قالت هيومن رايتس ووتش والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم إن على مصر السماح لكل المواطنين بتسجيل دياناتهم الفعلية عند إلزامهم بذكر الديانة في الوثائق الرسمية. وأضافت المنظمتان أن الممارسات التمييزية للحكومة ـ والمتمثلة في عدم السماح سوى بتسجيل إحدى ثلاث ديانات وفي حرمان المتحولين عن الإسلام من إثبات ديانتهم الحقيقية ـ تنتهك طائفة كبيرة من الحقوق وتتسبب في قدر هائل من المعاناة.

وفي تقرير من 98 صفحة يحمل عنوان "هويات ممنوعة: انتهاك الدولة لحرية المعتقد"، قامت هيومن رايتس ووتش والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية بتوثيق امتناع مسؤولي وزارة الداخلية بشكل منهجي عن السماح للبهائيين والمتحولين عن الإسلام بتسجيل معتقدهم الديني الحقيقي في بطاقات تحقيق الشخصية وشهادات الميلاد وغيرها من الوثائق الضرورية. ولا يستند المسؤولون في هذه السياسية إلى أي قانون مصري، وإنما إلى تفسيرهم للشريعة الإسلامية. وتمتد آثار هذه السياسة إلى نواحي عديدة من الحياة اليومية للأشخاص المتأثرين بها، بما في ذلك اختيار الزوج أو الزوجة، وتعليم الأطفال، بل وحتى إجراء أبسط التعاملات المالية وغيرها من التعاملات.

وقال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يبدو أن مسؤولي وزارة الداخلية يعتقدون أن من حقهم اختيار ديانة المواطن حين لا تعجبهم الديانة التي يختارها"، وتابع قائلاً "على الحكومة إنهاء رفضها التعسفي للاعتراف بالمعتقدات الدينية للأشخاص. فهذه السياسة تضرب هوية الشخص في مقتل، وتبعاتها العملية تلحق أبلغ الضرر بحياة الأشخاص اليومية".

ويلزم القانون جميع المصريين لدى بلوغ سن 16 عاماً استخراج بطاقة تحقيق الشخصية. وهذه الوثيقة شديدة الأهمية لإجراء كافة التعاملات الأساسية كفتح حساب بنكي واستخراج رخصة قيادة ودخول الجامعة والالتحاق بوظيفة وتحصيل المعاش. وتختص مصلحة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية بإصدار هذه البطاقات بالإضافة لوثائق أخرى مثل شهادات الميلاد، وكلها مطلوب فيها ذكر الديانة. لكن مسؤولي الوزارة لا يسمحون سوى باختيار واحدة من الديانات "السماوية"، وهي الإسلام أو المسيحية أو اليهودية. ولا ينص أي قانون مصري على هذا القيد، لكن المسؤولين يقولون إنهم يتصرفون بناء على فهمهم لمتطلبات الشريعة الإسلامية، مما يؤدي إلى حرمان المصريين البهائيين من هذه الوثائق الضرورية.

وبالمثل، يرفض هؤلاء المسؤولون الاعتراف بتحول أي مسلم عن دينه إلى ديانة أخرى في وثائق إثبات الشخصية، على الرغم من سماح قانون الأحوال المدنية المصري بتغيير أو تصحيح المعلومات في الوثائق الرسمية، بما في ذلك تغيير الديانة، وذلك بمجرد تسجيل المعلومات الجديدة في الوثائق. ويتذرع مسؤولو وزارة الداخلية بحظر الشريعة الإسلامية لأي "ارتداد" عن الدين باعتبار هذا حجة لرفض طلبات تغيير الديانة، حتى بالنسبة للمصريين الذين يولدون مسيحيين ثم يتحولون للإسلام وبعدها يرغبون في العودة إلى المسيحية.

ويوثق تقرير "هويات ممنوعة" الأسلوب الانتقائي الذي تنتهجه الحكومة المصرية في استخدام الشريعة من أجل تبرير حرمان بعض المواطنين من حقوقهم التي يكفلها لهم القانون المصري وقانون حقوق الإنسان الدولي بشأن حرية الاعتقاد الديني دونما تفرقة أو عقوبة.

