(القدس) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن الحكومة الإسرائيلية قوضت من مصداقية اللجنة المُعيّنة للتحقيق في اعتراضها العسكري الدامي لـ "أسطول مساعدات غزة"، إذ تم منع اللجنة من استجواب الجنود الإسرائيليين ومُنعت من إلزام الجيش بتقديم الأدلة المتوفرة لديه. وأكدت هيومن رايتس ووتش على انتقادها لحصار إسرائيل لغزة الذي يدخل عامه الرابع، كونه أحد أشكال العقاب الجماعي ضد السكان المدنيين.

اللجنة المكونة من ثلاثة أعضاء، والتي وافقت عليها الحكومة الإسرائيلية في 14 يونيو/حزيران 2010 لا تُعتبر لجنة تقصي حقائق كاملة تفي بالشروط الواردة في القانون الإسرائيلي، ولا يمكنها الأمر بمثول الشهود والمسؤولين من أجل الإدلاء بالأقوال والتحقيق. وبموجب الولاية الممنوحة إياها، يجب أن تعتمد اللجنة بدلاً عن هذا على إصدار طلبات بالوثائق و"ملخصات بالتحقيقات الميدانية"، التي يجريها الجيش الإسرائيلي نفسه، للتوصل إلى ما فعله عناصر الجيش أو أمروا به أثناء اعتراض "أسطول الحرية" في 31 مايو/أيار. وقُتل في العملية تسعة من أعضاء الأسطول الأتراك وأصيب العشرات.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "تزعم إسرائيل أن اللجنة مستقلة، لكنها تُصر على أن تقبل اللجنة رواية الجيش للأحداث". وتابعت: "نظراً لسجل الجيش الإسرائيلي المتواضع في تحقيقه بنفسه في حالات سابقة يُحتمل فيها وقوع وفيات بالخطأ، فمن الصعب الثقة في أن اعتماد اللجنة على الجيش الإسرائيلي سوف يُظهر حقيقة ما حدث".

وقد مكّنت الحكومة الإسرائيلية اللجنة من "طلب" الشهادة أو غيرها من الأدلة من أي شخص أو جهة، سواء كان إسرائيلياً أو أجنبياً، باستثناء "ما يخص عناصر الجيش والعاملين بالقوات الأمنية الأخرى". ولا يحق للجنة مقابلة الجنود أو الضباط على انفراد، ولا يحق لها الاطلاع على شهاداتهم أو أقوالهم، ويجب أن تباشر اللجنة عملها "فقط" عبر طلب الوثائق و"الملخصات" الخاصة بالتحقيقات الداخلية للجيش، المعروفة بمصطلح التحقيقات العملياتية، وفيها يقابل الجنود ضباط من سلسلة القيادة غير مدربين على إجراء تحقيقات في حالات الاشتباه بارتكاب أخطاء. هذه التحقيقات العملياتية الغرض منها تعلم الدروس المستفادة أكثر من كونها آلية للتحقيق في أعمال يُشتبه أنها جنائية. ويحق للجنة "طلب" إجراء الفريق العسكري الإسرائيلي الذي حقق في حادث "أسطول الحرية" لتحقيقات إضافية.

وقالت سارة ليا ويتسن: "ربما كان للحكومة الإسرائيلية أسباب صحيحة للرغبة في حجب هوية الجنود، لكن هناك أساليب عدة لفعل هذا دون منع اللجنة من مقابلة من كانوا أطرافاً في الحادث".

ورد في ولاية اللجنة أنها يحق لها أن تحجب أية معلومات من تقريرها النهائي ترى أن كشفها خطر على الأمن القومي.

أعضاء اللجنة الإسرائيلية هم يعقوب تيركل، قاض سابق بالمحكمة العليا، وشبتاي روزين، محلف، والميجور جنرال المتقاعد عاموس حوريف، الرئيس الأسبق لمعهد التخنيون الإسرائيلي والرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة رافاييل للأسلحة.

