قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير جديد أصدرته اليوم إن على المملكة العربية السعودية أن تنفذ إصلاحات بمجال العمل والهجرة والعدالة الجنائية من أجل حماية عاملات المنازل من التعرض لإساءات حقوقية جسيمة ترقى في بعض الحالات إلى الاسترقاق. وعادة ما لا يواجه أصحاب العمل أية عقوبات جراء ارتكاب الإساءات، بما في ذلك عدم دفعهم الأجور لمدد تتراوح بين شهور وسنوات، وتحديد الإقامة قسراً، والعنف البدني والجنسي؛ فيما تواجه بعض عاملات المنازل الحبس أو الجلد إثر توجيه اتهامات زائفة إليهن بالسرقة أو الزنا أو "عمل السحر".

وتقرير "وكأنني لست إنسانة: الإساءات بحق عاملات المنازل الآسيويات الوافدات على المملكة العربية السعودية" الذي جاء في 133 صفحة، هو ثمرة جهود عامين من إجراء البحوث واستناداً إلى 142 مقابلة مع عاملات المنازل ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى ووكلاء استقدام للعمل في المملكة العربية السعودية وفي الدول الراسلة للعمالة.

وقالت نيشا فاريا، الباحثة الرئيسية بقسم حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش: "في أفضل الحالات تتمتع النساء المهاجرات في المملكة العربية السعودية بأوضاع عمل جيدة وأصحاب عمل طيبين، وفي أسوأ الحالات يُعاملن كأنهن من الرقيق. وأغلب الحالات هي بين النقيضين". وتابعت قائلة: "وعلى الحكومة السعودية أن تمد مظلة حماية نظام العمل بحيث تشمل عاملات المنازل، وأن تصلح من نظام الكفالة حتى لا تضطر النساء اللاتي يرغبن بشدة في كسب المال لصالح أسرهن إلى المقامرة بحياتهن".

وتوظف البيوت السعودية ما يُقدر بـ 1.5 مليون عاملة منازل، وهن بالأساس من أندونيسيا وسريلانكا والفلبين ونيبال. وتوجد أعداد أقل من بلدان أخرى أفريقية وآسيوية. وفيما لا توجد إحصاءات موثوقة عن العدد المُحدد لحالات التعرض للإساءات، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية السعودية وسفارات الدول الراسلة للعمالة تؤوي الآلاف من عاملات المنازل اللاتي يشتكين من أصحاب عملهن أو من وكلاء الاستقدام كل عام.

ومن بين الشكاوى الأكثر تكراراً وانتشاراً، الإفراط في العمل وعدم تلقي الأجور لفترات تتراوح بين بضعة شهور و10 أعوام. ويستبعد نظام العمل في المملكة عاملات المنازل من مظلة حمايته، مما يحرمهن من الحقوق المكفولة لغيرهن من العمال، مثل يوم العطلة الأسبوعية والحصول على أجر مقابل العمل لساعات إضافية. وعلى الكثير من عاملات المنازل العمل 18 ساعة يومياً طيلة أيام الأسبوع السبعة.

ويربط نظام الكفالة التقييدي تأشيرات العاملات المهاجرات بأصحاب عملهن، مما يعني أن بإمكان أصحاب العمل حرمان العاملات من القدرة على تغيير الوظيفة أو مغادرة البلاد. وقابلت هيومن رايتس ووتش العشرات من النساء اللاتي قُلن إن أصحاب العمل أجبروهن على العمل ضد رغباتهن لشهور أو سنوات. وعادة ما يُصادِر أصحاب العمل جوازات السفر ويقومون بحبس العاملات في البيوت، مما يزيد من عزلتهن ومن خطر التعرض للإساءات النفسية والبدنية والجنسية. وبعد مقابلة 86 عاملة منازل، خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن 36 منهن واجهن إساءات ترقى لدرجة العمل الجبري أو الإتجار بالأشخاص أو العمل في أوضاع تشبه الاسترقاق.

