ونحن نكتب إليكم بهذه المناسبة لندعوكم إلى إطلاق سراح أحد هؤلاء السجناء الذي يختتم اليوم سنته الأولى في السجن. فقد استنفذ السجين علي رمزي بالطيبي جميع الطرق القانونية بعد أن ثبتت محكمة الاستئناف الحكم الصادر بحقه ورفضت محكمة النقض ردّه بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول.

ونحن نكتب إليكم بهذه المناسبة لندعوكم إلى إطلاق سراح أحد هؤلاء السجناء الذي يختتم اليوم سنته الأولى في السجن. فقد استنفذ السجين علي رمزي بالطيبي جميع الطرق القانونية بعد أن ثبتت محكمة الاستئناف الحكم الصادر بحقه ورفضت محكمة النقض ردّه بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول.

وينص القانون التونسي على تنفيذ أحكام القضاء باسم رئيس الجمهورية (المادة 64)، كما يعطي الدستور الرئيس سلطة إصدار العفو (المادة 48).

ونحن ندعوكم إلى إطلاق سراح السيد بالطيبي دون شروط لأننا نرى (وللأسباب الواردة أدناه) أنه سجن بسبب ممارسته حقه في حرية التعبير. كما نلاحظ أن المحكمة استندت في قرارها بوجود النية الإجرامية لديه على اعترافات يقول المتهم أنه أدلى بها بفعل التعذيب؛ وهو ادعاءٌ رفضت المحكمة التحقيق فيه.

ومما يثير قلقنا أيضاً كون الدعوى ضد السيد بالطيبي قد نتجت عن قيامه بنسخ وإعادة إرسال بعض المواد عبر الإنترنت من خلال أحد منتديات النقاش. وفي هذه الحالة، فإن الجهة التي أقامت الدعوى ضده تبعث إلى التونسيين برسالةً مفادها أنهم معرضون للسجن إذا تلقوا أو تبادلوا عبر الإنترنت معلومات ترى الحكومة بأنها ذات صبغةٍ متطرفة؛ وذلك حتى في غياب الدليل القاطع على أن لدى الشخص المعني أية نيةٍ بارتكاب أعمال عنف أو التهديد بها، أو على أن نشاط ذلك الشخص عبر الإنترنت يمكن أن يحرض الآخرين على ارتكاب تلك الأفعال الإجرامية.

وقد اعتقلت الشرطة بالطيبي يوم 15 مارس/آذار 2005 وفتشت منزله الكائن في كرام قرب تونس العاصمة؛ ويقال أنها صادرت أوراقاً شخصية وكتباً وأقراصاً مدمجة. وهي تتهمه بنسخ بيان عن الإنترنت يهدد تونس بهجماتٍ إرهابية، وكذلك بإعادة إرساله من خلال أحد منتديات النقاش الذي يساهم في إدارته عبر الإنترنت. وقد قام بالأفعال المذكورة مساء 13 مارس/آذار 2005 من خلال حاسب موجود في أحد مقاهي الإنترنت الذي يعمل فيه بدوامٍ جزئي في كرام.

وبعد أسبوعين من ذلك، أي في 28 مارس/آذار، أصدرت محكمة بداية الجزاء التونسية حكماً على السيد بالطيبي بالحبس خمس سنوات وبغرامة قدرها 1000 دينار (حوالي 270 دولار أمريكي) (دعوى رقم 12751). وقد جرّمت المحكمة بالطيبي بموجب المادة 222 من قانون العقوبات التي تفرض عقوبة الحبس أقصاها خمس سنوات بسبب "كل شخص يهدد غيره باعتداء يوجب عقاباً جنائياً". وقد أيدت محكمة الاستئناف هذا القرار بتاريخ 17 يونيو/حزيران، لكنها خففت الحكم إلى أربع سنوات (دعوى رقم 7309). ويمضي بالطيبي، المولود عام 1976 والذي لم يسبق له ارتكاب أية جريمة، حكمه في سجن برج الرومي في بيزرت.

