(نيويورك) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن المنشقين من قوات الأمن السورية وصفوا تلقيهم أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين لتفريقهم وقيامهم باتباع هذه الأوامر. قابلت هيومن رايتس ووتش ثمانية جنود وأربعة من عناصر أجهزة الأمن قاموا بالانشقاق بعد اندلاع التظاهرات المعارضة للحكومة في مارس/آذار 2011. أولئك الذين أجريت معهم مقابلات شاركوا في حملات القمع الحكومية في درعا وازرع وبانياس وحمص وجسر الشغور وحلب ودمشق. كما شارك الجنود أكثر من مرة في إطلاق النار على عشرات المتظاهرين وإصابتهم وشهدوا على هذه الأعمال، وعلى الاعتقال والاحتجاز التعسفي للمئات.

جميع المنشقين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش تحدثوا عن أن رؤسائهم قالوا لهم أن عليهم محاربة المندسين والسلفيين والإرهابيين. قال المنشقون إنهم اندهشوا عندما واجهوا متظاهرين عزلاً، ولكن أُمروا رغم ذلك بإطلاق النار عليهم في عدة حالات. كما أفاد المنشقون بأن من رفضوا أوامر إطلاق النار على المتظاهرين كانوا عرضة لخطر التعرض لإطلاق النار عليهم هم أنفسهم. أحد المنشقين أفاد بأنه رأى ضابط جيش يطلق النار على جنديين في درعا ويقتلهما لرفضهما الأوامر. قابلت هيومن رايتس ووتش المنشقين بصفة شخصية في لبنان وتركيا والأردن.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايت سووتش: "شهادة هؤلاء المنشقين توفر أدلة إضافية على أن القتل في صفوف المتظاهرين لم يكن حادثاً بل نتيجة سياسة عمدية انتهجها كبار المسؤولين في سوريا، باستخدام القوة المميتة لتفريق المتظاهرين. على الجنود والمسؤولين السوريين أن يعرفوا أنه ليس لهم فقط الحق في رفض الانصياع لأوامر غير قانونية، بل إن هذا من واجبهم، وأن من يتعمدون قتل أو إصابة المتظاهرين السلميين سيخضعون للملاحقة القضائية".

بموجب المعايير الدولية، مثل مبادئ الأمم المتحدة الأساسية الخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية من قبل مسؤولي إنفاذ القانون، فإن الاستخدام العمدي للقوة المميتة للأسلحة النارية لا يمكن اللجوء إليه إلا مع عدم وجود أي سبل أخرى لإنقاذ الأرواح. مدونة سلوك الأمم المتحدة لمسؤولي إنفاذ القانون ورد فيها أنه عليهم بذل أقصى الجهود لمنع ووقف أي انتهاكات للقانون أو مدونة السلوك.

دعت هيومن رايتس ووتش مجلس الأمن إلى إدانة انتهاكات السلطات السورية الممنهجة لحقوق الإنسان، وإلى تبني عقوبات مستهدفة ضد مسؤولين سوريين من المسؤولين عن أعمال قتل وتعذيب المتظاهرين، مع فرض حظر على جميع المعدات الأمنية والأسلحة الواردة إلى سوريا. عارضت روسيا مشروع قرار من مجلس الأمن بقيادة أوروبية، يدين الحكومة السورية لكنه لا يفرض عقوبات. ورفضت جنوب أفريقيا والهند والبرازيل حتى الآن دعم القرار.

وقالت سارة ليا ويتسن: "بعد أربعة أشهر من بدء الحملة القمعية، لابد على مجلس الأمن أن يضغط على القيادة السورية كي توقف إراقة الدماء، إلا أن بعض أعضاء المجلس ما زالوا يرفضون حتى النظر في أمر إصدار قرار، ويختبئون وراء الإحباط من الوضع في ليبيا". وتابعت: "المدنيون السوريون يستحقون دعماً أكثر بكثير من ذلك الذي تقدمه القوى الجديدة من قبيل جنوب أفريقيا والهند والبرازيل".

ودعت هيومن رايتس ووتش الحكومة السورية إلى إتاحة زيارة المراقبين المستقلين والسماح لهم بمراقبة وتغطية التطورات في سوريا بحرية، وأن تتعاون بشكل كامل مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وفريق العمل بالمفوضية المكلف بالتحقيق في الانتهاكات المزعومة.