وقالت نيشا فاريا: "تقدمت الحكومة السعودية ببعض المُقترحات الجيدة للإصلاح لكنها أمضت سنوات تتدارسها دون أن تتحرك بالمرة". وتابعت: "لقد حان أوان إجراء هذه التغييرات، والتي تشمل تغطية عاملات المنازل بنظام العمل لعام 2005 وتغيير نظام الكفالة وألا تصبح تأشيرات العاملات مرتبطة بأصحاب العمل".

وتدير وزارة الشؤون الاجتماعية السعودية بالتعاون مع الشرطة مأوى في الرياض لمساعدة عاملات المنازل على المطالبة بأجورهن والعودة إلى بلدانهن. إلا أن في حالات كثيرة تفاوض العاملون بالمأوى على تسويات غير عادلة للأجور فيما بين أصحاب العمل والعاملات؛ مما يخلف العاملات عادة مُعدمات لأنهن يضطررن للتنازل عن أجورهن مقابل موافقة أصحاب العمل على مغادرتهن البلاد.

والتحقيقات متواضعة المستوى وإجراءات التقاضي الجنائية التي تستغرق سنوات في العادة، تعني أنه نادراً ما يتم إخضاع أصحاب العمل المسيئين عبر نظام العدالة الجنائية. مثلاً بعد ثلاث سنوات من المداولات أسقطت محكمة بالرياض كافة الاتهامات بحق صاحبة عمل نور مياتي، رغم اعتراف صاحبة العمل ورغم أدلة طبية قوية ورغم متابعة الرأي العام الحثيثة للقضية. وكانت نور مياتي – عاملة المنازل الأندونيسية – قد تم بتر أصابع يديها وقدميها جراء حرمانها من الطعام وضربها يومياً من قبل أصحاب عملها.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن العاملات بدلاً من رؤية من أساءوا إليهن يمثلن أمام العدالة، فإنهن يتعرضن لاتهامات عكسية بعمل السحر والسرقة والزنا. وفي هذه الحالات تواجه عاملات المنازل عادة فترات تأخر مطولة في الحصول على خدمات الترجمة والمساعدة القانونية ومساعدة البعثات الدبلوماسية لبلدانهن، أو يُحرمن من المساعدة.

والعقوبات قاسية؛ ففي عينة من القضايا التي درستها هيومن رايتس ووتش كانت عقوبات "عمل السحر" والجرائم "الأخلاقية" من قبيل الزنا والتواجد في صحبة رجال من غير الأقارب، تتراوح بين السجن لعشرة أعوام و60 إلى 490 جلدة. أما عاملات المنازل اللاتي يتعرضن للحمل نتيجة للاغتصاب، فتتم مقاضاتهن أيضاً إذا لم يتمكنّ من الوفاء بمعايير الأدلة الصارمة الخاصة بإثبات التعرض للاغتصاب.

وقالت نيشا فاريا: "نساء كثيرات ممن تحدثت إليهن يخشين تقديم شكاوى خشية توجيه اتهامات عكسية إليهن". وأضافت: "وفي حالات أخرى يتنازلن عن الاتهامات ضد من أساءوا إليهن، حتى لو كانت الأدلة على مزاعمهن دامغة، خشية أن يعلقن في المأوى لسنوات بمعزل عن أسرهن مع عدم القدرة على العمل وفي ظل أقل الفرص الممكنة للحصول على العدالة في نهاية المطاف".

وفي غياب آليات الانتصاف المحلية الفعالة، تلعب سفارات أندونيسيا وسريلانكا والفلبين ونيبال دوراً هاماً في توفير المأوى والمساعدة القانونية ومساعدة من يطالبن بأجورهن أو لديهن قضايا يتم نظرها في المحاكم. وتعد المطالبات التي تصل هذه السفارات أكثر بكثير مما لديها من موارد، وتشتكي عاملات منازل كثيرات من الانتظار لفترات طويلة في ظل أقل المعلومات المتوافرة لهن عن القضايا، وفي حالة أندونيسيا وسريلانكا، يشتكين من اكتظاظ المأوى وعدم نظافته بما يكفي.

