يشهد شهر أغسطس/آب إتمام عبد الله بن عبد العزيز آل سعود عامه الخامس كعاهل للمملكة العربية السعودية، مما يبدو توقيتاً جيداً لتقييم ما تم إنجازه من إصلاحات في مجال حقوق الإنسان. إن السعوديين اليوم هم أكثر حرية، فيما يرجع الكثيرون الفضل في هذا للملك. وبفضل تنامي وسائط الإعلام الإلكترونية فقد نال كتاب سعوديون جوائز إقليمية، كما أصبح التنوع داخل المجتمع السعودي أمراً بادياً للعيان. غير أن تلك الحرية تظل محدودة بالأساس. لقد بدل الملك حقاً من الأجواء، إلا أنه بحاجة لوضع أجندته الإصلاحية في قالب مؤسسي لضمان امتداد أجل تلك الإصلاحات لما بعد عهده.

لقد تواصل تسارع واتساع مدى الإصلاح. مما حدا بالليبراليين بالمطالبة بدستور، وبرلمان منتخب، وبتحقيق المساواة للمرأة، وكذا للأقليات، وبحرية غير مقيدة للتعبير. في حين لايزال المتحدثون بلسان الإسلام من رجال الدين المحافظين، المسيطرين على النظامين القضائي والتعليمي، معارضين في كثرة من الحالات للإصلاحات، حتي تلك التي تحظى بقبول واسع، كتجريم زواج الأطفال. وذلك فيما تواصل المؤسسة الأمنية فرض حظر على الأحزاب السياسية، والمسيرات العامة، وكذلك على محاولات محاسبة الجهات الأمنية.

لقد شهد السعوديون تقدماً على أصعدة ثلاث: حقوق المرأة، وحرية التعبير، والإصلاح القضائي. غير أنه في المجال الرابع الذي اتخذ فيه الملك قدراً من المبادرة، ونعني بذلك التسامح الديني، والعلاقات فيما بين السعوديين من الشيعة والسنة، تبقى الأمور على ما جرت عليه من سوء. كما ولم يتم بذل أية جهود ملحوظة تعنى بالانتهاكات التي يواجهها الكثير من العمال الأجانب الذين يقدر إجماليهم بالمملكة بثمانية ملايين عامل.

وفيما يتراخى الفصل النوعي الصارم بين الرجال والنساء في الأماكن العامة، إلا أنه يظل نموذجاً سلوكياً سائداً داخل أماكن العمل والمدارس. وعلى الرغم من أن الحكومة قد قطعت وعداً بإنهاء نظام ولاية الأمر، إلا أن هذا النظام لايزال حاضراً وحياً في معظم جوانب حياة النساء. وفي استجابة لحالة عدم الرضاء العام، اقترحت الحكومة تعديلات للقوانين التي تحكم سلطات هيئة الأمر بالمعروف، إلا أنها لم تقر تلك القوانين بعد. وبالرغم من أنه بمقدور النساء الآن دراسة القانون، وأن وزير العدل محمد العيسى قد أعلن أنه سيكون بمقدور المحاميات تمثيل موكلاتهن الإناث في المحاكم وذلك في قضايا الأحوال الشخصية؛ إلا أنه ليست هناك أية خطط لتعيين النساء في مناصب القضاء أو الادعاء العام.

ما زالت محاسبة أولئك الذين يتعدون على حقوق الفرد واحدة من الأفكارالجديدة الطارئة داخل المجتمع السعودي. وبالرغم من أن السعوديين اليوم قد أصبحوا، إلى حد ما، أكثر حرية في انتقادهم للحكومة، ألا أن خطوطاً زاهية الحمرة لا تزال باقية. فمحاولة تفنيد الأيديولوجية الدينية المؤسِّسَة لهوية المملكة تبقى من المحرمات، وكذلك الحال عند انتقاد أمراء بأسمائهم. وفيما يجري التسامح تجاه انتقاد المؤسسات والسياسات ما لم يسْعَ هذا النقد لإثارة جدل حول الحكم الملكي المطلق، يتواصل تحمل نشطاء مثل الأساتذة متروك الفالح وعبد الله الحامد والشاعر علي الدوميني والقاضي الأسبق سليمان الرشودي، لكلفة باهظة من المضايقات في مجالهم الوظيفي، وتوقيف متعسف، وقضاء فترات بالسجون، وحظر للسفر خارج البلاد. ولقد أدى الإدراك المتنامي لحقوق الإنسان إلى قيام النشطاء المستقلين برصد أوضاعها، وأنشأ البعض وجوداً افتراضياً على شبكة الإنترنت من قبيل "صوت امرأة سعودية
و"جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية" و" شبكة النشطاء الحقوقيين"، غير أن الحكومة قامت بحجب مواقعهم كما لم يكن بمقدور أياً منهم تسجيل نفسه كجمعية مدنية.