أوامر إطلاق النار على المتظاهرين
قال خمسة من المنشقين لـ هيومن رايتس ووتش إنهم تلقوا أوامر صريحة بإطلاق النار على المتظاهرين. أحد العاملين بالأمن السوري، ويُشار إلى هذه الأجهزة محلياً باسم "المخابرات"، كان قد كُلف بالعمل في حمص، ثالث أكبر المدن السورية، في 19 أبريل/نيسان، عندما قامت قوات الأمن السورية بتفريق أحد أكبر التظاهرات، وكان المتظاهرون يحاولون تنظيم اعتصام في ساحة الساعة وسط المدينة. قال لـ هيومن رايتس ووتش إن العقيد عبد الحميد إبراهيم أمر الجنود بإطلاق النار على متظاهرين عزل وأن الجنود امتثلوا للأمر فقتلوا العشرات:

كان المتظاهرون قد جلسوا على الأرض في الميدان. قيل لنا أن نفرقهم باستخدام العنف إذا لزم الأمر. كنا هناك ومعنا قوة من القوات الجوية والجيش والشبيبة [مناصرين مسلحين للحكومة لا ينتمون إلى قوات الأمن]. حوالي الساعة الثالثة والنصف صباحاً، وصلنا أمر من العقيد عبد الحميد إبراهيم من أمن القوات الجوية بإطلاق النار على المتظاهرين. أطلقنا النار لأكثر من نصف ساعة. وقع العشرات والعشرات من القتلى والجرحى. وبعد ثلاثين دقيقة وصلت عربات إطفاء وأوناش. رفعت الأوناش الأجساد ووضعتها في شاجنة. لا أعرف إلى أين أخذوها. المصابين انتهى بهم المطاف في مستشفى عسكري في حمص. ثم بدأت عربات الإطفاء في تنظيف الساحة.

روى أحد المجندين، وكان في الحرس الرئاسي، كيف تم إرساله في 18 أبريل/نيسان إلى حرستا، من ضواحي دمشق، لتهدئة أحد التظاهرات:

أعطوا كل واحد منّا [بندقية] كلاشينكوف ووحدتي ذخيرة، وكان هناك ذخيرة إضافية في العربات. كما أعطونا أجهزة صعق بالكهرباء. قالوا لنا أننا ذاهبون لمقاتلة العصابات لأن قوات الأمن تحتاج للتعزيزات. أصبنا بالدهشة [عندما وصلنا حرستا] لأننا لم نر أي عصابات، بل مجرد مدنيين، بينهم بعض النساء والأطفال، في الشارع، وعناصر من المخابرات يطلقون النار عليهم. كنت ضمن مجموعة مع خمسة جنود آخرين من وحدتي. تلقينا أوامر واضحة بإطلاق النار على المدنيين من ضباط الحرس الرئاسي ومن اللواء العسكري الرابع، رغم أننا في العادة نتلقى الأوامر من وحدات أخرى. أحد الضباط الذين أعطوا الأوامر كان المقدم مجاهد علي حسن، من اللواء الرابع، وأرقام عربته العسكرية هي 410. الأوامر المحددة كانت: "لقم وأطلق". ولم تكن هناك أي شروط أو استثناءات. اقتربنا أكثر من المتظاهرين، وعندما أصبحنا على مسافة نحو خمسة أمتار منهم هتف الضباط "أطلق!". في تلك اللحظة انشق خمسة منّا وهربنا إلى المتظاهرين وألقينا بأسلحتنا لهم في أثناء ركضنا.

المنشقون الذين تمت مقابلتهم أفادوا بأنهم يتم نشرهم عادة في فرق مختلطة من الجيش وكثيراً مع عناصر مخابرات أو شبيحة في ثياب مدنية. أفاد اثنين من الجنود بوقوع حوادث، حيث فتحت وحداتهم النار على عناصر مخابرات وشبيحة يرتدون ثياباً مدنية بعد أن ظنوهم بالخطأ من العصابات المعارضة للحكومة. قال رقيب أول إن الجيش فتح النار في بلدة بياضة على عناصر من الأمن يرتدون ثياباً مدنية لأنهم لم يتعرفوا فيهم على عناصر أمن. وأفاد منشقون آخرون بأن قوات الأمن راحت ترتدي ثياب الجيش فيما بعد لتفادي تعرضها لمثل هذه الحوادث.