وقد دعت هيومن رايتس ووتش المملكة العربية السعودية إلى التحقيق مع أصحاب العمل المسيئين ومعاقبتهم وطالبت بحماية عاملات المنازل من الاتهامات العكسية. كما دعت المملكة العربية السعودية إلى التعاون بشكل أكثر فعالية مع الدول الراسلة للعمالة من أجل مراقبة أوضاع عمل عاملات المنازل، وتيسير عمليات الإنقاذ، وضمان استعادة الأجور غير المدفوعة، وإنشاء مآوى لضحايا الإساءات مع توفير خدمات شاملة لهن، والترتيب لإعادة العاملات إلى بلدانهن سريعاً. وعلى كل من المملكة العربية السعودية وحكومات الدول الراسلة للعمالة أن تسن آليات للمراقبة والمتابعة المنتظمة والدقيقة لمكاتب الاستقدام وممارسات الاستقدام المُتبعة.

ويعمل في المملكة العربية السعودية أكثر من 8 ملايين عامل، ويشكلون تقريباً ثلث سكان السعودية. ويسدون فجوات هامة في مجالات الصحة والإنشاءات والعمل المنزلي، ويدعمون في الوقت نفسه اقتصاديات بلدانهم، إذ أرسلوا إلى بلادهم ما يُقدر بـ 15.6 مليار دولار في عام 2006، وهو ما يُعادل تقريباً 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي للمملكة العربية السعودية.

شهادات مختارة من التقرير
لم يسمح لي صاحب العمل بالعودة إلى أندونيسيا لمدة ستة أعوام وثمانية شهور... لم أحصل على أي راتب، ولا ريال واحد حتى!... لم تغضب مني صاحبة العمل قط، ولم تضربني. لكنها منعتني من العودة إلى أندونيسيا.
- سيتي موجياتي و. عاملة منازل أندونيسية، جدة، 11 ديسمبر/كانون الأول 2006

وبعد فترة بدأ صاحب العمل يُظهر إعجابه بي. ناداني إلى حجرة نومه وقال: أريد أن أخبرك كيف جئت بك من المكتب. دفعت فيك 10000 ريال... . اغتصبني صاحب العمل عدة مرات... أخبرت المدام بكل شيء... ولم ترغب الأسرة في أن أغادر، سواء المدام أو صاحب العمل. أغلقوا كل الأبواب والبوابات. [وبعد الهرب والانتظار في السفارة تسعة أشهر حتى انتهاء المُحاكمة] لا أريد العودة إلى دياري شاعرة بأنني خاوية الوفاض كالآخرين... وذات يوم قالوا لي إن القضية أجهضت [وإنني سأعود إلى بلادي بالترحيل]".
- هايما ج. عاملة منزلية فيليبينية، 17 عاماً، الرياض، 7 ديسمبر/كانون الأول 2006

لم أتلق أي راتب لمدة سنة وخمسة أشهر بالمرة. كلما أطلب النقود يضربوني أو يجرحوني بالسكين أو يحرقونني. كانوا يضربوني على رأسي أيضاً. وحرقوا إحدى ذراعي. وهذا الذراع جرحوه بالسكين. وتوجد علامات على ظهري أيضاً. ظهري يؤلمني بأكمله. لقد ضربوني على جسدي كله. كانوا يمسكون برأسي ويضربونه بالحائط. وكلما طلبت راتبي يقع شجار.
- بوناما س. عاملة منازل سريلانكية، الرياض، 14 ديسمبر/كانون الأول 2006

للاطلاع على تقرير هيومن رايتس ووتش "وكأنني لست إنسانة: الإساءات بحق عاملات المنازل الآسيويات الوافدات على المملكة العربية السعودية"، يُرجى زيارة:
https://www.hrw.org/reports/2008/saudiarabia0708/saudiarabia0708arweb.pdf