إلى السيد نورالدين البحيري

وزير العدل

 

سيادة الوزير،

في البداية، لا يسعني إلا أن أشكر سيادتكم عن استقبال ممثلة هيومن رايتس ووتش في مكتبكم يوم 3 ديسمبر/كانون الأول 2012 والتحدث معها في عديد المواضيع ذات الاهتمام المشترك.

في ذلك الاجتماع، قدمت ممثلتنا، آمنة القلالي، طلبًا بالإطلاع على ملفات عشرة قضاة تم إعفاؤهم بموجب قراركم المؤرخ في 28 مايو/أيار 2012، والامر المؤكد له الصادر في 2 يوليو/تموز 2012.

وكانت ممثلتنا تحمل معها توكيلا عن كلّ قاض من القضاة العشرة للإطلاع على ملفاتهم وعلى الأدلة التي اعتمدت عليها الوزارة  لإعفائهم. ونحن الآن نجدد لكم مطلبنا بالسماح لنا بالإطلاع على ملفات هؤلاء القضاة للتأكد من مزاعمهم المتعلقة بأن الوزارة لم تمكنهم من فرصة الدفاع عن أنفسهم، وقامت بعزلهم اعتمادًا على أسس زائفة، ومازالت تصر على منعهم من الإطلاع على ما يثبت إدانتهم. وسوف نقوم بنشر هذه الرسالة مع أية معلومات تمدوننا بها قبل 7 يناير/كانون الثاني 2013.

كانت هيومن رايتس ووتش قد نشرت في 29 أكتوبر/تشرين الأول بيانًا صحفيًا قالت فيه إن قرار السلطة التنفيذية بإعفاء 75 قاضيًا كان غير عادل وتعسفي. وأجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع عشرة قضاة ممن تمت إقالتهم حول الكيفية التي تم بها التعامل مع قضاياهم. وتحدث جميعهم عن وجود إجراءات تأديبية غير عادلة تجاهلت أبسط مقومات المحاكمة العادلة والشفافة، وانتهكت المعايير الدولية الضامنة لاستقلال السلطة القضائية.

وقال القضاة العشرة الذين التقت بهم هيومن رايتس ووتش إن مديريهم اتصلوا بهم عبر الهاتف في 28 مايو/أيار لإعلامهم بأن أسماءهم وردت ضمن قائمة القضاة المعفيين. ولم تتصل بهم وزارة العدل في وقت سابق، كما أنهم لم يكونوا على علم بأسباب الإقالة.

إضافة إلى ذلك، قال القضاة إن قرارات الإعفاء لم تتم مراجعتها بشكل مستقل، وهي المهمة التي أوكلت إلى لجنة داخلية تتكون فقط من خمسة متفقدين تابعين لوزارة العدل. كما قال القضاة المقالون إنهم منعوا من الإطلاع على ملفاتهم ولم يتم الاستماع إليهم بشكل كاف.

وقالوا أيضًا إن الإجراءات كانت تفتقر إلى معايير واضحة. وأضافوا أنه حتى بعد الاستماع إليهم لم يعرفوا بشكل دقيق أسباب إقالتهم أو الأدلة التي اعتمدت عليها الوزارة عندما أصدرت قراراتها.

وفي بيان صحفي صدر يوم 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، اتهمت وزارة العدل هيومن رايتس ووتش بإصدار بيان دون الحصول على تعليق أو معلومات من وزارة العدل. ولكن عندما قدمت إلى سيادتكم ممثلة هيومن رايتس ووتش التوكيلات الكتابية التي قدمها لها القضاة في 3 ديسمبر/كانون الأول، رفضتم السماح لها بالإطلاع على الملفات.

ويُضاف هذا الخرق الأولي لحقوق القضاة في محاكمة عادلة إلى غياب شفافية الوزارة التي منعت القضاة وهيومن رايتس ووتش من الإطلاع على المعلومات رغم حصولها على توكيلات للقيام بذلك من القضاة أنفسهم. إضافة إلى ذلك، قال قاضيان اثنان على الأقل أنهم بعثوا برسائل إلى وزارة العدل في يوليو/تموز 2012 للسماح لهم بالاطلاع علي محاضر استماع اللجنة الداخلية والإطلاع على الأدلة التي في حوزة الوزارة. والى حدّ هذا التاريخ، لم يصلهم بعد أي ردّ من الوزارة.

