حثت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" السلطات التونسية اليوم على الإفراج عن حمة الهمامي، الناطق باسم "حزب العمال الشيوعي التونسي"، واثنين آخرين من أعضاء الحزب هما عبد الجبار مدوري وسمير طعم الله. ففي 30 مارس/آذار، أيدت محكمة الاستئناف في تونس العاصمة أحكام الإدانة الصادرة ضدهم من قبل محكمة ابتدائية لم تكفل لهم حقهم في إعداد الدفاع الكافي للرد على التهم الموجهة إليهم.

وقال هاني مجلي، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان":
"إن هؤلاء الأشخاص الثلاثة لم يسجنوا إلا بسبب معتقداتهم السياسية وأنشطتهم السياسية الخالية من العنف؛ وما كان ينبغي على الإطلاق توجيه أي تهم إليهم أو تقديمهم للمحاكمة".
وبعد جلسة الثلاثين من مارس/آذار، أيدت محكمة الاستئناف حكم الإدانة الصادر ضدهم بتهم من بينها الانتماء "لحزب العمال الشيوعي التونسي" المحظور، وتوزيع منشورات، ونشر "معلومات كاذبة" من شأنها أن تعكر صفو النظام العام، وتحريض الجمهور على مخالفة قوانين البلاد. غير أن محكمة الاستئناف خفضت أحكام السجن الأصلية الصادرة ضد المتهمين الثلاثة، فحكمت على الهمامي بالحبس ثلاث سنوات وشهرين، وعلى طعم الله بالحبس 21 شهراً، وعلى مدوري بالحبس 21 شهراً، ثم سنتين إضافيتين بتهمة ازدراء المحكمة.

وقد أوفدت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" مبعوثين لمراقبة المحاكمة الأصلية التي جرت عام 1999، والتي أدانت فيها المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة المتهمين الثلاثة غيابياً؛ كما أدين جميع المتهمين معهم في نفس القضية، والبالغ عددهم ثمانية عشر متهماً، وحكم عليهم جميعاً إلا واحداً بالسجن. وكان المتهمون الثلاثة قد ظلوا حيناً متوارين عن الأنظار، ثم عادوا إلى الظهور بمحض إرادتهم في 2 فبراير/شباط 2002، للطعن في أحكام الإدانة الصادرة ضدهم غيابياً؛ غير أن محكمة الاستئناف أيدت الأحكام الابتدائية في جلسة عقدت في نفس اليوم، حرم فيها المتهمون من حقهم في إعداد دفاعهم، والطعن في الأدلة المقدمة ضدهم. وقبل بدء الجلسة، دخل بعض أفراد الشرطة قاعة المحكمة، وأمسكوا بالمتهمين الثلاثة، ثم اقتادوهم خارج المحكمة؛ ولم يلبث فريق المحامين المدافعين عن المتهمين أن انسحبوا جميعاً من قاعة المحكمة احتجاجاً على هذا الإجراء. وأعيد المتهمون برفقة رجال الشرطة إلى قاعة أخرى لاحقاً وهم في هيئة مضطربة، حيث قالوا إن أفراد الشرطة اعتدوا عليهم بالضرب.

ورغم أنه من حق الهمامي ومدوري وطعم الله تلقي محاكمة جديدة، وفقاً لما ينص عليه القانون التونسي، باعتبار أنهم تغيبوا عن المحاكمة الابتدائية، فلم تجرِ أي محاكمة حقيقية لهم في جلسة الثاني من فبراير/شباط؛ وغاية ما فعله رئيس المحكمة القاضي مصطفى كباشي هو أنه أعلن إدانتهم بنفس التهم التي سبق إدانتهم بها غيابياً عام 1999. وأعاد القاضي توقيع عقوبات بالسجن لمدد طويلة على المتهمين الثلاثة، مع النفاذ الفوري، كما حكم على مدوري بالسجن عامين إضافيين بسبب تصريحات زُعم أنه أدلى بها يوم الجلسة واعتبرها القاضي مهينة للمحكمة. ولم تُتح لمدوري أي فرصة للرد على هذه التهمة الجديدة، ولم يكن حاضراً حينما أدانه القاضي بها، وحكم عليه بالسجن.

