(القاهرة) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يتخذ كل ما يلزم من إجراءات من أجل إنهاء الاستخدام العسكري والأمني للقوة المفرطة ضد المتظاهرين وكذلك إساءة معاملة المحتجزين. وأضافت إن على المجلس أن يعمل سريعاً على حماية جميع الوثائق الحكومية المرتبطة بجهاز أمن الدولة، صاحب سجل الإساءات، وهي وثائق ضرورية لمحاسبة منتهكي الحقوق في الفترة الماضية.

استخدمت قوات الأمن الحكومية بين 4 و6 مارس/آذار 2011 القوة المفرطة من أجل تفريق الاحتجاجات التي تجمعت أمام مكاتب مباحث أمن الدولة، وأساءت معاملة الأشخاص المقبوض عليهم. قام بلطجية مدعومين من الحكومة في ميدان لاظوغلي بالقاهرة في 6 مارس/آذار بمهاجمة المتظاهرين، وقام الجنود بضرب من احتجزهم الجيش. أما في الاسكندرية، في 4 مارس/آذار، أطلق ضباط أمن الدولة الرصاص الحي على المتظاهرين إضافةً قنابل مولوتوف معبأة بالبنزين.

قال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: " هجمات قوات الأمن على المتظاهرين تشبه الحال في مصر القديمة، وليس في مصر الجديدة المنعقدة عليها الآمال". وأضاف: "على المجلس الأعلى للقوات المسلحة تبنّي إجراءات عاجلة لوضع نهاية لإساءة استخدام القوة وبلا رجعة".

شهدت الفترة من 4 إلى 6 مارس/آذار تجمع المتظاهرين أمام مكاتب أمن الدولة في القاهرة والاسكندرية ومدن أخرى في شتى أنحاء مصر، استجابة لتقارير على موقعي تويتر وفايسبوك بأن ضباط أمن الدولة يدمرون الوثائق، ومنها سجلات يمكن استخدامها في محاسبة مسؤولين سابقين على انتهاكات لحقوق الإنسان. وقد سعوا إلى منع المزيد من التخريب لوثائق أمن الدولة وسجلاتها واحتجاجاً على استمرار عمليات أمن الدولة التي تعتبر متواطئة منذ زمن طويل في عمليات احتجاز تعسفي وتعذيب للنشطاء.

جرت التظاهرات أمام مقر أمن الدولة بمدينة نصر في القاهرة وعند مبنى ميدان لاظوغلي ومكاتب في أربعة أحياء قاهرية أخرى وعند مكتب أمن الدولة الرئيسي في الاسكندرية. كذلك تجمع المتظاهرون أمام مكاتب أمن الدولة في مدن اسيوط والفيوم ومرسى مطروح وفي مراكز في الزقازيق وقنا، بحسب تقارير إخبارية. تمكن المتظاهرون في بعض المناطق من دخول مباني أمن الدولة.

قمع المتظاهرين عند مكتب أمن الدولة في القاهرة

تجمع المتظاهرون مساء 6 مارس/آذار أمام مبنى أمن الدولة المتفرع من ميدان لاظوغلي في وسط القاهرة. قال مشاركون بالتظاهرة لـ هيومن رايتس ووتش إنه في وقت متأخر من ذلك المساء، بدأ مجهولون في رمي المتجمعين بالأحجار. "لم أعرف من أين تأتي الحجارة"... بحسب قول أحد المتظاهرين الذي أضاف، "الناس رددوا كثيراً كلمة بلطجية!" في إشارة منه إلى العناصر المشاغبة الموالية للحكومة. وتابع : "ثم رأيت مجموعة منهم يحملون سكاكين وسيوف".

بحسب متظاهرين قابلتهم هيومن رايتس ووتش، فإن جنود في زي رسمي بدأوا بعد ذلك في إطلاق النار في الهواء. قالت علياء مسلم، الشاهدة على تلك الأحداث: "بدأوا يطلقون النار وكان صوت الرصاص عالياً جداً واستمر فترة طويلة". وأكملت قائلة، "بدأ الناس يركضون في كل الاتجاهات. وكانوا [أي الجنود] يمسكون الهراوات، وهي أطول من الهراوات سوداء اللون التي يستخدمها ضباط أمن الدولة".

أعلن بعض المتظاهرين أن الجنود ضربوهم بعصي خشبية أو بهراوات. قال أيمن فراج، وهو شاهد عيان آخر، "بعد أن سمعت الطلقات، بدأ بعض الناس يطاردونا بالعصي". وأكمل: "تراجعنا إلى الميدان، لكن البلطجية حاصرونا من جانب، والجيش من جانب آخر".