هناك مجند مُدرب على عمل القناص، تم إرساله إلى إزرع، وهي بلدة قريبة من درعا يبلغ تعدادها نحو 40 ألف نسمة، في 25 أبريل/نيسان، بعد ثلاثة أيام من إطلاق قوات الأمن النار على 28 متظاهراً على مدار 48 ساعة، وقال لـ هيومن رايتس ووتش:

كنت في الفرقة 14 من اللواء الرابع. كنا نحو 300 جندي انتشرنا في إزرع. سمعت الكثير عن الجماعات الأجنبية المسلحة المتأهبة لقتالنا. ثم أعطانا اللواء نصر توفيق الأوامر التالية: "لا تطلقوا النار على المدنيين المسلحين، فهم معنا. أطلقوا النار على من يطلق عليهم هؤلاء النار". صُدمنا جميعاً عند سماع كلماته، فقد كنا نتصور أن الناس قُتلوا على يد عصابات أجنبية مسلحة، وليس على يد قوات الأمن. أدركنا أن الأوامر الصادرة لنا هي قتل شعبنا.

وقال جندي كان قد أُرسل لمدة شهر إلى درعا قبل أن ينشق في 1 يونيو/حزيران: "تلقينا أوامر بقتل المتظاهرين. بعض رجال الجيش رفضوا الأوامر وأُطلق عليهم النار من مسدسات. قُتل اثنان أمام عيني، من قبل شخص في رتبة مقدم. لا أعرف اسمه، قال إنهم خونة".

وهناك رقيب من الفرقة السابعة باللواء 88، تم إرساله إلى بلدة الحارة قرب درعا، وصف أن الأوامر التي تلقاها لدى حصار الجيش للبلدة كانت كالتالي: "تم وضع القناصة على أسطح المنازل، وأُمروا بأن أي شخص يخرج إلى الشارع فلابد من القبض عليه أو إطلاق النار عليه. أذكر رؤية رجل خرج ليدخن سيجارة فتم إطلاق النار عليه وقتلته رصاصة قناص".

التحريك لقتال المندسين والإرهابيين
جميع المنشقين الذين تمت مقابلتهم قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إن رؤساؤهم صوروا لهم أنهم يقاتلون عصابات مسلحة مدفوعة الأجر من عناصر خارجية. أحد أعضاء الفوج 45 من القوات الخاصة، الذين تم نشرهم في المناطق الساحلية في بانياس ومرقب، قال لـ هيومن رايتس ووتش: "قيل لنا إن هناك جماعات إرهابية تدخل إلى البلاد بتمويل من بندر بن سلطان [أمير سعودي معروف خدم حتى عام 2009 بصفة رئيس الأمن القومي السعودي] وسعد الحريري [رئيس وزراء لبناني سابق]، وجيفري فيلتمان [مساعد وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى].

كثيراً ما تناقل القادة العسكريون هذه المعلومات أثناء الجلسات اليومية مع الجنود، ويُشار إليها باسم "نشرة التوجيه". قال ملازم من الفرقة 14 المنتشرة في دمشق واصفاً النشرة: "كل صباح يتم إعطائنا نشرة التوجيه. يقولون لنا إن هناك عصابات ومندسين. ويظهرون لنا صوراً لجنود وعناصر أمن قتلى". أحد أعضاء المخابرات في حمص قال إنه وزملاؤه "تلقينا نشرات بأن هناك مندسين وسلفيين في سوريا وأنه لابد من وقفهم. في النشرات المطبوعة، قالوا إن بندر بن سلطان وسعد الحريري يدفعان الأجور لهؤلاء المندسين".

طبقاً لأحد المنشقين، فإن الجنود لم يُسمح لهم بمشاهدة التلفزيون على انفراد، لتفادي مشاهدتهم لقنوات تلفزيونية تبث معلومات معادية للحكومة. يمكن للضباط مشاهدة التلفزيون، لكن فقط التلفزيون السوري الرسمي وقناة دنيا، وهي قناة موالية للحكومة يملكها رامي مخلوف، قريب وحليف الرئيس بشار الأسد. قال مجند خدم في دمشق لـ هيومن رايتس ووتش:

كل ليلة يستدعونا إلى مكان شبيه بالاستاد في الثكنة العسكرية ويجعلوننا نجلس نشاهد قناة دنيا على شاشة كبيرة. كلها مشاهد من درعا تُظهر الناس يقتلون على يد من يُزعم أنهم عصابات مسلحة أجنبية. ويقول لنا المسؤولون تكراراً، أن هذا "مخطط أجنبي" يدور في درعا. مع مشاهدة قناة دنيا كل ليلة بين الساعة الثامنة والعاشرة، أصبح لدينا اعتقاد راسخ بأن هناك مؤامرة أجنبية علينا أن نقاتلها وأن نحمي شعبنا منها.