أما البيان الذي حكم على بالطيبي بسبب إعادة إرساله فهو موقعٌ من قبل جماعةٍ تدعو نفسها "جماعة جند الإسلام الجهادي ـ لواء عقبة بن نافع". وتهدد الجماعة تونس بالسيارات المفخخة وقالوا "سنحول السفارات الأجنبية إلى برك من الدماء" إذا قام رئيس وزراء إسرائيل أرييل شارون بزيارة تونس. (وقد صدر البيان رداً على تقارير إخبارية في شهر فبراير/شباط 2005 تقول بأن شارون كان من بين الزعماء المدعوين لحضور قمة مجتمع المعلومات التي انعقدت في تونس برعاية الأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2005).

ومهما يكن مقدار الشجب الذي يستدعيه هذا البيان، فإن المحكمة لم تتهم بالطيبي بكتابته. فقد قررت أنه قام بنسخه عن موقع معروف باسم "القلعة"، ثم بإرساله عبر موقعٍ آخر هو "منتدى الإخلاص". وقد رأت المحكمة أن هذا الفعل "يكتسي صيغة تهديد واضحة للحكومة التونسية، وهو ما يشكل في جانبه جريمة الفصل 222"، وذلك لأن غاية بالطيبي كانت "لتعميمه على المبحرين للإطلاع عليه وللحث على الاحتجاج توجاه زيارة شارون إلى تونس". أما منتدى الإخلاص فهو أصلاً موقعٌ للنقاش يقوم المشاركون فيه بإرسال الآراء والمواد (اللاذعة أحياناً) المتعلقة بالسياسة الدولية وبالحركات الإسلامية والجهادية، وذلك باللغة العربية.

أما "اعتراف" بالطيبي الذي قدم إلى المحكمة فهو محضر الشرطة رقم 1/267 بتاريخ 15 مارس/آذار 2005 المروَّس برمز إدارة الأمن العام، الفرع الجنائي. ويقول المحضر أن بالطيبي قد اعترف بأن غايته هي إثارة الاحتجاج. ولم يتطرق قرار المحكمة إلى كون بالطيبي قد أنكر هذا الاعتراف أثناء المحاكمة قائلاً بأنه قام بالتوقيع على المحضر دون قراءته لأن الشرطة ضربته وهددته أثناء احتجازه.

وقد قال أفراد عائلة بالطيبي لهيومن رايتس ووتش أن الشرطة نقلته بعد اعتقاله إلى زنزانةٍ في وزارة الداخلية الكائنة في وسط العاصمة تونس حيث قام عناصرها بضربه بالعصي على جميع أنحاء جسده وخاصةً على أسفل قدميه (نوع من التعذيب يسمى الفلقة). ويقال بأنهم هددوه بتعذيبه بالصدمات الكهربائية إذا لم يوقع على الاعترافات، وذلك طبقاً لأقوال أحد أقارب بالطيبي الذي اتصل به أحد السجناء المفرج عنهم هاتفياً ليخبره بأنه شاهد بالطيبي في سجن "9 أبريل" بتونس. (وقد نقل إلى هناك بعد قضاء فترة الاحتجاز تحت الملاحظة).

تشعر هيومن رايتس ووتش بالقلق الشديد لأن محكمة البداية، برئاسة القاضي محرز حمامي، امتنعت عن التحقيق فيما إذا كان اعتراف بالطيبي أمام الشرطة ناتجاً عن القسر. وقد طلب محامي بالطيبي، السيد عبد الفتاح مورو، من القاضي إصدار أمر بإجراء الفحص الطبي عليه للتأكد من وجود دليل على التعذيب. كما قال السيد مورو لهيومن رايتس ووتش أنه قدم التماساً إلى القاضي لكي يأمر المتهم بالكشف عن أسفل قدميه أمام المحكمة بحيث تتمكن من رؤية ما يمكن أن تحمله من آثار التعذيب.