وتضم اللجنة أيضاً "مراقبين" دوليين اثنين، هما ديفيد تريمبل، الذي ربح جائزة نوبل للسلام عام 1998 على دوره في التفاوض على وضع حد للنزاع في أيرلندا الشمالية، واللواء كينيث واتكن، المحامي العام والقاضي السابق بالجيش الكندي. وبصفتهما مراقبان، فمن الممكن منعهما من الاطلاع على الأدلة التي يرى رئيس اللجنة أنها من المؤكد أن تضر إلى حد كبير بالأمن القومي الإسرائيلي أو العلاقات الخارجية، ولا يمكنهما التصويت على نتائج اللجنة. وفي 31 مايو/أيار ساعد تريمبل في افتتاح مبادرة "أصدقاء إسرائيل"، مما يثير التساؤلات حول أسباب اختياره.

وبالإضافة إلى النظر في الهجوم على "أسطول الحرية"، فمن اختصاصات اللجنة أن تحقق في "مدى اتساق الحصار البحري [الإسرائيلي لقطاع غزة] مع قواعد القانون الدولي". وقالت هيومن رايتس ووتش إن الحصار الإسرائيلي يرقى لكونه أحد أشكال العقاب الجماعي ضد السكان المدنيين ويخرق التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي، بصفتها قوة محتلة حسب القانون الإنساني الدولي. وأدى الحصار إلى شل اقتصاد القطاع وأدى إلى أزمة طاحنة لسكان غزة البالغ عددهم 1.5 مليون نسمة.

وطبقاً لتقارير إخبارية، سوف تنظر الحكومة الإسرائيلية قريباً في إدخال تغييرات مقترحة على سياسة الحصار إثر المفاوضات بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وممثل الرباعية الدولية توني بلير.

وتقول إسرائيل بأنها تفرض الحصار على الحدود، وكذلك تمنع الوقود والكهرباء، رداً على هجمات حركة حماس على إسرائيل، التي استولت بالعنف على السلطة في قطاع غزة في عام 2007 بعد أن ربحت الانتخابات في عام 2006، وكذلك هجمات جماعات فلسطينية مسلحة أخرى، ورداً على استمرار احتجاز الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي تم أسره في يونيو/حزيران 2006.

ومنذ عام 2005 قام جناح حماس العسكري، كتائب القسام، وغيره من الجماعات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة، بإطلاق آلاف الصواريخ على مراكز لتجمع السكان الإسرائيليين. هذه الهجمات العشوائية الطابع على المناطق المدنية تخرق بوضوح القانون الإنساني الدولي، وقامت هيومن رايتس ووتش كثيراً بإدانة هذه الهجمات.

وقالت سارة ليا ويتسن: "لإسرائيل كل الحق في التعامل مع الاعتبارات الأمنية المشروعة، لكن بإمكانها أن تتعامل معها عبر وضع قائمة محدودة من المواد ذات الاستخدامات العسكرية وليس عبر قائمة تعسفية ومتغيرة وسريّة من السلع التي يحتاجها المدنيون والتي لا تمس أي اعتبارات أمنية يمكن تصورها".

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على إسرائيل أن تتعاون مع الجهود الدولية المبذولة من أجل الفتح الفوري والمستدام للمعابر الحدودية في وجه المساعدات الإنسانية، وكذلك أمام حركة الأفراد والسلع إلى قطاع غزة ومنه.

وقامت إسرائيل - بتعاون من مصر - بتكثيف القيود المفروضة على الواردات والصادرات إلى غزة ومنها، عبر الإغلاق التام لمعابر غزة أثناء وبعد القتال بين حركة حماس وفتح في 14 و15 يونيو/حزيران 2007، وفيها ربحت حماس السيطرة أحادية الجانب على أراضي القطاع. وهزمت حماس فتح في الانتخابات البرلمانية في غزة والضفة الغربية في شهر يناير/كانون الثاني 2006، وانهارت الحكومة المشتركة بينهما في يونيو/حزيران 2007. ولم تقم إسرائيل بتخفيف الحصار منذ ذلك الحين إلا لفترات محدودة وبشكل جزئي، مع تعزيز حركة حماس لسيطرتها الداخلية على القطاع. وتسمح إسرائيل بعبور بعض السلع بشكل انتقائي وغير شفاف وتعسفي. كما تدعم فتح بهدوء الحصار الإسرائيلي والمصري كأسلوب للضغط على خصمها السياسي حماس.

