(القدس) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على إسرائيل وحماس اتّباع إعلان وقف إطلاق النار بإجراءات ملموسة للتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان القائمة منذ فترة طويلة، والتصدي للإفلات من العقاب الذي أدى لزيادة الانتهاكات في النزاعات المتعاقبة بين الطرفين. وينبغي على حلفاء الطرفين الضغط عليهما من أجل التصدي للانتهاكات الجارية وكذلك خروقات قوانين الحرب أثناء النزاع الحالي، الذي أسفر عن مقتل عشرات المدنيين.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "مع فرض حظر إطلاق النار، على إسرائيل وحماس وضع سلامة المدنيين من الطرفين في الصدارة. هذا يعني تطبيق إجراءات من أجل وقف انتهاكات حقوق الإنسان وكذلك خروقات قوانين الحرب، لصالح ضمان العدالة للضحايا".

اقتبست تقارير إعلامية من نص الاتفاق التزامات على القوات الإسرائيلية والفلسطينية بوقف جميع الهجمات، وبأن تفتح إسرائيل المعابر مع غزة التي تسيطر عليها، وأن "تيسر حركة الأفراد ونقل البضائع" وأن ترفع قيودها عن حرية تنقل سكان غزة داخل القطاع بما في ذلك "بألا تحاول الإضرار بالأفراد في المناطق الحدودية" القريبة من إسرائيل. أفادت وكالة أنباء أسوشيتد برس في 21 نوفمبر/تشرين الثاني أن مسؤولي حماس قالوا إنه لم يتم التفاوض بعد على تفاصيل اتفاقات الحدود الجديدة. قامت بعض الجماعات المسلحة الفلسطينية بإطلاق نحو 12 صاروخاً في الساعات الأولى إثر بدء نفاذ وقف إطلاق النار، طبقاً لتقارير إعلامية تناقلت تصريحات لمسؤولين من الشرطة الإسرائيلية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على إسرائيل إلغاء الإجراءات التي تضر بالمدنيين في غزة والتي تخرق القانون الدولي، وأن تتراجع عن الحظر المعمم على التنقل في الضفة الغربية وعن إطلاق الذخيرة الحية لتقييد تنقلات الفلسطينيين في نحو 35 في المائة من أراضي غزة الزراعية ونحو 80 في المائة من مياه الصيد على شاطئ القطاع. اقتراناً بإغلاق مصر المستمر لحدود غزة الجنوبية في وجه الصادرات والواردات – وقد بدأ فرض هذا الحظر على يد حكومة مبارك  - فرضت إسرائيل بدورها حظراً خففته جزئياً منذ يونيو/حزيران 2010 وهو مستمر في تقييد حركة الواردات من مواد البناء وصادرات الطعام، بما يضر بالاقتصاد في غزة. لا يمكن لحوالي 44 في المائة من سكان غزة تحمل كلفة الطعام الكافي، بحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في يوليو/تموز 2012.

وقال جو ستورك: "تعكس أحكام اتفاق وقف إطلاق النار الخاصة بتخفيف القيود على حرية التنقل ونقل المواد غير العسكرية الضرر الجسيم اللاحق بسكان غزة بسبب الحصار".

أطلقت جماعات فلسطينية مسلحة منذ 14 نوفمبر/تشرين الثاني نحو 1500 صاروخ نحو مراكز تجمع للمدنيين في إسرائيل، على حد تقدير الحكومة الإسرائيلية. قتلت الصواريخ ثلاثة مدنيين إسرائيليين وأصابت 219 آخرين، منهم ثلاثة على الأقل إصاباتهم خطيرة، حسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وحسب تقارير إعلامية، بينما قتلت قذيفة هاون أطلقت من غزة مدنياً إسرائيلياً رابعاً. إطلاق الصواريخ التي لا تشتمل إمكانياتها على التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، أو استهداف المدنيين عمداً بالصواريخ، تعتبر انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب.

في الفترة من 14 نوفمبر/تشرين الثاني إلى ظهر يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني، قتلت الهجمات الجوية والمدفعية الإسرائيلية ما لا يقل عن 90 مدنياً فلسطينياً في غزة، بينهم 26 طفلاً و12 امرأة، حسب تقدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. أفادت وزارة الصحة في غزة في الساعة 10 مساء يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني أن بين المصابين 381 طفلاً تحت سن 17 عاماً، بينهم 119 طفلاً تحت سن 5 سنوات، وكذلك 186 امرأة، و88 شخصاً فوق سن الستين.

إن الهجمات الإسرائيلية على بنايات يُفترض كونها مدنية، بينها مباني لمنافذ إعلامية ومباني حكومية مدنية ومراكز للشرطة، تثير المخاوف إزاء انتهاك قوانين الحرب، بما أنه لا يمكن استهداف الأعيان المدنية ما لم تكن تستخدم لأغراض عسكرية ووقت استخدامها عسكرياً فقط. تحقق هيومن رايتس ووتش حالياً في هجمات القوات الإسرائيلية والجماعات الفلسطينية المسلحة.

