(تونس) ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إنه ينبغي على الحكومة الانتقالية في تونس إلغاء التحقيق المتعلق بقناة تلفزيونية متهمة بـ "التشهير" بالإسلام إثر عرضها لفيلم مثير للجدل. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب على الحكومة الانتقالية احترام حرية التعبير والمصادقة على التنقيحات التي تلغي قانون "التشهير بالأديان". 

وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول 2011، قامت مجموعة قوامها أكثر من 200 شخص بالتظاهر أمام المقرالرئيسي لقناة نسمة تي في، إثر قيام هذه القناة الوطنية بعرض فيلم صور متحركة، بعنوان "برسيبوليس"، يوم 7أكتوبر/تشرين الأول، بعد أن تمت دبلجته إلى اللهجة التونسية. وتدور أحداث الفيلم حول طفلة بلغت سن الرشد في جمهورية إيران الإسلامية وفي المنفى في أروبا. وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول، وبعد أن وصلته شكوى، أعلن المدعي العام عن فتح تحقيق حول قناة نسمة تي في بتهمة "التشهير بالإسلام".

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يحق لمُلاك قناة نسمة تي في أن تعرض هذا الفيلم الجاد الذي يناقش أفكاراً هامة. يجب على الحكومة أن تدافع عن ذلك الحق، كما يجب عليها أن تدافع عن حق التونسيين في التظاهر السلمي ضد قناة نسمة".

وبرسيبوليس هو فيلم يشبه السيرة الذاتية ويعتمد على رواية حققت أفضل المبيعات للكاتبة مرجان ساتارابي تتحدث فيه عن طفولتها وبداية سن الكهولة في إيران خلال الثورة الإسلامية وبعدها. ويتضمن الفيلم لقطة تتخيل فيها الطفلة حوارا بينها وبين الله، الذي تم تجسيده في صورة رجل له لحية بيضاء. ويعتبر الكثير من المسلمين تجسيد الذات الإلهية في صورة معينة أمرا محرّمًا.

ولما علم الناس بعزم قناة نسمة على عرض فيلم برسيبوليس، بدأت التعليقات تظهر على شبكة فايسبوك وتندد بالقناة وتدعو إلى التظاهر أمام المقر الرئيسي للقناة يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول. وكانت الشرطة متواجدة في بناية القناة صباح ذلك اليوم ومنعت أغلب المحتجين من الوصول إليها واعتقلت بعضهم.

ونقلت بعض وسائل الإعلام عن مسؤول بوزارة الداخلية أن المحتجين كانوا يحملون أسلحة بيضاء: سكاكين وربما قضبانا حديدية وهراوات. وفي حوار أجراه على القناة الوطنية الحكومية، قال هشام المؤدب، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، أن الاعتقالات تمت بعد أن قام المتظاهرون بإلقاء الحجارة في طريق قريبة من مكتب القناة.

وقال نبيل القروي، مدير قناة نسمة تي في، لـ هيومن رايتس ووتش: "لقد تلقينا تهديدات على شبكة فايسبوك وعبر البريد الالكتروني" بسبب عرض فيلم برسيبوليس.

وتتضمن الشكوى المتعلقة بعرض الفيلم توقيع 144 شخصاً، منهم 131 محاميًا. وبعد تسلّم الشكاية بيومين، أعلن مكتب المدعي العام بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة عن فتح تحقيق جنائي في الموضوع. وتتضمن الشكوى تهمًا ضد مدير قناة نسمة وأشخاص آخرين عملًا بمجلة (قانون) الصحافة والمجلة الجزائية. وتنص مجلة الصحافة في الفصلين (المادتين) 44 و48 على سجن كل من ثبت تورطه في التحريض على كراهية الأديان أو الاعتداء عليها. وينص الفصل 226 مكرر من المجلة الجزائية على الحكم بالسجن على أي شخص يثبت تورطه في الاعتداء "علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد علنا إلى مضايقة الغير بوجه يُخلّ بالحياء".  

وبينما تدخلت الحكومة بشكل عاجل لحماية مقر قناة نسمة، انتقد عدد من المسؤولين قرار القناة بعرض الفيلم دون التأكيد على حقها في عرضه. وقال هشام المؤدب، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، للقناة الوطنية إنه يجب الحرص على احترام مشاعر التونسيين المتعلقة بالدين.

وفي نفس السياق أصدرت وزارة الشؤون الدينية بيانا عبرت فيه عن قلقها من تداعيات عرض فيلم "يجسد الذات الإلهية المتعالية" ودعت وسائل الإعلام إلى "احترام العقائد والمقدسات الدينية ووجوب الالتزام بمبادئ السلم الاجتماعية".

وفي 23 سبتمبر/أيلول، صادقت الهيئةالعليا لحماية أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي على مشروع قانون خاص بوسائل الإعلام يلغي جريمة التشهير بالدين وبالمجموعات الدينية والعديد من البنود الأخرى التي تنتهك حرية التعبير عن الرأي. ولكن الحكومة الانتقالية لم تقم بعدُ بتبني هذا القانون الجديد، كما أنه لم تتم مراجعة المجلة الجزائية وهي أيضا تتضمن أحكاما قانونية تعاقب على التشهير بالدين وفصول أخرى لا تحترم حرية التعبير عن الرأي.

وقالت سارة ليا وتسن: "إن فتح تحقيق جنائي ضد قناة نسمة بسبب عرض فيلم برسيبوليس يعطي مثالا آخر على ضرورة إعادة صياغة القوانين التونسية لحماية الحقوق بدلاً من قمعها، وهذه أولوية من أولويات فترة ما بعد بن علي".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن القوانين التي تجرّم التشهير بالدين والمجموعات الدينية لا تتناسب مع معايير حرية التعبير عن الرأي. وقد ذكرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في تعليقها العام حول المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه تونس، على أنه لا يمكن السماح "بمنع مظاهر عدم احترام ديانة أو أي عقيدة أخرى، بما في ذلك قوانين التكفير... بأن يتم استعمالها لمنع أو معاقبة انتقاد القادة الدينيين أو التعليق على مذهب ديني أو تعاليم دينية".

ومنذ خلع الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني، حدثت اعتداءات أخرى على التعبير الفني من طرف مجموعات تدعي العمل تحت راية حماية الإسلام. وفي 26 سبتمبر/أيلول، قام متظاهرون بدخول قاعة سينما أفركارت عنوة في مدينة تونس احتجاجا على عرض فيلم لائكية إن شاء الله، وهو فيلم يتحدث عن الإلحاد وتم عرضه في إطار أمسية ثقافية 

وفي حادثة عنف أخرى قد تكون لها علاقة بالتعبير "غير الإسلامي"، قام شخص مجهول بالاعتداء على المخرج السينمائي نوري بوزيد بقضيب حديدي على رأسه في مدينة تونس يوم 18 أبريل/نيسان بعد أن أدلى بتصريح لمحطة إذاعية تونسية دعا فيه إلى اعتماد دستور علماني وتحدث عن فيلمه المقبل الذي يدافع عن الحريات المدنية وينتقد الأصولية الدينية.