(نيويورك) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على الحكومة السعودية أن تُفرج فوراً عن المتظاهرين والمعارضين الذين أوقفتهم واحتجزتهم دون نسب اتهامات إليهم خلال الأسابيع الماضية. تم القبض على أكثر من مائة شخص في القطيف، وحوالي 45 آخرين في الإحسا، وهما من مناطق تركز السكان الشيعة في المنطقة الشرقية بالمملكة. كما تم القبض على عدد أقل من الأفراد في الرياض والقصيم.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن هذه الاعتقالات تنتهك حقوق الأفراد في التعبير عن الرأي والتجمع.

وقال كريستوف ويلكى، باحث أول في هيومن رايتس ووتش معني بمنطقة الشرق الأوسط: "بينما أعلن الملك عبد الله عن منح مالية للمواطنين السعوديين، تلجأ شرطته إلى القبض على من يعبرون عن الرغبة في تغييرات أعمق. معدل الاعتقالات ارتفع كثيراً على مدار الأسبوعين الماضيين".

طالب السعوديون بالتغيير السياسي في أعقاب الحركات الشعبية التي أدت لخلع رئيسي تونس ومصر، لكن الحكومة لم تستجب لمطالب إعداد دستور وإدخال برلمان مُنتخب، أو الإفراج عن السجناء السياسيين. بل أعلن الملك عبد الله بن عبد العزيز في 23 فبراير/شباط 2011 عن حزمة مساعدات مالية بقيمة 35 مليار دولار للعاطلين عن العمل ولدعم الساعين لشراء مساكن. في 18 مارس/آذار أعلن عن حزمة مساعدات جديدة بقيمة 96 مليار دولار لتغطية إجراءات مشابهة، بالإضافة إلى توفير 60 ألف فرصة عمل جديدة بالقطاع الأمني.

وفي مطلع مارس/آذار أكدت وزارة الداخلية وهيئة كبار العلماء علناً على حظر الحكومة للتظاهرات، قبيل "يوم الغضب" السعودي الذي كان من المخطط له يوم 11 مارس/آذار. في ذلك اليوم، تظاهر مئات الأشخاص في شوارع القطيف والإحسا، مطالبين بالإفراج عن تسعة رجال دين شيعة محتجزين منذ 13 عاماً دون نسب اتهامات إليهم أو محاكمتهم، وتظاهر العشرات في الرياض مطالبين بالإفراج عن آلاف المشتبهين الأمنيين السنة الذين جرى احتجازهم دون اتهامات أو محاكمة، بعضهم منذ أكثر من سبعة أعوام. وقعت تظاهرات مماثلة في المنطقة الشرقية يومي 17 و18 مارس/آذار، وفي الرياض يوم 20 مارس/آذار.

وأمام وزارة الداخلية بالرياض، احتجزت الشرطة بهية ودانا وبدرية الرشودي وتم التحفظ عليهن لمدة يوم، حسب قول اثنين من النشطاء الحقوقيين لـ هيومن رايتس وتش. المذكورات هُن بنات سليمان الرشودي، القاضي السابق البالغ من العمر 76 عاماً والمطالب بالإصلاح، الذي تم القبض عليه في فبراير/شباط 2007 واحتجز لسنوات قبل أن يتهمه الادعاء مؤخراً، على حد قول محامي لرجل آخر تم القبض عليه واحتجازه مع الرشودي. الرشودي ممنوع من الاتصال بمحاميه. وكانت بناته قد خرجن للمطالبة بالإفراج عنه.

ليلة 20 مارس/آذار قبضت السلطات على محمد بجادي من بيته في منطقة القصيم، بحسب بيان صادر عن الجمعية السعودية للحقوق السياسية والمدنية، وبعد تأكيد ناشط آخر لهذا الخبر. البجادي، أحد أعضاء الجمعية - التي رفضت الحكومة منحها رخصة للعمل - كان يدعم الأهالي المتظاهرين أمام وزارة الداخلية الذين راحوا يطالبون بالإفراج عن أقاربهم. مبارك بن زعير، المحامي وابن سعيد بن زعير وشقيق سعد بن سعيد بن زعير، محتجز دون نسب اتهامات إليه من قبل المباحث، التي احتجزت أيضاً عبد العزيز القفري، الذي تظاهر للمطالبة بالإفراج عن أخيه.