وقد أجرت هيومن رايتس ووتش والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أكثر من 40 مقابلة مع الضحايا والمحامين والقيادات الدينية والمجتمعية أثناء التحضير لهذا التقرير. فضلاً عن دراسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لملفات 304 دعوى قضائية أقامها الضحايا وذووهم، وكذلك قرارات المحاكم العليا والقوانين ذات الصلة بالموضوع. وكانت هيومن رايتس ووتش قد طلبت عقد اجتماع مع رئيس مصلحة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية وتم رفض الطلب. ثم قدمت هيومن رايتس ووتش أسئلة إلى وزير الداخلية حبيب العادلي (ملحقة بالتقرير) لكن لم يتم الرد على أي من الرسالتين.

وقال حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: "إن أبحاثنا تثبت بوضوح أنه لا يوجد حكم قطعي وثابت للشريعة الإسلامية إزاء المتطلبات الإدارية الخاصة بذكر الديانة في الوثائق الرسمية للدولة الحديثة". وأضاف: "وعلى المسؤولين انتهاج سياسة تصون المبادئ الأساسية للعدالة والمساواة، بدلاً من منهج ينتهك حقوق المواطنين بشكل مباشر".

وقد تفاقمت حدة المشكلة في السنوات الأخيرة على الأخص بعد بدء وزارة الداخلية الاستعانة بالحاسب الآلي في إصدار وثائق "الرقم القومي". ويقول المسؤولون إنه في المستقبل القريب – ربما في أوائل عام 2008 – سيتوجب على جميع الأشخاص الذين يحملون بطاقات سارية استبدالها بالوثائق الصادرة عبر الحاسب الآلي، وأنه لا يوجد خيارات أخرى يمكن كتابتها في خانة الديانة غير الإسلام أو المسيحية أو اليهودية.

وروى الكثير من المصريين تمت مقابلتهم أثناء إعداد التقرير كيف حاول مسؤولو وزارة الداخلية تهديدهم أو رشوتهم لكي يختاروا الإسلام كديانة ضد رغباتهم المعلنة.

وقد دعت هيومن رايتس ووتش والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية السلطات لإسقاط التهم عن الأشخاص الذين اضطروا إلى تزوير وثائق إثبات الشخصية الخاصة بهم فقط لأن الحكومة رفضت أن تعترف بديانتهم الحقيقية.

وقال جو ستورك: "سياسة وزارة الداخلية الآن هي: إذا كذبت سنعطيك الوثائق التي تحتاجها، لكن إذا قلت الحقيقة بشأن ديانتك فسوف نجعل حياتك تعيسة لأننا سنمنعها عنك". وأضاف: "إن هذا يعد عقاباً للأشخاص فقط على أساس معتقداتهم الدينية".

وقد قاوم بعض المصريين هذه السياسات المسيئة عبر إقامة دعاوى ضد المسؤولين أمام المحاكم الإدارية المصرية. ومن المقرر أن تصدر المحكمة الإدارية العليا في مصر قراراً نهائياً في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري حول حق المسيحيين المتحولين إلى الإسلام في العودة إلى المسيحية. ويتوقع أن يكون لقرار المحكمة تأثير بالغ على الوضع القانوني لأنماط أخرى من تغيير الديانة، بل وعلى أوضاع حرية الدين والمعتقد في مصر بشكل عام.

وكان المجلس القومي لحقوق الإنسان، المنشأ من قبل الحكومة، قد رفع مذكرة إلى الحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2006 أوصي فيها الحكومة بحذف خانة الانتماء الديني من بطاقات الرقم القومي أو العودة لسياسة كتابة كلمة "أخرى" في خانة الديانة لمن يرغب.

وقال حسام بهجت: "إن حذف خانة الديانة من بطاقات الرقم القومي بمثابة رسالة قوية عن حياد الدولة إزاء الانتماء الديني للمواطنين، لكن أساس المشكلة هو إصرار الحكومة على تسجيل ديانة غير حقيقية للمواطنين في سجلاتها المركزية. وهذا هو ما يجب على الحكومة أن تقوم بمعالجته دون إبطاء".

