قالت هيومن رايتس ووتش اليوم أن على السعودية وضع حد فوري للتمييز بحق 100,000 من المقيمين التشاديين المولود معظمهم في المملكة لكنهم يواجهون إنكاراً متزايداً لحقهم في التعليم والرعاية الطبية الإسعافية. إن القرار السعودي بجعل الأطفال التشاديين هدفاً للطرد من المدارس قرار متعسف وتمييزي.

فخلال العامين الماضيين توقفت الحكومة السعودية عن تجديد إقامات جميع التشاديين والتي تتراوح مدتها بين عام واحد وعامين حسبما علمت هيومن رايتس ووتش من خلال مقابلات هاتفية مع ستة مواطنين تشاديين يقيمون في جدة ومحيطها. وعلى هذا النحو سيصبح حوالي 100,000 تشادي مقيم في السعودية محرومين من تصاريح الإقامة بحلول نهاية أغسطس/آب. إن الغالبية الساحقة من هؤلاء مولودون في المملكة ولم يسبق لهم العيش في تشاد قطً، بل أن كثيراً منهم لم يزر القارة الأفريقية أبداً. وبموجب قانون الجنسية السعودي يكاد يستحيل على التشاديين اكتساب المواطنة السعودية لأنهم لا يستوفون المعايير التعليمية والمالية المطلوبة لذلك.

وقال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "من حق السعودية أن تحدد من هم الأجانب المسموح لهم بدخول البلاد وأن تقرر مدة بقائهم فيها. ما إن يتم السماح لهم بدخول البلاد قانونياً، حتى يصبح من غير الجائز ممارسة التمييز بحقهم انطلاقاً من جنسيتهم الأصلية، وذلك من حيث حقهم في التعليم الأساسي والعدالة والرعاية الطبية في الحالات الطارئة".

وقال مواطنون تشاديون مقيمون في المملكة لهيومن رايتس ووتش أن استهداف التشاديين بدأ بعد أن أسفرت عملية سعودية في إطار مكافحة الإرهاب في مكة في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 إلى اعتقال تشادي ومصري وأربعة سعوديين. وفي يونيو/حزيران أبلغ الدكتور مفلح القحطاني نائب رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان والتي وافقت الحكومة على إنشائها، هيومن رايتس ووتش، أن لمشكلة التشاديين "خلفيةً أمنية". وفي 28 يونيو/حزيران نشرت الحكومة السعودية القائمة الرابعة من أسماء المشتبه فيهم المطلوبين لأسباب تتصل بالإرهاب الداخلي. وكان من بينهم ثلاثة مواطنين تشاديين مقيمين خارج المملكة طبقاً لما أعلنه وزير الداخلية السعودي.

وفي حديثهم مع هيومن رايتس ووتش، رفض التشاديون المقيمون في السعودية فكرة الربط بينهم وبين الإرهاب. كما رفضوا التدابير الحكومية بوصفها عقاباً جماعياً مشيرين إلى عدم وجود سمات تشادية مميزة لدى التشاديين الثلاثة الذين وردت أسماؤهم في القائمة، فقد ترعرعوا ضمن الثقافة السعودية وظهرت أسماؤهم بجوار أسماء السعوديين. وذكروا أنه رغم عدم إعلان الحكومة عن سياسة وقف تجديد إقامات التشاديين، فإن موظفي الهجرة أبلغوهم بأن وزارة الداخلية قد قررت ذلك. وخلال العامين الماضيين كان الموظفون السعوديون يرفضون، روتينياً ومن غير توضيح، إصدار التصريح المعتاد بالإقامة لسنة أو اثنتين للتشاديين المقيمين بمن فيهم من يحظون بكفالة أرباب عملهم منذ وقت طويل. وبدون هذه التصاريح، يوجب القانون على أرباب العمل السعوديين طرد هؤلاء التشاديين الذين غالباً ما يشتغلون عمالاً في الميناء الإسلامي بجدة أو في وظائف سكرتاريا مكتبية.

كما تطرد المدارس العامة الأطفال التشاديين أيضاً لأن أهلهم لم يتمكنوا من تجديد إقاماتهم. وقد حصلت هيومن رايتس ووتش على نسخة من تعميم صادر عن فرع تعليم الإناث في وزارة التعليم السعودية يبلغ المدارس بأن الوزارة درست "مسألة الجنسية التشادية". ويقول التعميم الذي صدر في 26 ديسمبر/كانون الأول وحمل عبارة "هام وعاجل" أن "جرائم [التشاديين] تزايدت كثيراً"، وطلب من المعلمين ملء استبيان مرفق يقدم معلومات عن الطالبات التشاديات من قبيل الدخل الشهري للأسرة ووضعها من حيث العمل ونوع العمل، إضافةً إلى وجود أية سوابق عنف لدى الأسرة أو أي سلوك عنيف من جانب التلميذات.

وذكر لنا أحد التشاديين في جدة عبر الهاتف أن الحكومة بدأت، منذ أوائل مارس/آذار، تستهدف الأطفال التشاديين بالطرد من المدارس العامة. وهي تسمح لهم بالعودة بعد ستة أسابيع إذا تمكنوا من تجديد تصاريح الإقامة وحصلوا على براءة ذمة شخصية من وزارة التعليم. وبما أن الحكومة تمتنع عن تجديد إقامات أعداد متزايدة من الأسر التشادية فإن المدارس تجعل الطرد نهائياً، ولا يعود بمقدور التلاميذ التشاديين الذهاب إلى المدرسة بعد ذلك.