ونود هنا التذكير بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تُلزم الدول بضمان التأكد مما إذا كان سلوك أحد القضاة أو قدراته كافية بأن تكون سببًا لإقالته، وألا تتم الإقالة إلا بعد محاكمة عادلة تعقب إجراءات ملائمة تحترم حقوقه في الدفاع عن نفسه وعلمه بالقضية المرفوعة ضدّه.
 
واستنادًا إلى المبادئ والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في محاكمة عادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا، التي اعتمدتها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في 2005، فإنه يحق لموظفي القضاء الذين يواجهون إجراءات تأديبية أو تعليق مهام أو طرد أن يحصلوا على ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في أن يمثلهم ممثل قانوني يختارونه، وفي مراجعة مستقلة للقرارات المتعلقة بالتأديب أو تعليق المهام أو الطرد.

كما ينص التعليق العام رقم 32 للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وهي لجنة الخبراء التي تقدم تفسيرات مُلزمة للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه:

لا يجوز فصل القضاة من الخدمة إلا لأسباب خطيرة تتعلق بسوء السلوك أو عدم الكفاءة، ويكون ذلك وفقًا لإجراءات منصفة تكفل الموضوعية والحياد بموجب الدستور أو القانون. كما يتعارض مع استقلال السلطة القضائية قيام السلطة التنفيذية بفصل قضاة من الخدمة، على سبيل المثال قبل انقضاء مدة الولاية المحددة لهم، أو من دون إبداء أسباب محددة، أو حصولهم على حماية قضائية فعالة تمكنهم من الاعتراض على الفصل من الخدمة.
 
واستنادًا إلى مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، التي اعتمدتها قرارات الجمعية العامة 32/40 المؤرخة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1985، فإنه "يُنظر في التهمة الموجهة أو الشكوى المرفوعة ضد قاض بصفته القضائية والمهنية وذلك على نحو مستعجل وعادل بموجب إجراءات ملائمة. وللقاضي الحق في الحصول على محاكمة عادلة". إضافة إلى ذلك، تنص المبادئ الأساسية على أنه لا يمكن تعليق مهام القضاة أو فصلهم إلا لأسباب تتعلق بعدم الكفاءة أو سوء السلوك الذي يجعلهم غير مؤهلين للقيام بواجباتهم.
 
كما تنص المادة 8 من الميثاق العالمي للقضاة (الذي وافقت عليه الجمعية الدولية للقضاة، وهي منظمة غير حكومية تضم أكثر من 78 جمعية وطنية للقضاة، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1999) على أنه لا يمكن نقل أو تعليق مهام أو إقالة قاض إلا بمقتضى ما ينصّ عليه القانون، وفقط بموجب قرار يحترم الإجراءات التأديبية. 
 
ولذلك فإن ما ورد في بيان وزارة العدل المذكور سابقًا من أن "الإعفاء... هو من صلاحيات رئيس الحكومة يمارسه كلما تبين له انعدام الشروط الدنيا لممارسة وظيفة القضاء" لا يتناسب مع المعايير الدولية والقانون التونسي الصادر سنة 1967 والذي يحدد الضمانات الدنيا لإجراءات الإقالة، بما في ذلك حق القاضي في المثول أمام لجنة التأديب التابعة للمجلس الأعلى للقضاء، وحقه في الإطلاع على ملف قضيته والحصول على مساعدة قانونية من محام يختاره.

إضافة إلى ذلك، فإن وجود إجراء الطعن لدى المحكمة الإدارية لا يُمكن اعتباره مبررًا للشروع في معاملة القاضي بشكل غير عادل.

كما يمكن أن تؤثر الإقالات ونظام التأديب على استقلالية القضاة، وهو شرط أساسي لسيادة القانون والحق في المحاكمة العادلة.

ويؤثر التهديد بالعزل وعدم التأكد من الأسباب التي تتم بموجبها الإقالة على قدرة القضاة على العمل بشكل مستقل.
 