شهادات من "هويات ممنوعة":
حاولت استخراج بطاقة الرقم القومي. في استمارة الطلب كتبت بهائي أمام خانة الديانة. رفض الموظف استلام الاستمارة وطلب مني أن أقدم شهادة ميلادي. أبرزت له الشهادة التي تثبت أنني بهائي مولود لأبوين بهائيين. رغم ذلك رفض الموظف قبول الاستمارة وطلب مني أن أقدمها إلى المكتب الرئيسي في القاهرة. عندما ذهبت إلى القاهرة قابلت ضابطاً يدعى وائل، فتح درج مكتبه وأخرج كومة كبيرة من المستندات والأوراق وقال، "انظر، كل هذه استمارات من بهائيين يرغبون في استخراج بطاقات رقم قومي. لن تحصلوا عليها أبداً".
نير نبيل، القاهرة

بطاقتي تقول إنني مسلم. أحد الخيارات المطروحة هو أن أحصل على بطاقة مزورة، ولكن هذا ليس خياراً بالنسبة لي. الأطفال هم الأساس. انتقلنا إلى الإسكندرية لأنها أكبر بكثير فنستطيع الاختفاء فيها. ولكن هذا لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، لدواع نفسية وقانونية أيضاً. ستقول شهادات ميلاد الأطفال إنهم مسلمون، ولكنهم تربوا على المسيحية. ومع بداية دخولهم المدارس، ستبدأ المشاكل الحقيقية. حصص الدين تبدأ من سنة أولى.
تم حجب الاسم بناء على طلب صاحبه، القاهرة

توفي زوجي سنة 2003. كان يعمل لدى شركة العامرية للبترول. والآن أحتاج إلى بطاقة تحقيق شخصية من أجل تحصيل معاش زوجي من البنك أو من مكتب البريد. من المفترض أن أحصل على 70 في المائة من راتب زوجي، ولكنني لم أحصل على أي شيء منذ وفاته. اضطر الآن إلى الاعتماد على أبنائي لإعالتي لأنني ليس لدي أي مورد رزق آخر. كل إنسان حر. لا يجب أن تكون الدولة مسؤولة عن تحديد ديانة أي إنسان.
قدسية حسين روحي، الإسكندرية

حاولوا في أمن الدولة إقناعنا نحن الاثنين بأن نكون مسلمين. كنا في غاية الإرهاق، لم نأكل أي شيء منذ أكثر من 24 ساعة. وعندما فشلوا في إقناعنا بأن نكون مسلمين، أحالونا إلى التحقيق. ومن الساعة الخامسة صباحاً حتى الخامسة مساءً، كان يتم استجوابنا في أمن الدولة. قالوا أنهم سيوجهون لنا تهماً بالتزوير.
تم حجب الاسم بناء على طلب صاحبته، مصر الجديدة

بدون بطاقات تحقيق شخصية للبهائيين [يمكن للحكومة يوماً ما أن تقول]: أرأيتم؟ ليس لدينا بهائيون في مصر.
لبيب إسكندر، القاهرة

قال إنني ارتكبت معصية وسألني عن سبب رغبتي في العودة إلى المسيحية، وقال: "إن كان حظك سيئاً مع زوجك الأول، كان يجب عليك أن تجدي رجلاً مسلماً آخر". وعرض علي المساعدة والخدمات، حيث قال: "يمكن أن أجد لك رجلاً مسلماً طيباً. وإن كان الأمر يتعلق بالنقود، يمكن أن نساعدك في العثور على عمل. إذا كنت تريدين العودة إلى أسرتك بسبب عدم وجود بديل، سنساعدك في العثور على شقة." وعندما صممت على أن أبقى مسيحية، قال لي: "حسناً، إذن يجب علينا أن نفتح تحقيقاً في تهمة التزوير".
جلسن صبحي كامل، القاهرة

للاطلاع على التقرير:
https://www.hrw.org/reports/2007/egypt1107