وقد رفض القاضي حمامي هذه الطلبات رغم أن المحكمة (التي استمرت يوماً واحداً) قد انعقدت بعد 13 يوماً فقط من احتجاز بالطيبي؛ مما يعني احتمال وجود آثار ظاهرة للتعذيب. كما لم يذكر القاضي في قراره أن بالطيبي قد تقدم بأي طلبٍ من هذا القبيل.

أننا نشكر المسئولين التونسيين الذين أرسلوا لنا ردوداً مكتوبة بشأن هذه القضية، لكن محتوى هذه الردود كان مخيباً لآمالنا. ونحن نشير هنا إلى رسالة بتاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول بعنوان "توضيحات من مصدر قضائي تونسي بشأن قضية علي رمزي بالطيبي". وقد وردتنا رداً على رسالة بعثنا بها إلى وزير العدل بشير التكاري يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني؛ وهي تقول:

"يفسر سبب رفض المحكمة طلب بالطيبي بإجراء الفحص الطبي بأن المحكمة، وبشكل عام، لا توافق على طلبات من هذا القبيل إلا إذا تكونت لديها قناعة عميقة بوجود سبب موضوعي للاعتقاد بمصداقية هذه الادعاءات".
(« Le rejet, par le tribunal de sa demande d’être soumis à des examens médicaux, s’explique par le fait que le tribunal n’accepte pas, en général, une telle requête s’il n’a pas dans son intime conviction des raisons objectives de croire à la crédibilité d’une telle allégation. »)

وسنكون شاكرين لمن يشرح لنا كيفية التوفيق بين هذا التفسير وبين قانون أصول المحاكمات الجزائية التونسي الذي يضمن للمتهم، في المادة 13 منه، حق المطالبة بالفحص الطبي. كما نحب أن نعرف أيضاً كيف يمكن التوفيق بين هذه السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي برفض الفحص الطبي وبين أسمى وإجاباته وهو البحث المتفاني عن الحقيقة، بما في ذلك الدراسة الدقيقة لجميع الأدلة المقدمة إلى المحكمة. كما نشير هنا إلى أن تونس قد صادقت على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي تطالب الدول الأعضاء فيها بأن "تضمن كل دولة طرف لأي فرد يدعى بأنه قد تعرض للتعذيب في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية الحق في أن يرفع شكوى إلى سلطاتها المختصة وفى أن تنظر هذه السلطات في حالته على وجه السرعة وبنزاهة".

ونحن نرى ما يثير قلقاً خاصاً في تمتع القضاة التونسيين بسلطة تقديرية واسعة لرفض طلبات الفحص الطبي، فتونس بلدٌ تكثر فيه الادعاءات بحدوث التعذيب أثناء الاحتجاز السابق على توجيه الاتهام. ويكون إجراء الفحص الطبي أكثر أهميةً عندما يكون محضر الشرطة الذي ينكره المتهم هو الدليل الوحيد الذي تبني عليه المحكمة قرارها (كما في قضية بالطيبي وقضايا كثير من التونسيين المحكوم عليهم في قضايا "أمنية").

ولا يحوي ملف الدعوى أي أساس معقول لإدانة السيد بالطيبي بإصدار تهديد إجرامية. ومن بين المواد القليلة في ملف الدعوى، ثمة إفادة للشرطة موقعة من قبل محمد عاشور، صاحب مقهى الإنترنت الذي قام فيه بالطيبي بالأفعال موضع البحث. ولا تحوي إفادة السيد عاشور أي دليل يجرّم بالطيبي؛ فقد قال أنه لم يكن يعرف ما الذي يفعله بالطيبي أثناء استخدامه الإنترنت يوم 13 مارس/آذار؛ فهو ليس في موقع يسمح له بمراقبة ما يقوم به مستخدمو الحواسب في مقهاه.