وقال الدكتور عبد الكريم الخضر لـ هيومن رايتس ووتش إنه يوم 20 مارس/آذار خرج من بيته في القصيم إلى وزارة الداخلية بالرياض للسؤال عن ابنه، ثامر، الناشط الحقوقي المحتجز دون اتهامات منذ مارس/آذار 2010. قامت الشرطة هناك بالقبض على ابنه الآخر، جهاد البالغ من العمر 17 عاماً، ولم يسمع الخضر أي شيء عن جهاد حتى مطلع 25 مارس/آذار، عندما رآه للحظة في مركز شرطة المعذر. أخبره المسؤولون هناك بأن رؤسائهم حظروا أي اتصالات بالمقبوض عليهم.

المباحث - وهي هيئة الاستخبارات الداخلية السعودية - وتدير سجون خاصة بها، قبضت أيضاً على مواطنين سوريين على مدار الشهر الماضي، على ما يبدو على خلفية انتقاداتهم السلمية للأوضاع السياسية. في 26 فبراير/شباط قامت المباحث بتوقيف بشار محرز عبود من مكتبه بالرياض، حيث كان قد بدأ العمل مؤخراً محرراً لمجلة موبايلي، وهي مجلة لشركة هواتف نقالة تحمل الاسم نفسه، على حد قول ناشط يعمل من جدة، لـ هيومن رايتس ووتش.

كان عبود يعمل منذ ثمانية أعوام في صحيفة عكاظ اليومية الشهيرة، واستمر في الكتابة لهذه المطبوعة. مقاله الأخير الذي كتبه قبل توقيفه بقليل، وصف فيه تفصيلاً حياة المخرج السوري عمر أميرالاي، الذي مات في الخامس من فبراير/شباط. كان أميرالاي ناشطاً بارزاً يدفع بالتغيير السياسي في سوريا، وقام بتوقيع طلبات في 2000 و2005 للدعوة لوضع حد لحُكم الطوارئ والإفراج عن السجناء السياسيين. زوجة عبود - وهي في سوريا حالياً - قالت لـ هيومن رايتس ووتش إنها تلقت مكالمة من زوجها في 19 مارس/آذار يقول إنه في سجن الحائر جنوبي الرياض، وأن المحققين انتهوا من تحقيقهم في مقاله.

وفي 21 مارس/آذار - في الرياض أيضاً - أوقفت المباحث د. علاء الراشي، صاحب "بيت النقد الثقافي" وهي شركة نشر سورية. وزارة الثقافة والإعلام السعودية دعت الراشي إلى معرض الكتاب الدولي في شهر فبراير/شباط، حيث عرض كتب دار النشر. وقال د. عبد الله الحامد - الإصلاحي السياسي السعودي الذي تعتبر كتبه ممنوعة في المملكة - لـ هيومن رايتس ووتش، إن كتبه عن القيم الإسلامية والحكم الدستوري قد عرضها الراشي في معرض الكتاب. زوجة الراشي أكدت هذه الرواية لـ هيومن رايتس ووتش وقالت إن الرقابة الحكومية صادرت هذه الكتب من معرض الكتاب، لكنها لم تُشر إلى تحركات قانونية ضد الراشي.

وقبضت قوات الأمن بالمنطقة الشرقية على العديد من الأشخاص أثناء انعقاد الاحتجاجات هناك في 11 و17 و18 مارس/آذار. قبضوا على أربعة أشخاص في 25 مارس/آذار أثناء تظاهرات صغيرة في الربيعية والعوامية بمنطقة القطيف، حسب قول ناشط من المنطقة لـ هيومن رايتس ووتش.

قال أحد أعضاء لجنة من ثمانية أفراد يمثلون أهالي المحتجزين، لـ هيومن رايتس ووتش، إن في 23 مارس/آذار طلبوا الاجتماع بحاكم المنطقة الشرقية، الأمير محمد الفهد بن عبد العزيز آل سعود لطلب الإفراج عن أكثر من 110 شخصاً محتجزين في الاحتجاجات على مدار الأسابيع الماضية، منهم أكثر من 12 طفلاً. أفرجت قوات الأمن عن عشرة متظاهرين على مدار الأسبوع الماضي.