مجلس الأمن والولايات المتحدة والدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أشارت جميعاً إلى الحصار على أنه لا يمكن أن يستمر للأبد. وعلا صوت المطالبات الدولية برفع الحصار بعد حادث "أسطول الحرية" في 31 مايو/أيار.

وفي 14 يونيو/حزيران، في كلمة أمام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، قال ممثل الرباعية الدولية توني بلير إن على إسرائيل التراجع عن سياستها العقابية القائمة عبر "التحول من قائمة السلع المسموح بدخولها إلى غزة، إلى قائمة السلع المحظور دخولها، مثل الأسلحة والمواد المستخدمة في القتال". ومن ثم تعهد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الـ 27 بـ "الإسهام في تنفيذ" مثل هذه الآلية.

ورغم أن إسرائيل أخرجت قواتها ومستوطناتها من قطاع غزة عام 2005، إلا أنها تسيطر بالكامل على الحدود البرية والبحرية لقطاع غزة ومجاله الجوي، وكذلك سجل المواليد، مما يجعلها القوة المحتلة بموجب تعريف القانون الدولي، على حد قول هيومن رايتس ووتش. ويخرق الحصار التزامات إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي الحاكم للاحتلال العسكري من أجل ضمان سلامة وأمان السكان المدنيين في غزة، ومن أجل تيسير وصول المساعدات الإنسانية الواردة من أطراف أخرى. وخففت مصر رسمياً من تقييدها لحركة الأفراد عبر معبر غزة الحدودي الجنوبي بعد 31 مايو/أيار.

إلا أن القيود الإسرائيلية على واردات الغذاء والوقود وغيرها من السلع الأساسية، وكذلك جميع الصادرات الزراعية والصناعية تقريباً، أدت لتدمير الاقتصاد الغزاوي. وتدخل بعض السلع القطاع عبر أنفاق تسيطر عليها حماس على امتداد الحدود مع مصر، لكن لا يمكن لأغلب السكان تحمل أسعارها. ومع اختناق اقتصاد غزة جراء الحصار، فإن نحو 80 في المائة من سكان غزة البالغ عددهم 1.5 نسمة أصبحوا يتلقون مساعدات غذائية. وحتى مع زيادة اعتماد غزة على المساعدات الإنسانية إثر إغلاق الحدود، زادت إسرائيل من القيود على هذه المساعدات. وكانت إسرائيل تسمح في المتوسط بدخول 2807 شحنة من السلع إلى غزة أُثناء الشهور الأولى من عام 2007، قبل فرض الحصار، وأصبح المعدل 488 شحنة مساعدات أسبوعية في أواخر مايو/أيار 2010.

كما وقيدت إسرائيل من الاكتفاء الذاتي لسكان غزة عبر تقييدها لقدرتهم على العمل في مزارعهم وأماكن الصيد. وبذريعة ردع هجمات الجماعات المسلحة، قيدت إسرائيل من قدرة الفلسطينيين على الوصول لمساحات من أراضي أغلبها زراعية على مقربة من الحدود بين إسرائيل وغزة، عبر إطلاق النار على الفلسطينيين الذين يدخلون هذه المنطقة، وتشكل هذه الأراضي نحو 18 في المائة من مساحة القطاع. وفي يناير/كانون الثاني 2009 خفضت إسرائيل من المناطق التي يمكن للصيادين الغزاويين الصيد فيها من ستة إلا ثلاثة أميال بحرية من ساحل القطاع. وقبل عام 2000 كان سكان غزة يُسمح لهم بالصيد حتى 12 ميلاً بحرياً من الساحل. عدد الصيادين في غزة تناقص من 10 آلاف صياد إلى 3400 صياد على مدار السنوات العشر السابقة، على حد تقدير الأمم المتحدة. وذكرت إسرائيل أن الهدف من الحصار البحري هو منع تهريب الأسلحة للقطاع عن طريق البحر.