وإذا أراد القضاة تطوير وتعزيز استقلاليتهم، فإن ذلك لا يتحقق إلا في ظل وجود نظام قضائي تأديبي يكون موثوق فيه وعادل وقادر على حمايتهم من الانتهاكات والتعسف.

وكما أسلفنا، سوف ننشر هذه الرسالة في الأسابيع المقبلة، ونلتزم بإدراج أية معلومات تقدمونها لنا حول ملفات القضاة في موعد غايته 7 يناير/كانون الثاني 2013.

مع فائق الاحترام والتقدير،
 
سارة ليا ويتسن
المديرة التنفيذية
قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
هيومن رايتس ووتش

ملحق رقم 1: مقابلات مع القضاة المعزولين

قال منصف زغاب، الذي كان قاضي تحقيق في المحكمة الابتدائية بمنوبة، إن المتفقدين منعوه عندما مثل أمام اللجنة من الإطلاع على ملفه. وأضاف: "قال رئيس اللجنة إنني متهم بالسمسرة في عمليات بيع أراضي، ولكنه لم يقدم أي دليل على ذلك. قدمت لهم كشفًا مفصلا عن مداخيلي، ورغم ذلك تركوا اسمي ضمن قائمة القضاة المطرودين".

وتحدث حبيب الزمالي، الذي كان مستشارًا في القسم الجنائي في المحكمة الابتدائية في قابس، عن نفس الإجراءات التي اعتمدتها اللجنة لمراجعة الشكوى المرفوعة ضدّه. وقال إن أحد زملائه التقط له صورة وهو يشرب البيرة في نزهة مع أصدقاء له. وأضاف: "تلقيت إعلاما بطردي في مكالمة هاتفية من نائب المدعي العام في المحكمة التي أعمل فيها. وقال المتفقد العام [للجنة] إنني متهم بشرب الكحول، وإنهم وصلتهم رسالة مجهولة الهوية فيها صورتي وأنا أحتسي الخمر". يُذكر أنه لا يوجد في تونس أي قانون يمنع القضاة من شرب الخمر في حياتهم الخاصة.

وقال خلف الله الرياحي لـ هيومن رايتس ووتش، وهو نائب رئيس المحكمة الابتدائية في زغوان، إن المتفقدين أرجعوا سبب إقالته إلى حادث وقع في 1999 عندما كان قاضيًا في عين دراهم. وأضاف إن أحد زملائه قام بتعويضه في محاكمة تمت سنة 1999 عندما كان في عطلة، ولكنه أهمل بعض الملفات.

كما قال خلف الله الرياحي لـ هيومن رايتس ووتش: "عندما عدت إلى العمل، حمّلني رئيسي المباشر المسؤولية. وفي 2005، قام مجلس التأديب في وزارة العدل بتوبيخي بسبب التقصير في أداء الواجب. ولكن منذ ذلك الوقت، لم أتعرض إلى أي مشاكل في عملي. وعندما ذهبت إلى اللجنة في وزارة العدل [في 2012]، سألتهم عن أسباب طردي، فقالوا لي إن السبب هو نزاع سنة 1999".

وقال نزار غزلاني لـ هيومن رايتس ووتش، وهو الذي شغل منصب قاضي الناحية في جندوبة، إن لجنة المراجعة قالت له إن إقالته جاءت بسبب ديون مستحقة عليه لشركة خاصة.  وقد كانت وزارة العدل قد أرسلت له في 26 أبريل/نيسان 2012 تحذيرًا يعلمه بضرورة دفع ديونه. وأضاف: "جمعت المال من والديّ وجيراني وأصدقائي وسددت جميع ديوني، وقامت الشركة بسحب الشكوى. ولكن ذلك كان السبب الوحيد وراء طردي بحسب ما قالوا لي". كما قال إن اللجنة أمضت معه عشر دقائق فقط دون أن تطلعه على ملفه الذي يُزعم أنه يحتوى على أدلة إدانة.

وقال شكري بن الصادق، وكان نائب رئيس المحكمة الابتدائية في جندوبة، إنه تلقى مكالمة هاتفية من رئيسه يعلمه فيها بأن اسمه ورد في القائمة. لم يكن يتوقع ذلك أبدًا لأنه لم يمثل يومًا أمام التفقد القضائي بسبب أية مخالفات. وعندما ذهب إلى اللجنة التي أنشأتها وزارة العدل، قالوا له إنه تمت إقالته بسبب فساد إداري، دون تقديم أي دليل على ذلك. 