رفض الأمير محمد عقد الاجتماع. نائبه الأمير جلوي بن عبد العزيز آل جلوي قابل الأهالي، لكنه رفض الإفراج عن المتظاهرين ما لم يهدئ القيادات احتجاجات الشوارع، حسب قول أحد الحاضرين في الاجتماع لـ هيومن رايتس ووتش. لم تتهم الحكومة أي من المتظاهرين المحتجزين، لكنها طلبت من المتظاهرين المُفرج عنهم مؤخراً من القطيف، بالتوقيع على تعهد بعدم المشاركة في أي تظاهرات في المستقبل.

تحدثت هيومن رايتس ووتش في 17 مارس/آذار إلى شخصين شاركا في المظاهرة ذلك اليوم. قالا إن التظاهرات كانت سلمية، لكن حوالي الساعة 8:25 مساءً، قام أحد أعوان الأمن، في ثوب مدني، بسحب مسدس وأطلق النار على اثنين من المتظاهرين، هما علي الزايد وعلي الصفار، فألحق بهما إصابات. كان الاثنان من بين مجموعة حاولت إبعاد كاميرا من يد شخص يُشتبه في أنه ضابط مباحث، راح يلتقط الصور للمتظاهرين. ثم قامت قوات الأمن بشن حملة اعتقالات واسعة ونقلت المصابين من المتظاهرين إلى مستشفى عسكري، بحسب أقوال متظاهرين ومصادر إخبارية محلية. طردت السعودية مراسل رويترز أولف لاسينغ، بسبب تغطيته للواقعة.

ويبدو أن بعض الاعتقالات تعسفية، واستهدفت بالخطأ أشخاص لم يشاركوا في التظاهرات. تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى شقيق عبد الله الزايد، الذي قال إن قوات الأمن قبضت على شقيقه بعد عودته بالسيارة من الكويت مباشرة، في 18 مارس/آذار، على اعتقاد أنه أحد المتظاهرين، رغم أنه كان خارج البلاد. قريب شخص آخر محتجز على خلفية التظاهر، هو حسين اليوسف، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن قبضت عليه وهو واقف بجوار متجره في أحد شوارع القطيف، وكانت المظاهرات تمر بالشارع، رغم أنه لم يشارك في الاحتجاجات.

ومن منطقة الإحسا جنوبي المنطقة الشرقية، تلقت هيومن رايتس ووتش قوائم محدثة بالمتظاهرين الموقوفين في تظاهرات صغيرة هناك أيام 11 و18 مارس/آذار. قبضت الشرطة على 27 شخصاً في 11 مارس/آذار، منهم سبعة أطفال، وأفرجت عن شخص واحد فقط، طبقاً لناشط من المنطقة. في 18 مارس/آذار، قبضت الشرطة على 18 شخصاً آخرين، على حد قول ناشط آخر، وثلاثة منهم تم الإفراج عنهم بعد ذلك. لم يتم نسب اتهامات لأي من الموقوفين.

يضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية التعبير والتجمع في المادتين 19 و21. وليست السعودية دولة طرف في العهد، لكن في عام 2009 صدقت على الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي يكفل بدوره هذه الحقوق. السعودية دولة طرف في اتفاقية حقوق الطفل، التي تكفل حرية التعبير والتجمع في المادتين 13 و15 منها. الاتفاقية تنص أيضاً في مادة 37 على أنه لا يتم احتجاز الأطفال إلا "وقفاً للقانون... كإجراء أخير ولأقصر فترة ممكنة" وأنه يجب "فصلهم عن البالغين داخل الحجز" وأن يتاح لهم الحق في الاتصال بأسرهم.

وقال كريستوف ويلكى: "بالقبض على المعارضين السلميين ورفض أي حديث عن الإصلاح السياسي، فإن حُكام السعودية يتحولون سريعاً لكونهم آخر معقل في المنطقة لمقاومة التغيير الديمقراطي".