نكتب إليكم بالنيابة عن "منظمة مراقبة حقوق الإنسان" للإعراب عن قلقنا البالغ بشأن حكم الإدانة الذي أصدره القضاء المصري في الثامن عشر من سبتمبر/أيلول الماضي ضد صبي في السادسة عشرة من عمره بتهمة ممارسة الفجور، وهي تهمة وُجِّهت إليه بسبب ما زُعم من أنه "شاذ جنسياً". وفي ختام محاكمته، التي حضرها مراقب من منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"، حكمت محكمة أحداث القاهرة على الصبي بالسجن ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة، يُوضع بعدها تحت المراقبة لمدة ثلاث سنوات أخرى، وهي أقصى عقوبة يقضي بها القانون المصري جزاءً لهذه الجريمة

ويشكِّل حكم الإدانة الصادر ضده والعقوبة الموقعة عليه انتهاكاً للمعايير الدولية، لأنهما يستندان إلى اعتراف ربما يكون قد انتزع منه تحت وطأة التعذيب، وأدلى به الصبي قبل السماح له بالاتصال بأسرته أو بأحد المحامين. كما أن اعتقاله، الذي يأتي في إطار حملة لاعتقال أشخاص من المفترض أنهم من ذوي الميول الجنسية المثلية، ينطوي على انتهاكٍ لمبدأ عدم التمييز؛ ولم تُراعَ خصوصياته أثناء اعتقاله ومحاكمته. ومن ثم، يتوجب إلغاء حكم الإدانة والعقوبة المحكوم بها على الصبي عند النظر في دعوى الاستئناف ضد الحكم يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.
ونحن نشعر بالقلق بوجه خاص إزاء ما ورد من أنباء تفيد بأن الصبي تعرض للتعذيب وسوء المعاملة أثناء استجواب الشرطة له؛ وقد ذكر الصبي أن الشرطة انتزعت منه اعترافاً، تحت وطأة الضرب المبرح على القدمين بالفلقة، وهي عصا طويلة يمتد منها حزام من الجلد؛ كما أُخضع الصبي لفحوص بدنية مؤلمة ومهينة. وكما تعلمون سيادتكم، فإن التعذيب محرَّم تحريماً مطلقاً بموجب القانون الدولي، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة

. كما تحظر هذه المعاهدات، التي تعد مصر من الدول الأطراف فيها، كافة صور المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
ومن المثالب الأخرى التي شابت قضية الصبي طول فترة الاعتقال وظروفه، وتقييد حرية اتصاله بمحاميه وذويه. وقبل محاكمته، ظل الصبي أربعة أشهر محبوساً على ذمة القضية في سجن طره الواقع في ضواحي القاهرة، حيث كان محتجزاً مع السجناء الكبار. ولم يسمح له بالاتصال بمحامٍ أثناء التحقيق معه، كما مُنع من الاتصال بأسرته خلال الأسبوعين الأولين من الحجز.
ويشكِّل احتجاز الصبي لهذه المدة وعلى هذا النحو انتهاكاً للعديد من أحكام القانون الدولي؛ فالمادة 37(ج) من اتفاقية حقوق الطفل تنص على أن "يُفصل كل طفل محروم من حريته عن البالغين، ما لم يُعتبر أن مصلحة الطفل الفضلى تقتضي خلاف ذلك..."؛ وتكفل نفس المادة للطفل الحق في أن يظل على اتصال مع أسرته إلا في الظروف الاستثنائية؛ ولم تكن مثل هذه الظروف قائمة في هذه القضية. أما المادة 37(د) فهي تكفل للطفل الحق في "الحصول بسرعة على مساعدة قانونية وغيرها من المساعدة المناسبة"، بينما تنص المادة 37(ب) على عدم اعتقال أي طفل أو احتجازه أو سجنه "إلا كملجأ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة".

ومما يبعث على قلقنا أيضاً تقاعس المحكمة عن ضمان احترام خصوصيات الصبي، وقرارها قبول الاعتراف الذي أدلى به تحت وطأة الإكراه، باعتباره دليلاً ضده.
وقد سُمح للصحفيين والمتفرجين بحضور جلسات المحكمة المنعقدة في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، وتغطية وقائعها. ونشرت الصحف المصرية شبه الرسمية اسم الصبي وصورته وتفاصيل التهم الموجهة إليه والحكم الصادر ضده. وتنص المادة 40(2)(ب)(7) من اتفاقية حقوق الطفل على ضمان حق الطفل في "تأمين احترام حياته الخاصة تماماً أثناء جميع مراحل الدعوى". كما تنص المادة 126 من القانون رقم 13 لسنة 1996 بإصدار قانون الطفل، على أنه "لا يجوز أن يحضر محاكمة الطفل أمام محكمة الأحداث إلا أقاربه والشهود والمحامون والمراقبون الاجتماعيون ومن تجيز لهم المحكمة الحضور بإذن خاص".

