قررت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أن تبدأ في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2009 جلسة لتقييم ما إذا كانت الاتهامات بجرائم الحرب بحق بحر إدريس أبو جردة - أحد زعماء المتمردين في دارفور بالسودان - يجب أن تتأكد. جلسة "تأكيد الاتهامات" هذه، وهي الأولى من نوعها على صلة بتحقيقات المحكمة في دارفور، يمكن أن تمهد الطريق لأول محاكمة للمحكمة الجنائية الدولية فيها جرائم تم ارتكابها في دارفور. القضية الخاصة بأبو جردة، عن دوره المزعوم في هجوم في عام 2007 أسفر عن مقتل 12 عنصراً من عناصر حفظ السلام الأفارقة، هي أيضاً أول قضية للمحكمة الجنائية الدولية تخص جرائم ضد قوات حفظ السلام الدولية. القضية فرصة هامة للمحكمة كي ترسل برسالة واضحة لأطراف القتال مفادها أن الهجمات على عناصر حفظ السلام ستُواجه بالملاحقة القضائية، وهو أمر هام لحماية المدنيين في زمن الحرب وللتصدي لبواعث قلق الدول التي تقدم قوات حفظ السلام، وهي دول أفريقية في هذه الحالة.

1.       من هو بحر إدريس أبو جردة؟

بحر إدريس أبو جردة هو زعيم للمتمردين في دارفور. بين يناير/كانون الثاني 2005 وسبتمبر/أيلول 2007، كان أبو جردة هو نائب رئيس مجموعة متمردي حركة العدالة والمساواة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2007 انضم إلى قيادات أخرى للمتمردين لتشكيل فصيل مسلح جديد، هو القيادة المشتركة لحركة العدالة والمساواة. وفي الوقت الحالي فهو رئيس والمنسق العام للعمليات العسكرية لتحالف حركات المتمردين في دارفور، ويُدعى التحالف "جبهة المقاومة الموحدة"، وتشمل الجبهة القيادة المشتركة لحركة العدالة والمساواة.

2.    ما الجرائم المتهم أبو جردة بارتكابها؟

أبو جردة متهم بارتكاب ثلاث جرائم حرب بموجب أحكام نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، القتل، وتعمد توجيه الأوامر بالهجوم على بعثة لحفظ السلام، وأعمال السلب. الاتهامات جراء دوره المزعوم في هجوم للمتمردين على قاعدة للاتحاد الأفريقي في هاسكانيتا، شمالي دارفور، في 29 سبتمبر/أيلول 2007.

يُزعم أن أبو جردة قام بقيادة فصيل من قوات حركة العدالة والمساواة أثناء الهجوم على هاسكانيتا، الذي شمل أكثر من 1000 عنصر من المتمردين. وطبقاً لمدعي المحكمة الجنائية الدولية، فقد قُتل 12 عنصراً لحفظ السلام من أربع دول أفريقية، هي السنغال ومالي ونيجيريا وبتسوانا، وأصيب ثمانية آخرون على الأقل إصابات خطيرة. يُزعم أن المهاجمين دمروا معدات وتجهيزات وسرقوا عربات وذخيرة ونقود وغيرها من الممتلكات.

3.    ما أهمية الملاحقة القضائية عن الجرائم بحق قوات حفظ السلام؟

في الكثير من نزاعات العالم المسلحة، يمكن أن يعتمد المدنيون على قوات حفظ السلام الدولية في حمايتهم. وحياد قوات حفظ السلام، التي تتفادى المشاركة في أعمال القتال ما لم تتعرض للهجوم، تسمح لها بالتركيز على توفير الحماية المحايدة للسكان المدنيين. مسؤوليات قوات حفظ السلام في دارفور كانت تشمل دوريات لحماية المدنيين في مخيمات المشردين وحولها وفي القرى، والتحقيق في الأعمال العدوانية المبلغ عنها، ودعم جهود العمل الشرطي بالمخيمات الخاصة بالمشردين داخلياً، ودعم جهود منع العنف الجنسي، مثل عمل دوريات لمرافقة النساء والفتيات لدى مغادرتهن المخيمات لجمع العشب والحطب. وإثر هجوم هاسكانيتا، حدّت بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي من نشاطها خارج قواعدها لمدة أسابيع، مما قيد من قدرتها على حماية المدنيين.

وما زال الأمن من بواعث القلق الجدية لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المشتركة لحفظ السلام في دارفور (اليوناميد)، والتي تولت أعمال حفظ السلام في دارفور بدءاً من 31 ديسمبر/كانون الأول 2007. وتكرر تعرض قوات حفظ السلام للهجوم المباشر من المتمردين ومن القوات الحكومية السودانية. وقُتل أكثر من 12 عنصراً منهم وأصيب آخرون في الهجمات، وآخرها في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2009، حين فتح مسلحون النار على قاعدة حراسة في شمال دارفور، فألحقوا الإصابات بأحد عناصر حفظ السلام. مثل هذه الهجمات تعيق قدرة قوات حفظ السلام على توفير الأمن للمدنيين المعرضين للخطر، وتثبط الهجمات همة الحكومات عن إرسال قواتها للمشاركة في عمليات حفظ السلام.