         

عمليات الاعتقال والسرقة أثناء الاقتحامات
بعض المنشقين قالوا إن قوات الأمن احتجزت أعداداً كبيرة من الناس وكانت تضرب المحتجزين بشكل متكرر. أحد عناصر الفوج 45 من القوات الخاصة، وتم نشره في منطقة ساحلية قريبة من بانياس، أخبر هيومن رايتس ووتش بشأن حملة اعتقالات شهد عليها في بلدة مرقب:

كان معنا أسماء حوالي 400 شخص مطلوب القبض عليهم. ذهبنا إلى القرية. وهناك خرجت تظاهرة للسيدات رافضة دخول الجيش (لم نكن قد اعتقلنا أحد بعد) داخل القرية، وكانت التظاهرة وسط القرية تقريباً. بدأنا في التنقل بين البيوت. كنا نقتحم البيوت المغلقة، واعتقلنا ناس كثيرة. بعض الرجال حاولوا الفرار من طريق جانبي في القرية. لكن الجيش فتح النار على من حاولوا الهرب. نقلنا المحتجزين إلى وسط البلدة، ووقفنا فوقهم وأكلنا لهم الإهانات. وقف ضابط أمن فوق أحد الرجال وراح يصيح: "من ربك؟ [قل] بشار الأسد". كان معنا محتجزين كثيرين في المنطقة فاستخدمنا استاد بانياس كمركز للاعتقال.

أفاد الجندي بأن قوات الأمن اعتقلت الأطفال أيضاً. قال: "رأيت قائمة بالمطلوبين. كان الكثير منهم من مواليد أعوام 1993 و1994 و1995. مجرد مراهقين. فيما بعد دخلنا بانياس واعتقلنا رجالاً وأطفالاً أيضاً. بنهاية أيامنا الأربعة في بانياس، سألت ضابطاً عن عدد المحتجزين في ذلك اليوم، فقال حوالي 2500 في بانياس وحدها، كلهم وضعوا في استاد بانياس. وكان الناس يُضربون في الحافلة في الطريق إلى الاستاد وداخل الاستاد أيضاً".

هناك قريب من الفوج 7 من اللواء 88، المنتشر في بلدة الحارة الجنوبية قرب درعا، وصف حملة اعتقال تلت دخول قوات الأمن إلى البلدة في 10 مايو/أيار:

حاصرنا البلدة لأيام. رأيت كيف أن القناصة يطلقون النار على أي شخص يخرج من بيته. ثم دخلنا. عناصر المخابرت معنا كانت معهم قوائم بالمطلوب القبض عليهم. كان فيها تفاصيل: هذا الشخص مزق ملصق للرئيس أو ذاك الشخص صاح "بحماس" في تظاهرة معارضة للحكومة. رأيت العديد من المعتقلين وبدا بعضهم في سن 12 عاماً. جاءت ست حافلات وأخذت المعتقلين. ثم جمعنا كل الدراجات النارية في وسط البلدة، ومرت عليها دبابة فسحقتها. تحدثنا فيما بيننا عن كيف سرق بعض الجنود الذهب والنقود من البيوت. في أحد البيوت، قال لي الزملاء إنهم عثروا على مليون ليرة سوري [حوالي 20 ألف دولار]، وقرر قائده الضابط مصادرة النقود قائلاً إنها ستستخدم في شراء أسلحة، وأضاف زميلي أنه لا يوجد أي دليل على حدوث ذلك.

وأفاد منشقون آخرون وقوع حوادث سرقة في مدينتي درعا وحمص.

أحد عناصر وحدة المهام الخاصة، وهي وحدة نخبوية خاضعة لسلطة وزارة الداخلية، وصف دور وحدته في قمع طلاب جامعيين في حلب:

أرسلونا إلى المساكن الجامعية للقبض على أشخاص، بأمر بسيط: "ادخلوا واحتجزوا". لابد أننا قبضنا على أكثر من مائتي شخص في يوم واحد، في أواخر أبريل/نيسان أو مطلع مايو/أيار. كنا نريد إخافتهم والطلاب الآخرين لمنعهم من الاحتجاج مرة أخرى. كانت مهمتنا هي القبض على الطلاب ونقلهم إلى فروع المخابرات، وأغلبها مخابرات عسكرية. كنا نضربهم طوال الطريق إلى الحافلة. لم نعرف ما سيحدث للمحتجزين بعد أن نوصلهم إلى المخابرات.

وقالت سارة ليا ويتسن: "روايات الجنود الذين فزعوا بما يكفي من أوامر قادتهم وخداعهم لهم، حتى يفروا، لابد أن ترسل رسالة قوية للأمم المتحدة والدول الأخرى بأن هناك حاجة لبذل المزيد من الجهد لوقف هذه الهجمات القاسية القائمة بحق المدنيين".