ولا يسمح للأجانب بالانتساب إلى الجامعات السعودية بشكل اتوماتيكي، وقد ذهب بعض التشاديين المقيمين في المملكة للدراسة في الخارج، وفي أوروبا على وجه الخصوص. وبعد أن بدأت الحكومة السعودية ترفض تجديد إقامات التشاديين، صار موظفو الهجرة والجوازات يرفضون وضع ختم "مغادرة وعودة"، بل راحوا يضعون ختم "مغادرة نهائية" عندما يذهب هؤلاء الطلاب للدراسة. ومن الواضح أن ذلك يعنى عدم قدرتهم على العودة إلى السعودية التي عاشوا فيها طيلة حياتهم والتي ما زالت أسرهم مقيمة فيها. وقال لنا ثلاثة طلاب تشاديين يدرسون في بريطانيا وألمانيا والنرويج أنهم ممنوعون من العودة إلى المملكة العربية السعودية كما هو حال جميع الطلاب التشاديين الذين يعرفونهم.

إن وقف تجديد إقامات التشاديين خطر على حياتهم أيضاً، فهو يمنع استفادتهم من الإسعاف الطبي في حالات الطوارئ. وقد أخبرنا تشاديان يقيمان في المملكة أن المستشفيات الحكومية رفضت تقديم الإسعاف لبعض أقاربهم الذين لم تجدد إقاماتهم. وقال أحد المقيمين في جدة أن عمته توفيت بين يديه يوم 1 مارس/آذار عند بوابة مستشفى الملك عبد العزيز بعد معاناتها مما يعتقد أنه نوبة قلبية. حيث رفض العاملون في المستشفى قبولها وقالوا لهم أن يذهبوا بها إلى مستشفى خاص أو إلى صيدلية لأن مدة إقامتها منتهية. وقال تشادي آخر أن أحد مشافي جدة رفض العام الماضي قبول شقيقته الحامل ولم يتراجع عن ذلك إلا عندما أوشكت على الولادة عند البوابة. وقال أن المستشفيات العامة كانت تقبل إسعاف المقيمين التشاديين، لكنها لم تعد تقبل ذلك الآن.

هذا وتقوم الشرطة باحتجاز الأشخاص الذين لا يحملون تصاريح إقامة سارية المفعول وتودعهم مراكز الترحيل. ويتم ترحيل حاملي جوازات السفر التشادية إلى العاصمة التشادية نجامينا حتى ولو لم يكونوا قد ذهبوا إليها من قبل. لكن أعمال الترحيل توقفت في شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار بسبب تزايد الإضطرابات في تشاد. وليس مؤكداً ما إذا كان الترحيل قد استؤنف في يوليو/تموز. والمملكة العربية السعودية ليست من الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وليست لديها إجراءات للتأكد من أن مخاوف التشاديين من تعرضهم للملاحقة إذا أرسلوا إلى تشاد مشروعة أم لا.

وقالت امرأة تشادية مقيمة في جدة، هيومن رايتس ووتش هاتفياً، أن الشرطة اعتقلت أمها العجوز قرابة خمسة أشهر بعد أن انتهت مدة إقامتها. وأكدت أن أمها أمضت أشهراً في مركز الترحيل دون رعاية طبية ودون طعام كافٍ وفي ظروف من الازدحام. وقد توفيت عقب ترحيلها إلى تشاد.

أما الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في جدة، والتي سبق لها القول بأنها عاكفة على معالجة مشكلة التشاديين في المملكة، فلم تجب على استفسار خطي قدمته هيومن رايتس ووتش بشأن المقيمين التشاديين الذين يتعرضون للتمييز والترحيل. وكانت هذه الجمعية، التي أسسها بعض أعضاء مجلس الشورى السعودي، قد تلقت تمويلها الأولي من الملك عبد الله الذي كان ولياً للعهد، وهي تعمل بموافقة حكومية. لكن الهيئة العربية السعودية لحقوق الإنسان (وهي تتمتع بمنزلة وزارية) تقبلت استفسارنا في 24 يوليو/تموز ووعدت بتقديم معلومات مستمدة من وزارة الداخلية حول وضع التشاديين. وفي يونيو/حزيران، أصدر الملك عبد الله أمراً للوزارات يقضي بالإجابة على استفسارات هيئة حقوق الإنسان في غضون أسبوعين أو ثلاثة، وذلك في أعقاب شكوى قدمها رئيس الهيئة. لكن الهيئة لم توافنا بأية معلومات حتى يوم 29 أغسطس/آب.

ودعت هيومن رايتس ووتش الحكومة السعودية إلى وقف التمييز المستند إلى الجنسية فقط بحق التشاديين. كما دعتها إلى أخذ طول مدة إقامتهم في المملكة وعدم وجود ما يربطهم ببلدهم الأصلي بعين الاعتبار كعاملين يؤيدان تجديد إقاماتهم. كما إن على الحكومة السعودية تقديم التعليم الأولي المجاني لجميع التشاديين الذين يعيشون في البلاد بصرف النظر عن وضعهم من حيث قوانين الهجرة والإقامة، وذلك تماشياً مع التزامات المملكة بموجب اتفاقية حقوق الطفل التي وافقت عليها في يناير/كانون الثاني 1996. وعليها أيضاً التعجيل في توفير الرعاية الصحية الإسعافية لجميع من يحتاجونها دون التمييز بينهم انطلاقاً من جنسياتهم أو أوضاعهم من حيث قانون الهجرة والإقامة.