4.      ما الغرض من جلسة تأكيد الاتهامات وماذا سيحدث أثناء الجلسة؟

الجلسة التي سيحضرها ثلاثة قضاة من الدائرة التمهيدية للمحكمة، الغرض منها السماح للمحكمة بتقييم ما إذا كان المدعي لديه أدلة كافية للتحرك قدماً في المحاكمة. الجلسة، وهي ليست محاكمة ولن تحدد ما إذا كان أبو جردة مذنب أم بريء، واجبة بموجب المادة 61 من نظام روما، وسيتم عقدها في الدائرة التمهيدية بالمحكمة الجنائية الدولية.

وفي الجلسة، سيعرض مكتب الادعاء الأدلة الداعمة للاتهامات، ويشمل ذلك استدعاء الشهود، لكنه لن يعرض جميع الأدلة التي في جعبته ضد أبو جردة. يمكن للدفاع الاعتراضات على الاتهامات، والطعن في أدلة المدعي، ويمكنه أن يتقدم بأدلة النفي من جانبه. ومن المتوقع أن تستغرق الجلسة حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول.

5.      هل سيحضر أبو جردة جلسة تأكيد الاتهامات؟

من المتوقع حضور أبو جردة بنفسه. وقد حضر لأول مرة طوعاً إلى المحكمة الجنائية الدولية في 18 مايو/أيار، رداً على استدعاءات بالمثول أمام المحكمة صدرت بحقه في فبراير/شباط. يسمح نظام روما للدائرة التمهيدية بالمحكمة أن تصدر أوامر استدعاء بالمثول بدلاً من أوامر التوقيف إذا رأى القضاة أن الاستدعاء يكفي لضمان مثول المستدعى أمام المحكمة. وفي ذلك المثول الأول، تم إخطار أبو جردة بالجرائم المزعوم ارتكابه إياها وإخطاره بحقوقه بموجب نظام روما.

6.    لماذا لم تتحفظ المحكمة الجنائية الدولية على أبو جردة بالحبس؟

بموجب المادة 58 من نظام روما لا يتم التحفظ على المدعى عليه في المحكمة الجنائية الدولية أثناء نظرها في قضيته ما لم يكن هذا ضروري لمثول الشخص أمام المحكمة، وما لم يكن عدم التحفظ عليه سيؤدي إلى عرقلة التحقيقات أو مجريات القضية، وما لم يرتكب جرائم أخرى. وعلى حد علمنا لم تراجع المحكمة مسألة إبقاء أبو جردة رهن الاحتجاز منذ إصدارها أمر الاستدعاء بحقه بالمثول في مايو/أيار، بناء على تحديدها أن الاستدعاء يكفي لضمان مثوله أمام المحكمة.

7.      هل لدى أبو جردة محامي دفاع؟

يمثل أبو جردة فريق دفاع بقيادة كريم أ. أ. خان. المحكمة - المطلوب منها بموجب نظام روما أن تضمن حق المدعى عليه في الدفاع - وافقت على دفع نفقات دفاعه. لكن هذا قد يتغير إثر التقييم المدقق لوضعه المالي.

8.     هل يمكن للضحايا المشاركة في جلسة تأكيد الاتهامات؟

بموجب نظام روما يمكن للضحايا المشاركة في مجريات القضية فيما يتجاوز مجرد الإدلاء بشهادة بصفتهم شهود، لكن لا يمكن عمل هذا بشكل لا يتسق مع حقوق المحاكمة العادلة الخاصة بالمدعى عليه. وحتى الآن، تم الإقرار بمشاركة 78 ضحية في القضية ضد أبو جردة، ومنهم أفراد من أقارب المزعوم قتلهم أثناء الهجوم في هاسكانيتا، وأفراد كانوا ضمن بعثة حفظ السلام وكانوا حضور في هاسكانيتا أثناء الهجوم، وبعض أبناء هاسكانيتا المحليين.

9.      ما الخطوات التالية على الجلسة؟

بعد انتهاء الجلسة، أمام الدائرة التمهيدية 60 يوماً لتصدر قرارها الكتابي. إذا انتهى القضاة الرئيسيون إلى أن هناك "أسس قوية للاعتقاد" بارتكاب أبو جردة الجرائم المزعومة، سوف يتم تأكيد الاتهامات وتمضي القضية قدماً إلى مرحلة المحاكمة. وهذا يختلف عن المعيار اللازم للإدانة في المحاكمة، وحكم الإدانة يتطلب أن يجتمع أغلب القضاة في دائرة المحاكمة على إدانة المدعى عليه "بما يتجاوز مجال الشك المعقول".