قالت هيومن رايتس ووتش إن إنهاء محنة سكان غزة المدنيين عن طريق رفع جميع القيود عن المواد غير العسكرية وعلى التنقل، يجب أن تكون من أولويات اتفاق وقف إطلاق النار. كانت إسرائيل قد بدأت في مايو/أيار 2010 في تخفيف الحصار الذي فرضته على غزة من 2007 إلى 2010، ولم تعد على سبيل المثال تحد من كميات الطعام المُصدّر إلى غزة بناء على حسابات لتقدير الكميات المطلوبة لتفادي سوء التغذية. لكن إسرائيل وبالتعاون مع مصر مستمرة في حظرها لجميع الصادرات التي تخرج من غزة، مما يعيق تنمية اقتصادها الكسيح، وبما يطيل من أمد حالة الإفقار القائمة في غزة بسكانها الـ 1.7 مليون. تحظر إسرائيل على جميع الفلسطينيين تقريباً المسجلين كسكان لغزة أن يسافروا إلى الضفة الغربية أو أن ينتقلوا للسكن فيها، حيث لهم هناك أقارب وصلات أخرى تربطهم بالضفة.

خففت مصر القيود على تنقلات الفلسطينيين عبر معبر رفح، لكنها مستمرة حتى الآن في مطالبة الفلسطينيين بتقديم أوراق هوية مزودة بموافقة السلطات الإسرائيلية عليها. هذا المزيج من السياسات يمنع عملاً أغلب سكان غزة من السفر إلى أي مكان في العالم دون تصريح من إسرائيل. ورغم أن أنفاق التهريب تحت حدود غزة الجنوبية مستمرة في نشاطها، فإن مصر مستمرة في تقييد أي واردات أو صادرات تمر بمعبر رفح الحدودي. يعتبر اتفاق وقف إطلاق النار الذي ساعدت مصر في إبرامه فرصة طيبة لأن تنهي مصر تاريخها من فرض القيود الضارة على حركة التجارة في القطاع وعلى حق سكان غزة في التنقل والسفر.

كما منع الجيش الإسرائيلي المزارعين الغزاويين من الوصول إلى 35 في المائة من أراضي القطاع الزراعية، بإطلاقه الذخيرة الحية لتحذيرهم من الاقتراب من أراضيهم حتى مسافة 1500 متر من الحدود، وهو ما أدى في بعض الأحيان لقتل أفراد. وقد تكرر إطلاق البحرية الإسرائيلية النار على قوارب صيد فلسطينية وتكررت مصادرتها لبعض القوارب التي تتوغل مسافة أبعد من ثلاثة أميال بحرية عن الشاطئ، مما يحرم قوارب الصيد من 85 في المائة تقريباً من مياه غزة الإقليمية.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات في إسرائيل وغزة أن تنهي الإفلات من العقاب على خرق قوانين الحرب وأن تتفادى تكرار ما حدث في نزاع ديسمبر/كانون الأول 2008 ويناير/كانون الثاني 2009، وفيه لم تحاسب إسرائيل أو حماس أحداً بشكل حقيقي على الانتهاكات.

أثناء "عملية الرصاص المصبوب" أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل مئات المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك خلال هجمات تخرق قوانين الحرب، ودمرت بصفة غير قانونية مئات المباني المدنية دون ضرورة عسكرية. أدانت إسرائيل أربعة جنود إسرائيليين فقط على ذمة جرائم. وهناك اثنان فحسب نالا أحكاماً بالسجن، هما جندي حُكم عليه بالحبس سبعة شهور لسرقة بطاقة ائتمانية، وجندي حُكم عليه بالحبس 45 يوماً بناء على اتفاق بين النيابة والمحكمة إثر عدم إدانته على قتل سيدة فلسطينية وبنتها بالرصاص، وكانت السيدة وابنتها ترفعان الرايات البيضاء.

ومن جانبها، قامت حماس وجماعات مسلحة في غزة بإطلاق مئات الصواريخ على مراكز سكانية إسرائيلية إبان نزاع 2008 – 2009 بدون صفة قانونية، مما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين وإصابة العشرات. لم تلاحق حماس أحداً أمام القضاء. كما نفذت جماعات مسلحة في غزة – بينها الجناح المسلح لحماس؛ كتائب القسام – 32 عملية إعدام خارج نطاق القضاء بحق متعاونين مزعومين مع إسرائيل أثناء النزاع وفي فترة الشهور الثلاثة التالية عليه. أعلنت القسام المسؤولية عن سبع عمليات قتل أخرى منذ 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2012. فضلاً عن ذلك يعتبر تفجير حافلة في تل أبيب يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني هجمة متعمدة على المدنيين. طبقاً لخدمة الطوارئ الصحية الإسرائيلية، فقد أسفرت الهجمة عن إصابة 17 مدنياً، أحدهم إصابته خطيرة، واحتاج 3 مصابين للتدخل الجراحي.

قالت هيومن رايتس ووتش إن إخفاق إسرائيل وحماس في محاسبة الجناة على جرائم دولية جسيمة هو أمر يؤدي إلى زيادة الانتهاكات في المستقبل، كما حدث في الماضي. وعلى الولايات المتحدة بدلاً من حماية حليفتها إسرائيل من أي ضغوط دولية لإنهاء إفلات قواتها المسلحة من العقاب، أن تضغط على إسرائيل كي تحقق محاسبة حقيقية. وينبغي على الأطراف المؤيدة لحماس، وبينها مصر وقطر وتركيا، الضغط عليها لإنهاء الهجمات الموجهة إلى المدنيين الإسرائيليين، ولمحاسبة مسلحيها على الانتهاكات.

وقال جو ستورك: "كثيراً ما تنازلت الحكومات صاحبة الكلمة المسموعة عن مسؤوليتها إزاء التصدي للانتهاكات التي تتصدر النزاعات المتعاقبة بين إسرائيل وحماس". وأضاف: "في هذه الفترة من الاضطرابات والتغيرات الكبرى في المنطقة، عليهم أن يقترحوا حلولاً توفر الاحترام لحقوق الإنسان في مركز الصدارة والقلب من أي اتفاقات بين الطرفين".