وإلى الآن، ترفض إسرائيل المقترحات بتيسير تسليم المساعدات المطلوبة بشدة في غزة. وقد لحق دمار شديد بالبنايات السكنية والمدارس والبنية التحتية في القطاع أثناء العمليات العسكرية الموسعة التي شنتها إسرائيل بهدف أعلنته الحكومة الإسرائيلية هو ردع الصواريخ التي تطلقها حماس والجماعات الأخرى على إسرائيل. وفي أواخر مايو/أيار 2009 قدمت الأمم المتحدة اقتراحاً ببناء ما تُقدر قيمته بثمانين مليون دولار من البنايات السكنية والمرافق الصحية والتعليمية، المتوقفة قبل عامين جراء الحصار. وكان المقترح ليسمح للسلطات الإسرائيلية بالمراقبة اللصيقة للمواد الموردة، ويشمل ذلك التدقيق في أعمال الأطراف المتعاقدة على البناء ومواقع تخزين المواد، وكذلك التصوير الدوري لمواقع البناء. ورفضت إسرائيل هذا المقترح. وبعد تسعة أشهر من المفاوضات، وافقت إسرائيل على قلّة من مشروعات الأمم المتحدة، ومنها إتمام بناء 151 وحدة سكنية في الآونة الأخيرة.

وذكر رئيس الوزراء نتنياهو في 31 مايو/أيار أن إسرائيل لم تقيد غير الأسلحة وما يُدعى بالمواد ثنائية الاستخدام التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية من قبل الجماعات الفلسطينية المسلحة. وفي واقع الأمر تستمر إسرائيل في حظر واردات مواد تتراوح بين أجهزة الكشف بالأشعة السينية على الثدي، إلى صنانير الصيد والمواد الغذائية، وتمنع جميع الصادرات باسثتناء شحنات قليلة من الحين للآخر من الزهور والفراولة.

وفي 25 يونيو/حزيران 2006 قامت جماعة فلسطينية مسلحة، تضم مقاتلين من حماس، بأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي ما زال محتجزاً. وتذرعت إسرائيل باحتجاز شاليط ورفض حماس الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف كمبررات للحصار. وقالت هيومن رايتس ووتش إن من أجروا أو أمروا بالهجمات الصاروخية العمدية أو العشوائية على المدنيين الإسرائيليين مسؤولين عن جرائم حرب. كما أن احتجاز حماس المطول بمعزل عن العالم الخارجي للجندي شاليط هو أمر قاس ولاإنساني وقد يرقى للتعذيب حسب القانون الدولي. وشاليط غير قادر على الاتصال بأسرته أو استقبال زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر. لكن، وعلى حد قول هيومن رايتس ووتش، انتهاكات أحد الأطراف في نزاع مسلح لقوانين الحرب لا تبرر انتهاك الطرف الآخر لها.

ورفض مسؤولو حماس طلب هيومن رايتس ووتش بزيارة شاليط والتعرف على ظروف احتجازه، أثناء اجتماع في غزة شهر مايو/أيار، قائلين بأنهم لن يخاطروا باحتمال الكشف عن موقع احتجازه، رغم أن وفد هيومن رايتس ووتش عرض الانتقال إلى مكان احتجازه معصوب الأعين مع قبول أية احتياطات أمنية أخرى قد ترغب حماس فيها. وقد أدانت هيومن رايتس ووتش مراراً احتجاز شاليط المطول بمعزل عن العالم الخارجي.

وقالت سارة ليا ويتسن: "من الضروري للمجتمع الدولي أن يُلزم نفسه بالمراقبة الشاملة وفرض نظام للرقابة يضمن التدفق الحر للسلع والأفراد إلى غزة ومنها، بناء على قائمة محدودة بالسلع والمواد المحظورة".

وفيما يحق لإسرائيل تفتيش السلع التي تدخل غزة، فإن أية قيود يجب أن تكون لأسباب أمنية محددة، ولا يحق لها أن تمنع المساعدات الإنسانية أو التعاملات التجارية العادية، على حد قول هيومن رايتس ووتش. القيود الفضفاضة والشاملة على السلع الأساسية تخرق القانون الإنساني الدولي، الذي يمنع الحكومة التي تسيطر فعلياً على منطقة معينة من منع السلع الضرورية لاستمرار السكان المدنيين في المنطقة على قيد الحياة.