إذا تبين القضاة أنه لا يوجد ما يكفي من أدلة لتأكيد بعض أو كل الاتهامات، يمكن أن تتخذ الدائرة التمهيدية إحدى القرارات الثلاثة التالية:

  • عدم تأكيد الاتهامات التي لا توجد أدلة كافية بصددها.
  • إنهاء الجلسة ومطالبة المُدعي بمحاولة توفير أدلة إضافية أو إجراء المزيد من التحقيقات.
  • إنهاء الجلسة ومطالبة المدعي بالنظر في تعديل الاتهامات لأن الأدلة يبدو أنها تؤدي إلى الاعتقاد بارتكاب جريمة أخرى.

وإذا لم يؤكد القضاة اتهامات بعينها، يمكن للمدعي أن يوفر أدلة غضافية ويجدد طلب تأكيد الاتهامات الجديدة.

10.  ما القضايا الأخرى في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بدارفور؟

حتى الآن تم إصدار مذكرات توقيف بحق الرئيس عمر البشير رئيس السودان، وأحمد هارون، وزير الدولة السابق للداخلية ووزير الشؤون الإنسانية، والحاكم الحالي لجنوب كردفان، وعلي كوشيب، زعيم إحدى ميليشيات الجنجويد. الثلاثة مشتبه في ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. كما تراجع المحكمة الجنائية الدولية طلبات بإصدار أوامر توقيف أو استدعاء بالمثول بحق اثنين من زعماء المتمردين، ولم يتم الكشف عن اسميهما، لكن من المعتقد أنهما شاركا في هجوم هاسكانيتا.

11.   في ظل إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السودان ونظراً لأن جميع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية الحالية في أفريقيا، فهل يستهدف مدعي المحكمة بشكل غير منصف الزعماء الأفارقة؟

فيما تعتبر جميع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية الحالية في أفريقيا، فإن ثلاثة من أربعة تحقيقات للمحكمة أحيلت إليها من حكومات وقعت فيها الجرائم المعنية. دارفور، القضية الرابعة، أحيلت إلى المحكمة من مجلس الأمن في 31 مارس/آذار 2005. وقضايا المحكمة تخدم ضحايا من أفريقيا. والقضية بحق أبو جردة فضلاً عن ذلك ساعدت على المساءلة على الجرائم المرتكبة بحق قوات حفظ السلام التي أرسلتها الحكومات الأفريقية لحماية السكان المدنيين في دارفور. بالإضافة إلى أن مكتب ادعاء المحكمة لديه عدة أوضاع يحللها في الوقت الحالي، ومرحلة المراجعة قد تسبق مرحلة فتح التحقيقات، في دول خارج أفريقيا، مثل جورجيا وكولومبيا وأفغانستان.

تصدر المحكمة الجنائية الدولية قراراتها بشأن التحقيقات بناء على عدة عوامل، منها ما إذا كان لها اختصاص النظر في الجرائم المعنية. وبعض أسوأ الجرائم التي تنتهك القانون الدولي منذ بدء عمل المحكمة في عام 2002 وقعت في دول ليست أطرافاً في المحكمة، ومن ثم فهي خارج اختصاص المحكمة. في مثل هذه الحالات لا يمكن للمحكمة أن تصبح ذات اختصاص بالنظر في الجرائم إلا إذا أحال مجلس الأمن القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو إذا قامت دولة غير طرف في المحكمة طوعاً بمنح المحكمة اختصاص النظر في الجرائم المرتكبة على إقليمها.

وقد لعبت الدول الأفريقية دوراً نشطاً في التفاوض على نظام روما المنشئ للمحكمة، والدول الأفريقية كانت من بين الدول المصدقة المؤسسة لاتفاق روما. ومن بين دول المحكمة الأعضاء الـ 110، توجد 30 دولة من أفريقيا. والأفارقة من بين المسؤولين على أعلى مستوى والعاملين في المحكمة، ومنهم قضاة رشحتهم حكومات أفريقية. وكانت تنزانيا وبنين - دولتان أفريقيتان - من بين أعضاء مجلس الأمن الذين أحالوا الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وفي الوقت نفسه، فإن الأوضاع التي يُطبق فيها العدل الدولي تتسم بعدل المساواة بين كل الحالات، مع ضعف احتمال ملاحقة زعماء الدول القوية أو الدول التي تساندها دول قوية قضائياً من قبل المحاكم الدولية حين يرتكبون جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو أعمال إبادة جماعية. إلا أن العدل يجب ألا يُحجب عن فئات معينة لأنه من المستحيل سياسياً ضمان العدالة للجميع. بل إن على الحكومات أن تعمل على مد مجال المساءلة حيث تقع الجرائم الدولية الجسيمة. ويمكن تحقيق هذا بالعمل على زيادة عدد الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية والإصرار على إحقاق العدالة في الجرائم المرتكبة في دول غير أطراف في المحكمة، مثل سريلانكا وإسرائيل.