ووفقاً لما ذكره رضا خمخم، وهو مسؤول بوزارة العدل أجرت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" مقابلة معه في 7 مارس/آذار، فإن المتهمين لم يتحدثوا أثناء جلسة الثاني من فبراير/شباط، لأنهم امتنعوا عن ذلك؛ غير أن كثيرين من المحامين التونسيين والمراقبين الدوليين الذين كانوا حاضرين في هذا اليوم كذَّبوا هذه الرواية؛ إذ قالوا إن القاضي لم يتح للمتهمين أي فرصة للطعن في حكم الإدانة السابق، بل لم يبالِ حتى باستيفاء إجراء شكلي ينص عليه القانون، وهو التأكد من هوية المدعى عليهم في بداية المحاكمة.
وقد راقبت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" افتتاح جلسة محكمة الاستئناف في 9 مارس/آذار، التي وافق فيها رئيس المحكمة القاضي طاهر السليطي على تأجيل الدعوى حتى 30 مارس/آذار، ولكنه رفض التماساً من هيئة الدفاع بالإفراج عن المتهمين ريثما يتم البت في الدعوى بصورة نهائية.
ولئن كان بعض المراقبين الدوليين قد سُمح لهم بحضور الجلستين المنعقدتين في 9 مارس/آذار و30 مارس/آذار، فقد مُنع كثيرون آخرون من دخول المحكمة في كلتا الجلستين. كما منعت الشرطة بعض أقارب المتهمين، والكثيرين من أنصارهم، وأفراد الجمهور، من حضور الجلستين دون أي مبرر.
وبالإضافة إلى ذلك، فمنذ سجن المتهمين في الثاني من فبراير/شباط، واجه محاموهم عقبات متكررة تحول دون اجتماعهم مع موكليهم من أجل إعداد دفاعهم. وقالت راضية نصراوي، وهي محامية وزوجة الهمامي، إن محكمة الاستئناف رفضت السماح لها بزيارة الهمامي بدعوى أن المحاكمة قد انتهت. والواقع أن الهمامي والمتهمين معه في القضية لا يزال يتعين عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيتقدمون بطعن في الحكم أمام محكمة النقض.
وقد اعترف الهمامي وطعم الله ومدوري أمام المحكمة في 30 مارس/آذار بعضويتهم في "حزب العمال الشيوعي التونسي"، ولكنهم قالوا إنهم لم يقدموا للمحاكمة إلا بسبب ممارستهم حقوقهم السياسية. وكانت السلطات تغض الطرف عن نشاط هذا الحزب اليساري الصغير في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، ولكنها لم تمنحه ترخيصاً قانونياً قط؛ وخلال العقد الماضي، دأبت السلطات على اضطهاد الحزب، حيث زجت بأعضائه في السجن مراراً وتكراراً، بتهمٍ بات من الشائع في تونس استخدامها لقمع المعارضة السياسية الخالية من العنف، بما في ذلك التهم التي أيدتها محكمة الاستئناف في قضية الهمامي وطعم الله ومدوري في 30 مارس/آذار.

وقد نص منطوق الحكم الصادر في 2 فبراير/شباط على أن حكم الإدانة بتهمة نشر "معلومات كاذبة" من شأنها تشويش النظام العام جاء استناداً إلى عبارات وردت في مطبوعات "حزب العمال الشيوعي التونسي" من قبيل: "إن النظام القمعي يبذل كل ما في وسعه للحيلولة دون تعبئة الجماهير كي تظل جاهلة"؛ و"إن ضحايا الاستغلال الرأسمالي والقمع والفساد يشكلون اليوم أغلبية المجتمع".