بعد فترة، ذكرت جبهة الدفاع عن المتظاهرين المصريين (وهي تحالف من منظمات حقوق الإنسان)، بأن الجيش قبض على 27 متظاهر ذلك المساء واحتجزهم في البداية داخل مبنى لاظوغلي. قال اثنان من المتظاهرين بعد الإفراج عنهم في 7 مارس لـ هيومن رايتس ووتش إن الجنود في مبنى أمن الدولة في لاظوغلي قيدوهم ورموهم على الأرض، وضربوهم بكعوب البنادق نحو الساعتين. رأى باحثوا هيومن رايتس ووتش ما يشبه الكدمات على أجسامهم وبقع دمٍ على ملابسهم. قال أحدهم لـ هيومن رايتس ووتش: "ظللنا نردد سلمية سلمية" مضيفاً أن جندياً وقف على يديه وكسر أحد أصابعه.

تم نقل المحتجزين بعد ساعاتٍ عدة إلى مكان معروف باسم "س 28"، وهو سجن داخل مجمع للنيابات العسكرية في مدينة نصر. قال المحتجزون إنهم لم يتعرضوا هناك لسوء معاملة جسدية، لكن وكلاء النيابة العسكرية استجوبوهم في حضور محامين من الجيش تم تكليفهم بالدفاع عنهم. قال أحدهم لـ هيومن رايتس ووتش: "عندما طلبت الاتصال بمحامي قالوا لي لا دخل لك في هذا، سوف نعين لك محامياً من عندنا".

بحسب هيثم محمدين من مركز النديم لضحايا التعذيب، فإن السلطات منعته ومحامين آخرين من الاجتماع بموكليهم ذلك المساء في المجمع العسكري. بعد أن عاد المحامين في الصباح التالي، منعوهم مرة أخرى من مقابلة موكليهم.  وقال محمدين إه لم يسمح للمحامين المدنيين بحضور التحقيق مع موكليهم أمام النيابة العسكرية، وإن أفراد النيابة العسكرية قالوا بأن المحامين العسكريين سيحضرون بدلاً منهم. وجرى الإفراج عن المحتجزين يوم 7 مارس/آذار، أي بعد يوم من مظاهرة لاظوغلي، حوالي الساعة 3:45 مساءً.

قال ستورك: "إن الاعتقالات المتعسفة بحق المتظاهرين في ميدان لاظوغلي وضربهم بقسوة تظهر قابلية الجيش المقلقة لتجاوز الحقوق الأساسية"، وأضاف: "يجب أن يتوقف الجيش عن احتجاز وملاحقة المدنيين قضائياً".

الاستخدام غير المشروع للقوة المميتة

قالت ميسون المصري، الناشطة السياسية بالاسكندرية، لـ هيومن رايتس ووتش إن الناشطين ذهبوا إلى مقر أمن الدولة في شارع الفراعنة في الاسكندرية يوم 3 مارس/آذار لاشتباههم في بدء ضباط الأمن في تدمير الوثائق. وقاموا بالدعوة لتظاهرة أمام المقر في اليوم التالي، بعد أن عثروا على أوراق مقطعة في صفائح القمامة الموجودة أمام المبنى.

ظهر يوم 4 مارس/آذار، تجمع أمام مبنى أمن الدولة 50 إلى 60 متظاهر. انضمت أعداد أخرى على فترات خلال باقي اليوم. مع حلول المساء، بدأ المتظاهرون يطالبون بدخول المبنى وطرقوا على البوابات. قالت المصري إنها رأت، حوالي الساعة الثامنة مساءاً، قنابل مولوتوف يلقيها أشخاص من داخل مبنى أمن الدولة باتجاه المتظاهرين، وبعدها سمعت صوت إطلاق نار. وأضافت: "كان الصوت ينبعث من فوقنا وليس من على الأرض". وقالت أيضاً: "كانت تنبعث من داخل المبنى". وقالت المصري لـ هيومن رايتس ووتش بأن خمسة أشخاص أصيبوا، ثلاثة منهم بالرصاص الحي، واثنين بقنابل المولوتوف. أصيب كل من الناشط حسن مصطفى برصاصتين في البطن وعصمت دوستاشاتي، مصوّر، برصاصة في ذراعه.

يجب على قوات أمن الدولة والجيش في مصر أن تلتزم بالمبادئ الأساسية الصادرة عن الأمم المتحدة، والخاصة باستخدام القوة والأسلحة النارية، وجاء ضمن تلك المبادئ أنه لا يمكن استخدام القوة المميتة إلا لو كان لا غنى عنها لحماية الحياة وألا تستخدم إلا مصحوبة بضبط النفس والتناسب. كما تدعو المبادئ ذاتها الحكومات إلى "ضمان المعاقبة على الاستخدام المتعسف أو المسيئ للقوة والأسلحة النارية من قِبل المسؤولين عن تنفيذ القانون كجريمة يُعاقب عليها القانون".

