قالت هيومن رايتس ووتش اليوم أن على الحكومة المصرية أن تلاحق قضائياً المسئولين عن الضرب والاعتداء جنسياً على أحد الأشخاص من القاهرة أثناء احتجازه لدى الشرطة في العام الماضي.

قال عماد الكبير، وهو سائق ميكروباص من حي بولاق الدكرور في الجيزة، لـ هيومن رايتس ووتش أن عنصرين بملابس مدنية احتجزاه يوم 18 يناير/كانون الثاني 2006 بعد أن تدخل في مشاجرةٍ بين هذين العنصرين وبين ابن عمه. وقال عماد أن الرجلين ضرباه في الشارع أول الأمر ثم أخذاه إلى قسم شرطة بولاق حيث قام رجال الشرطة (ومن بينهم اثنان على الأقل من الحي تعرف عليهما) بربط ساقيه وقدميه وجلده بقسوة شديدة. ثم جردوه من ملابسه ورفعوا ساقيه واغتصبوه بعصا بينما كان أحدهم يصور المشهد بهاتفه المحمول. وقد أخلت الشرطة سبيل عماد الكبير بعد 36 ساعة دون توجيه أي اتهام له.

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يجب على المسئولين عن هذه الجريمة المقززة المثول أمام العدالة". وأضافت: "وعلى الحكومة توجيه رسالةٍ مفادها أنها لن تتسامح مع التعذيب من جانب الشرطة أو غيرهم من موظفي الحكومة".

ويقول عماد الكبير أن رجال الشرطة وزعوا التسجيل المصور على بقية سائقي الميكروباصات في الحي وقالوا له أنهم فعلوا ذلك "لكسر عينه" ولإيصال الرسالة إلى بقية السائقين. وانتقل هذا التسجيل من هاتفٍ محمولٍ إلى آخر حتى وصل إلى الإنترنت في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني 2006 فأثار غضباً شديداً واهتماماً صحفياً كبيراً. وسرعان ما وصل وائل عبد الفتاح، وهو صحفيٌّ في جريدة الفجر الأسبوعية، إلى عماد الكبير ونشر قصته في عدد 11 ديسمبر/كانون الأول من الصحيفة.

وقال عماد الكبير لـ هيومن رايتس ووتش أنه، وبعد نشر القصة، تلقى كثيراً من المكالمات على هاتفه المحمول تحمل تهديداتٍ له ولأسرته إن هو لم يلتزم الصمت. وفي 12 ديسمبر/كانون الأول، أوردت صحيفة الأهرام المصرية شبه الحكومية قصة مختصرة ولكن صادقة قالت فيها أن عماد كذّب القصة التي نشرتها صحيفة الفجر، وأنه يعتزم مقاضاة الصحيفة جراء نشرها. لكن عماد قال أمام النائب العام في اليوم التالي، وبعد تشجيعٍ من ناصر أمين، محامي حقوق الإنسان، أن التهديدات هي التي جعلته يعود عن روايته وأنه يطلب من النيابة العامة حمايته وتوجيه الاتهام إلى من اعتدوا عليه. وسرعان ما فتحت النيابة العامة تحقيقاً في الأمر.

قالت ويتسن: "ليست هذه القضية إلا قمة جبل الجليد". وأضافت: "إن التعذيب منتشرٌ في مراكز الاحتجاز المصرية. وأن الملاحقة القضائية للعناصر المسئولة عن التعذيب ليست مسألة التزام قانوني فقط، بل يجب ردع رجال الشرطة عن ارتكاب إساءات جديدة".

ومصر من الدول الموقعة على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وعلى الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب)؛ وهي بالتالي ملزمةٌ بحظر أي شكل من أشكال التعذيب وسوء المعاملة، وكذلك باتخاذ خطوات إيجابية لحماية الضحايا من خلال إجراء تحقيقات سريعة وشاملة ونزيهة في جميع مزاعم التعذيب، وبتوجيه التهم الجنائية حيث يلزم. وتنص المادة 42 من الدستور المصري على أن أي شخص محتجز "تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً".

ويعتبر قانون العقوبات المصري أن التعذيب جنايةً؛ لكن تعريف جريمة التعذيب لا يرقى إلى التعريف الوارد في المادة رقم 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب. فعلى سبيل المثال، يرد في المادة 126 من قانون العقوبات أن التعذيب يقتصر على الإساءة الجسدية ولا يحدث إلا عندما يكون الضحية "متهماً" وعند استخدامه كوسيلةٍ لانتزاع الاعتراف. وهذا التعريف الضيق يستبعد (على نحوٍ خاطئ) حالات الإساءة النفسية والعقلية، كما يستبعد الحالات التي يرتكب فيها التعذيب ضد شخصٍ "غير متهم" أو لغايةٍ غير انتزاع الاعتراف. وكثيراً ما قدم المشرّعون المصريون المعارضون إلى مجلس الشعب مشاريع قوانين تهدف إلى تغيير القانون الحالي بما ينسجم مع التعريف الدولي للتعذيب، ولكن بدون نتيجة.

قالت ويتسن: "أن مقاضاة المسئولين عن الجرائم التي وردت في تسجيل الفيديو قد تعتبر خطوةً إيجابية أولى". وأضافت: "لكنها لابد ألا تكون الخطوةً الأخيرة. فعلى الحكومة المصرية تغيير الثقافة السائدة التي تجعل من التعذيب أمراً معتاداً في السجون المصرية".