال فإن الأهداف المعلنة للحكومة اليمنية لا يمكنها أن تخفف من كافة مخاطر إعادة المحتجزين لوطنهم. وحتى لو كان اليمنيون في غوانتانامو أبرياء وقت وصولهم إلى هناك، فإن بعضهم قد يكون قد اكتسب قدراً من التشدد داخل السجن، ولعلهم ينحون باتجاه العمل المسلح عند بلوغهم أرض الوطن.

غير أن الاحتجاز المطول غير محدد الأجل دون توجيه اتهام أو التقديم للمحاكمة يمثل خرقاً لالتزامات الولايات المتحدة المقررة طبقاً للقانون الدولي، كما وأن رد الفعل داخل اليمن تجاه السجن المتواصل آخذ في التنامي. فخلال واحدة من التظاهرات في شهر إبريل/نيسان خارج سفارة الولايات المتحدة في صنعاء، أخذ محتجون وقد ارتدوا حللاً برتقالية اللون في التلويح بأعلام كتب عليها بالإنجليزية "الولايات المتحدة الأمريكية تتخلى عن حقوق الإنسان".

تشارك أمينة الربيعي بانتظام في المسيرات للمطالبة بإطلاق سراح شقيقها سلمان، الذي لم توجه له أية اتهامات مطلقاً. وتؤمن أمينة أن جريمة سلمان الوحيدة هي كونه شقيق فواز الربيعي الذي أدين في عام 2004 لقيامه قبل ذلك بعامين بتفجير ناقلة بترول فرنسية وقد قتل على أيدي قوات أمن الدولة في عام 2006. وجاء فيما قالته "درجت على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة جديرة بالثقة، غير أني أعتقد الآن أن كل ما تقوله عبارة عن كذبة كبيرة" وتساءلت "متي سيقوم أوباما بإرسال اليمنيين إلى وطنهم؟"

ينبغي على أوباما أن يجيب على تساؤل أمينة سريعاً قدر الإمكان. وقد يكون من حسن الصنيع أن يبدأ بإلقاء نظرة فاحصة على مسودة مذكرة التفاهم وغيرها من المقترحات المقدمة من اليمن في شأن إعادة المحتجزين إلى وطنهم. كما وأن اليمن التي صورتها واشنطن طويلاً باعتبارها جزءاً من مشكلة غوانتانامو، قد تكون جزءاً من الحل.

ليتا تايلر هي باحثة أولى في منظمة هيومن رايتس ووتش في مجال الإرهاب ومكافحة الإرهاب. مع خبرة خاصة بالشؤون اليمنية.