قال ستورك، "لابد أن تُصدر وزارة الداخلية أوامرها لجميع الضباط بألا يستخدموا القوة المميتة إلا في حالة أن تكون هذه القوة هي السبيل الوحيد لحماية حياة الناس". وأضاف، "لابد أن تحقق السلطات فوراً في أعمال إطلاق النار في الاسكندرية وأن تحاسب المسؤولين عن تلك الأحداث".

تخريب وثائق أمن الدولة

قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب الحفاظ على وثائق أمن الدولة كي يتسنى محاسبة المسؤولين عن التعذيب في الماضي وغيره من صنوف المعاملة السيئة.

أحمد الغنيمي، الناشط الذي حضر تظاهرة 4 مارس/آذار أمام مكتب أمن الدولة في الاسكندرية، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن "بعض الناس [أرادوا] أن يعثروا على [أي] أوراق ما زالت في الداخل وما زالت سليمة، وبعض الناس ذهبوا إلى هناك كونها مناسبة رمزية، كي يقولوا أنهم يعرفون بأن الضباط يقطعون الأوراق بالداخل. فلا أحد يريد أن يحدث هذا".

مع مرور الوقت، دخل المتظاهرون إلى المبنى واكتشفوا وقوع أعمال تدمير واسعة للوثائق، وقال غنيمي: "بعد دخولنا مباشرة، رأينا جبالاً من الورق المقطع في كل مكان وفي كل مكتب".

هذا وقد تم اتخاذ بعض الخطوات الايجابية. في 5 مارس/آذار في مدينة نصر في القاهرة،  دخل المئات من المتظاهرين ضمن المتجمعين أمام مقر أمن الدولة، من خلال بوابة جانبية. أخرجوا من المبنى أكياسا من القمامة ممتلئة بالورق المقطع، وكذلك أقراص تخزين بيانات إلكترونية وبقايا ملفات وجمعوها في فناء المبنى. بدأ آخرون في البحث في المبنى عن زنازين سرية ربما يكون داخلها محتجزين وهم يهتفون "أين السجناء؟"

بعد ساعات،  سمح الجنود الموجودون لأعداد كبيرة من المتظاهرين بالدخول من البوابة الرئيسية. بعد التاسعة مساءً، طالب المتظاهرون بحضور ممثل عن مكتب النائب العام كي يضمن الحفاظ على ما تم العثور عليه في الداخل. في وقت متأخر من تلك الليلة، وصل زكريا عبد العزيز (الرئيس السابق لنادي القضاة المصري) ومعه ممثلين من مكتب النائب العام تولوا مسؤولية الوثائق. فتش ضباط الجيش المتظاهرين وهم يخرجون من المبنى لضمان أنهم لم يأخذوا أي أوراق معهم.

منذ ذلك الحين، انتشرت صور وتسجيلات فيديو من داخل مكاتب أمن الدولة على التويتر والفايسبوك. من خلال هذه اللقطات، أبلغ المتظاهرون عن اكتشاف ملفات في أمن الدولة متعلقة بالنشطاء المعروفين، منهم أحمد ماهر، من بين المؤسسين لمجموعة 6 ابريل الشبابية، وخالد سعيد، وهو رجل كان يبلغ من العمر 28 سنة، ومات على يد مخبري شرطة في الاسكندرية في يونيو/حزيران 2010، وأدى مقتله لخروج تظاهرات كبيرة في جميع أنحاء مصر خلال الشهور التالية على وفاته.

يطالب القانون الدولي الحكومات بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان الجدية مثل القتل أثناء الاحتجاز والتعذيب. من الأمثلة على ذلك، فإن مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بالوقاية والتحقيق الفعالين في أعمال الإعدام خارج القانون والاعدام التعسفي والإعدام بإجراءات قانونية موجزة، تدعو السلطات الحاكمة لتأسيس سلسلة آمنة لحماية الأدلة ومنها السجلات الحكومية، والتي من شأنها أن تسمح بعد ذلك بالملاحقات القضائية لدى الضرورة، ضد المسؤولين السابقين والحاليين المتواطئين في الانتهاكات. يشمل الحق في الإنصاف أن يطّلع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان على المعلومات التي قد تلقي الضوء على الانتهاكات التي تعرضوا لها ومعرفة الأطراف المسؤولة عنها.

قال ستورك، "إن جبال الوثائق الحكومية المقطعة التي اكتشفها المتظاهرون توحي بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد قصّر في واجبه المتعلق بحفظ وثائق هامة من التدمير المتعمد". وأضاف: "يمكن للمجلس الأعلى أن يبدأ في وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان التي أتيحت لأمن الدولة حتى الآن، بأن يتحرك بشكل حازم وشفاف للحفاظ على ملفات أمن الدولة".