وقد حاول الصبي، أثناء محاكمته في الثامن عشر من سبتمبر/أيلول، التراجع عن اعترافه المنتزع بالإكراه؛ غير أن القاضي لم يأمر بإجراء تحقيق بشأن أقواله التي ادعى فيها تعرضه للتعذيب أثناء التحقيق معه، وحرمانه من الاتصال بمحاميه أو ذويه خلال الأسبوعين الأولين عقب القبض عليه واعتقاله.وتنص المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن "تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال".
وإلى جانب ما تقدم، فإن الظروف التي اكتنفت إلقاء القبض على الصبي تثير لدينا نفس القدر من القلق؛ فقد كان ضمن ستة وخمسين شخصاً اعتقلوا ووجهت إليهم التهم بعد حملة من الإجراءات الصارمة ضد أشخاصٍ يُفترض أنهم من ذوي الميول الجنسية المثلية في مايو/أيار؛ وقد اعتُقل الكثير من هؤلاء الأفراد عقب مداهمة السلطات لملهىً ليلي يرتاده الأشخاص ذوو الميول الجنسية المثلية، غير أن الصبي نفسه لم يُعتقل في هذا الملهى.
ولا يتضمن القانون المصري حظراً صريحاً لأي ميول أو ممارسات جنسية مثلية؛ وإنما اتُّهم الصبي أولاً بـ"استغلال الدين"، ثم وُجِّهت إليه في آخر الأمر تهمة "ممارسة الفجور"، ثم أدين بهذه التهمة التي تقع تحت طائلة القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة. ووُجِّهت تهمٌ مماثلة لجميع الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم إبان الحملة الصارمة في مايو/أيار.
وهذه الملابسات جميعاً تدفع المرء إلى استنتاج لا مناص منه، وهو أن اعتقال هؤلاء الأشخاص لم يكن له سبب سـوى ميولهم الجنسية المفترضة؛ وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ عدم التمييز يُعدُّ من المبادئ الجوهرية لقانون حقوق الإنسان، حيث يقره العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، وغيرهما من المعاهدات التي انضمت إليها مصر.

وعلاوة على ما تقدم، فمن غير الملائم أن يُقابَل أي نشاط جنسي يمارسه الطفل بالتجريم والحرمان من الحرية؛ فالمراهقة مرحلة تنمو فيها شخصية الطفل، ويتخللها ظهور ميل جنسي - بل أنشطة جنسية في كثير من الأحيان - إما نحو نفس الجنس أو الجنس الآخر.
وخيرُ من يستطيعون إرشاد الطفل وتوعيته بشأن التبعات والعواقب، العاطفية وغيرها، المترتبة على النشاط الجنسي هم الآباء وزعماء المجتمع المدني والدولة من خلال ما تقدمه من المعلومات والخدمات الإرشادية.

وإلى جانب ما سبق، فإن القانون الدولي لا يجيز تجريم العلاقات الجنسية التي تقوم بين البالغين من نفس الجنس عن تراضٍ بينهم؛ ولا ينبغي تحميل أي طفل مسؤولية جنائية عن فعل ليس من شأنه أن يعرِّض مرتكبيه من البالغين لأي مسؤولية جنائية بموجب المعايير الدولية.

وتؤكد المادتان 37(ب) و3(1) من اتفاقية حقوق الطفل ما خلصنا إليه من أن التجريم والحرمان من الحرية ليسا إجراءين ملائمين في مثل هذه الحالة؛ إذ تقضي هاتان المادتان بأن اعتقال الطفل أو احتجازه لا يجوز ممارسته إلا لأقصر فترة زمنية ملائمة، وباعتباره آخر إجراء يُلجأ إليه، وبأنه "في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال" ينبغي أن "يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى". وعلى ضوء هذه المعايير الدولية، يتضح أن قرار القاضي بتوقيع أقصى عقوبة على الصبي هو أمرٌ يبعث على بالغ القلق والانزعاج.

ولهذه الأسباب جميعاً، فإننا نهيب بسيادتكم أن تطلبوا من المحكمة إلغاء حكم الإدانة الصادر ضد الصبي، والأمر بإخلاء سبيله فوراً.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،

كلاريسا بنكومو
باحثة
قسم حقوق الطفل

مايكل بوشينك
مستشار قانوني
قسم حقوق الطفل