وتتناول بعض وسائل الإعلام السعودية بتقاريرها انتهاكات لحقوق الإنسان، غير أنه يتوجب أن تصادق وزارة الإعلام على تعيين رؤساء التحرير بالصحف السعودية، وما وقع مؤخراً من فصل لجمال خاشقجي، رئيس تحرير جريدة الوطن، يكشف عن أن الوزارة تقوم بإنهاء خدمة المحررين عند تجاوزهم حدود النقد الممكن تحمله. إلا أن رؤساء التحرير يقومون في الممارسة العملية بالجانب الأكبر من العمل الرقابي. ففي واحد من أعمدة الرأي بصحيفة عكاظ في إصدارها على الإنترنت، انتقد الروائي السعودي عبده خال فصل خاشقجي باعتباره عمل القصد منه إخافة كل من كرس قلمه "لمحاربة خفافيش الظلام والمفسدين في الأرض". ولم يظهر أي من ذلك في النسخة الطباعية من الصحيفة. أما خال نفسه، والذي نال مؤخراً الجائزة الدولية للرواية العربية، فإن رواياته لا تزال ممنوعة من التداول داخل المملكة العربية السعودية.

كذلك لا تزال احتجاجات الشوارع والاجتماعات المنظمة تعد وبصورة قطعية تجاوزاً للحدود. وفي شهر مارس/أذار 2009 قامت قوات الأمن بتوقيف عشرات من الشيعة في المنطقة الشرقية كانوا يطالبون بالمساواة في الحق في ممارسة الشعائر الدينية. وقد تم اعتقال كل من محمد العتيبي، وهو أحد أصحاب المدونات، وخالد العمير، الناشط الحقوقي، لما يقرب من عام ونصف لمحاولتهما تنظيم احتجاج تضامني بالرياض مع شعب غزة وذلك في شهر يناير/كانون الثاني 2009. وفيما كان قدامى الإصلاحيون يتدارسون فكرة تأسيس حزب سياسي في اجتماع لهم بجدة في فبراير/شباط 2007، داهمت المباحث المنزل بأسلوب العمليات الخاصة، وقاموا باعتقال الأساتذة والمحامين والمثقفين المتواجدين هناك، ولا يزال معظمهم رهن الاعتقال دون توجيه اتهامات إليهم أو محاكمتهم.

وفيما يتعلق بالإصلاح القضائي، فقد أصدر الملك مرسوماً في عام 2007 يقضي بإنشاء محاكم مختصة جديدة، وبتوفير قدر أكبر من الاستقلال للقضاة، وبارتكان أوسع للقوانين والتشريعات والفقه القانوني أكثر من اللجوء لتفاسير التعاليم الدينية في القضاء، غير أنه بعد مضي ثلاث سنوات فإن القدر الأكبر مما ذكر يظل حبراً على ورق. ولا تزال المملكة العربية السعودية تفتقر إلى قانون للعقوبات، كما تفتقر إلى أية آلية لمحاسبة المسئولين الرسميين. إن المحاكمات التي تمت في عام 2009 بحق عدة مئات من المشتبهين بالإرهاب قد أجريت في سرية وعلى نحو مقتضب، دونما تواجد للمحامين ودون الكشف عن اتهامات محددة أو قرائن أو حتى عن أسماء المدعى عليهم.

لقد اشتملت أجندة الملك الإصلاحية على إقامة حوار فيما بين أصحاب العقائد، وذلك بجمعه لممثلي العقائد حول العالم بغرض تعزيز الاحترام المتبادل.غير أن رجال الدين الوهابيين، ومنهم من يحصل على رواتب حكومية، نادوا صراحة بالتمييز ضد الشيعة، الذين يمثلون 10 – 15 بالمائة من تعداد السكان، فيما تلقى من طالب بالمساواة من الشيعة أحكاماً بالسجن. كما وأن الحكومة تحظر التعليم الديني الشيعي والتعبد على الطريقة الشيعية، وتعتقل من يجهرون بالحديث عن الاستبعاد من الحكومة والوظائف الخاصة. وقد قامت السلطات في منطقة الأحساء منذ عام 2001 بحبس أئمة صلاة الجماعة. كما شددت السلطات منذ عام 2008 من قيودها على الحياة الجماعية للشيعة، باعتقالها أصحاب زوايا صلاة الجماعة الخاصة في الخُبر. كذلك قامت السلطات السعودية في شهر أبريل/نيسان بتوقيف أربعة من الشيعة في المنطقة الشرقية لاستضافتهم لشعائر صلوات غير علنية.

وأخيراً، فقد أهمل الملك عبد الله مجالاً هو في مسيس الحاجة للإصلاح. إن الكثيرين من بين الملايين الثمانية من العمال الأجانب في المملكة لا يزالون عرضة للاستغلال والإساءة من قبل أرباب عملهم نتيجة لنظام الكفالة، والافتقار للحماية القانونية والقدرة على طرق أبواب العدالة. هنا تنتفي الضغوط الاجتماعية باتجاه الإصلاح بينما تتوافر معارضة قوية من قبل دوائر الأعمال.

لقد بدأ الملك عبد الله بداية جيدة، إلا انه يتعين عليه الحرص على استدامة القوة الدافعة. فإنه إذا ما خطا خلفاؤه خطواتهم بقدر أكبر من الحذر، فإن إرثه سيصبح بمثابة فترة استرخاء وجيزة، عوضاً عن كونه مشروع حقيقي للإصلاح.

جو ستورك هو نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش. كرستوف ويلكى هو باحث أول في هيومن رايتس ووتش، وقد قام بعمل بحثي موسع حول المملكة العربية السعودية.