وقال محمد البجاوي، الذي عمل قاضيًا لمدة 32 سنة وشغل خطة مستشار في محكمة الاستئناف بالكاف، إن اللجنة قدمت له ثلاثة أسباب لإقالته: "استغلال منصبه كقاض لأخذ رشاوى من الناس، والفساد الإداري، وقضية رُفعت ضده سنة 2007". ولكن اللجنة لم تقدم له أي معطيات أو أدلة أخرى في حوزتها.

وقال بشير الناجح، الذي كان رئيس القسم الجنائي في محكمة الاستئناف بمدنين، إنه عندما سمع بإعلان وزير العدل الخاص بفصل 82 قاضيًا، لم يكن يتوقع أن يكون اسمه ضمن القائمة. وذهب يوم 28 مايو/أيار إلى المحكمة وترأس الجلسات بشكل عادي، ولكن رئيسه في العمل أعلمه يوم 30 مايو/أيار أن اسمه ورد في القائمة. ولما ذهب لمقابلة اللجنة في وزارة العدل، كانت لديهم ورقة واحدة كُتبت فيها التهم الموجهة إليه. وأعلموه أن سبب إقالته هو الثراء غير المبرر. وطلب منهم تقديم الأدلة التي بحوزتهم ولكن لم تكن لديهم أي أدلة على التهم. كما قال إنه قدم للجنة ما يثبت دخله ومعطيات تتعلق بحسابه البنكي، وأظهر لهم الرهن العقاري الذي حصل عليه من البنك لشراء قطعة أرض وبناء منزله.

كان معز بالسعيدي قاضي الشؤون الاجتماعية في محكمة الناحية في باجة. قال إن أحد أصدقائه أعلمه يوم 29 مايو/أيار أن اسمه ضمن القائمة. وذهب إلى الوزارة والتقى مع رئيس الديوان الذي قال له إنه ليس بوسعه تأكيد الخبر. وفي 30 مايو/أيار، وردت عليه مكالمة هاتفية من الوزارة تعلمه أن اسمه ورد ضمن القائمة. وعندما ذهب إلى اللجنة، أعلمه رئيس المتفقدين أنه يواجه تهمتين: الأولى تتمثل في أن أحد معارفه كان قد اشتكاه لدى الوزارة سنة 2008 لأنه لم يسدد دينًا له، أما الثانية فتتمثل في حكم كان قد أصدره في حق رجل أعمال لم يدفع مستحقات عماله واشتكاه لدى الوزارة في وقت لاحق.

وقال محمد عطافي، وكان رئيس القسم الجنائي في محكمة الاستئناف في الكاف، إنه لم يفهم إلى الآن دوافع القرار. كما قال إنه نال سنة 1997 توبيخاً من لجنة التأديب التابعة للمجلس الأعلى للقضاء لأنه لم يعترض بشكل فوري على تزوير في شيكات باسمه.

وقال عماد لخذيري، نائب رئيس المحكمة الابتدائية في القصرين، إنه لم يتم أبدًا استدعاؤه من طرف الوزارة أو المجلس الأعلى للقضاء بسبب أية مخالفات. وعندما ذهب لمقابلة اللجنة التي أنشأتها الوزارة، أعلموه أنه متهم بالمحسوبية تجاه بعض المحامين وكذلك بفساد إداري ومالي. ولكنه عندما طلب من اللجنة تقديم الأدلة التي في حوزتها، لم تستطع تقديم أي شيء.

وقال نوري قطاطة، مستشار سابق في القسم الجنائي في محكمة الاستئناف في قابس، إنه تلقى مكالمة هاتفية من رئيسه في العمل في المحكمة يعلمه فيها بإقالته. وعندما ذهب إلى اللجنة، قالوا له إن إقالته جاءت بسبب مخالفة كان قد ارتكبها سنة 1992، علمًا أنه كان قد عوقب عنها وتم تعليق نشاطه لمدة ثلاثة أيام.