ليس لدى هيومن رايتس ووتش أي اعتراض على القوانين التي تعاقب الأشخاص الذين يهددون بالقيام بهجمات عنيفة ضد الآخرين. لكن الحق في حرية التعبير، والذي يكفله العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وغيره من المعاهدات، تحتم أن تقتصر الملاحقة القضائية "للتهديد" على الحالات التي يتبين فيها بجلاء أن لدى المتحدث نية واضحة بأن ينقل إلى الآخرين عزمه الجدي على القيام بفعل إجرامي وشيك.

وبنفس القدر، فإن هيومن رايتس ووتش لا تعترض على القوانين التي تعاقب التحريض على العنف. لكن الانسجام مع المعايير الدولية التي تحمي حرية التعبير يقتضي أن تحمل تلك القوانين تعريفاً محدداً تماماً للتحريض بحيث يقتصر فعلها على الحالات التي يخلق فيها السلوك التحريضي خطراً داهماً بوقوع العنف أو بوقوع أفعال غير قانونية بشكل واضح.

لقد خلصت المحكمة في قرارها إلى أن السيد بالطيبي مذنب بجريمة توجيه تهديد إجرامي لأنه قال، طبقاً لمحضر الشرطة الذي ينكره، أنه أعاد إرسال البيان بقصد "الحث على الاحتجاج توجاه زيارة شارون إلى تونس". ولكن قرار الحكم لا يبرهن على أن قيام بالطيبي بإعادة إرسال البيان قد سبب تهديداً داهماً بوقوع أفعال عنف، أو ساهم في التسبب بهذا الخطر. وفي الواقع، لم تتم إقامة الدليل على أن أحداً قد قرأ البيان الذي أعيد إرساله وتصرف بوحيٍ منه. كما أن المحكمة لم تشر في قرارها إلى كون "الاحتجاجات" التي أمل بالطيبي بإثارتها ستكون احتجاجات عنيفة أو ذات طبيعة إجرامية واضحة.

ثمة أسباب بريئة كثيرة لقيام شخص ما بإعادة إرسال نص مرفوض كالنص موضع البحث من غير أن يتبنى التهديد الذي يتضمنه؛ كأن يحذر الآخرين من خطر قد وقع فعلاً على سبيل المثال، أو كأن يطلع عليه الباحثين أو الصحفيين أو غيرهم ممن يتابعون نشاطات الجماعات المتطرفة، أو كأن يفعل ذلك بغية دعوة الآخرين لمناقشة محتويات مثل هذا البيان. وفي حالة السيد بالطيبي فمن الواضح أن دافعه هو التعبير عن رد الفعل المعارض لدى بعض القطاعات إزاء قرار حكومتكم بدعوة رئيس الوزراء شارون، حيث عبر عن معارضته الشخصية لهذه الدعوة. وقد كتب لنا السيد بالطيبي مؤخراً أن هذا هو لب التعليق الذي أضافه عندما أعاد إرسال البيان. (كتب لنا بالطيبي أنه لم يكن قادراً، بسبب كونه في السجن، على أن يرسل لنا نفس النص الذي أرسله منذ عام مضى؛ كما لم نتمكن من الحصول على هذا النص من الأرشيف المتوفر على الإنترنت بغية التحقق من مضمونه). وليس في ملف الدعوى أي دليل على أن السيد بالطيبي قد ألحق بالبيان أي تعليق يمكن اعتباره تهديداً أو تحريضاً على عنف وشيك.

لهذه الأسباب، ومع إدانتنا لمحتوى البيان، فنحن نرى أن سجن شخص بتهمة "إصدار التهديدات" لمجرد أنه قام بإعادة إرسال بيان من هذا النوع عبر منتدى للنقاش على الإنترنت ليس إلا انتهاكاً لحق التعبير.

ومن هنا، فنحن ندعوكم لممارسة صلاحياتكم بإطلاق سراح السيد بالطيبي والأمر بفتح تحقيق بشأن ادعائه بالتعرض للتعذيب على يد الشرطة أثناء استجوابه.

نشكر لكم التفكير في هذه القضية ونأمل في استجابتكم.

مع خالص الاحترام،

سارة ليا ويتسن
المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
منظمة هيومن رايتس ووتش