أجرت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" اليوم مقابلة مع الشخص الوحيد الذي نجا من عملية إعدام فوري نفذتها الشرطة الصربية ضد ثلاثة عشر رجلاً يوم 26 سبتمبر/ أيلول. وقد روى الشاهد وقائع عملية الإعدام الفوري في إفادة متماسكة وجديرة بالثقة أثبتتها الأدلة التي تم العثور عليها في موقع عملية الإعدام والإفادة التي أدلى بها شاهد آخر قابلته منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" يوم 29 سبتمبر/ أيلول.

وقد أعربت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" اليوم عن القلق الشديد بشأن سلامة الشاهد الذي نجا من عملية الإعدام، وذلك نظرا لوجود الشرطة الصربية في المنطقة. وأهابت المنظمة بالمجتمع الدولي أن يتخذ الخطوات اللازمة لنقل هذا الشاهد المهم إلى مكان آمن. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الرجل مصاب بجرح خطير وملوث من جراء تعرضه لعيار ناري في أعلى ساقه اليسرى، وجراح أخرى من جراء تعرضه لأعيرة نارية في ذراعه اليسرى، وهو في حاجة للعناية الطبية الفورية.

وقد قالت هولي كارتنر المديرة التنفيذية لقسم أوروبا وآسيا الوسطى بمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان":
"إن الناجي هو شاهد موثوق على عملية إعـدام فوري، وإن القدرة على تقديم مرتكبي هذه الجريمة الخطيرة من جرائم الحرب إلى العدالة تتوقف على سلامته"
. وأضافت أن
"على المجتمع الدولي أن يتخذ على الفور الخطوات اللازمة للحفاظ على سلامته وللاحتفاظ بشهادته".
وقد قال هذا الشاهد أثناء مقابلة مع منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" اليوم إن سكان قريته غولوبوفاك في منطقة درينيتشا في كوسوفو قد فروا إلى الغابة المحيطة بالقرية صباح الجمعة بعد أن بدأت القوات الصـربية القصف حول قرية تشيروفيتش المجاورة، وأمضوا الليلة في الغابة..وذكر الشاهد أن الشرطة الصربية أرسلت عدة قرويين ألبان مسنين ممن بقوا في غولوبوفاك إلى الغابة صباح السبت لإبلاغ المدنيين الذين لجؤوا إلى هناك ألا خوف عليهم من العودة إلى ديارهم. وعندما حاول هؤلاء العودة، جمعهم حوالي ثلاثين أو أربعين ضابط شرطة في أحد الحقول، وفرقوا الرجال عن النساء والأطفال.

وفي البداية اختارت الشرطة خمسة وعشرين فرداً من مجموع الرجال، وبعد ذلك قررت خفض العدد إلى أربعة عشر رجلاً، ثم عمدت، حسبـما أفاد به الشاهد، إلى إيقافهم في طابور وإلى إطلاق النيران عليهم. وأبلغ الشاهد منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أن الرجال الأربعة عشر تعرضوا للكم، والضرب بالبنادق والركل بالأحذية بينما كانت الشرطة الصربية تستجوبهم عما إذا كان لهم صلات "بجيش تحرير كوسوفو".
وقد استغرقت عملية فصل الرجال ثم استجوابهم حوالي ساعتين. واقتيدوا بعد ذلك إلى الشارع المحاذي لموقع عملية الإعدام، حيث أرغموا على الجثو مع وضع أيديهم خلف ظهورهم لمدة طويلة. وذكر الشاهد أن الرجال اقتيدوا إثر ذلك إلى حديقة وأمروا بالانبطاح ووجوههم إلى الأرض وأيديهم إلى الخلف. وقالت لهم الشـرطة إنهم إذا أخبروها من منهم ينتمي إلى "جيش تحرير كوسوفو" فإنها ستطلق سراح جميع الآخرين.

وقال الشاهد إنه كان يتعرض في هذه الأثناء إلى الضرب بالهراوات على ظهره وإلى الركل في جميع أنحاء جسمه. وأطلع منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" على رضوض عميقة في ظهره وفي مؤخرته تتناسب مع تفاصيل روايته.
كما وصف بالتفصيل كيف أعدم الرجال؛ فقد روى أن ضابط شرطة أعدم أول الأمر الرجل المنبطح بجانبه (أي بجانب الرجل الذي نجا) قبل أن يعدم رجلين آخرين كانا على مقربة منهما. ثم أخذ ضابط الشرطة يمر بالطابور جيئة وذهاباً وهو يطلق عدة طلقات متتالية من نيران مسدسه الأوتوماتيكي على كل واحد من الضحايا.
وقد ركل عدة رجال بعد ذلك، ثم أطلقت النيران من جديد على رجل عندما تبين أنه لا يزال على قيد الحياة. ويبدو أن الشاهد قد نجا لأنه تمكن من التظاهر بأنه فارق الحياة عندما كان يتعرض للركل.

وقد غادرت الشرطة المكان فور تنفيذ الإعدام، أو نحو ذلك، فقام أهالي القرية بنقل الرجل الناجي من هناك. وقد كانت شهادة هذا الرجل متماسكة وجديرة بالثقة، وهي تتوافق مع رواية شاهد آخر سبق أن قابلته منظمة "مراقبة حقوق الإنسان"، كما تتوافق مع القرائن التي تمت معاينتها يوم الثلاثاء في موقع عملية الإعدام. إذ إن المنظمة قد عاينت يوم الثلاثاء على طول سياج داخل مجمع سكني لإحدى العائلات عدة برك من الدم المراق حديثا وعثرت على أكثر من ثمانين حامل رصاصة في الموقع الذي زعم الشهود أن ضابط الشرطة أطلق فيه النيران. كما أن مراقبين من الدبلوماسيين قد زاروا المكان يوم الثلاثاء.

وينتاب منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" قلق بالغ بشأن صحة وسلامة الناجي الوحيد، الذي لا يزال في منطقة درنيكا، حيث تفرض الشرطة الصربية سيطرة شديدة. ولهذا فإن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" تهيب بالمجتمع الدولي أن يساعد "المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة" على نقل الناجي إلى مكان آمن، وتطالب السلطات والشرطة والقوات العسكرية اليوغسلافية بالامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرض سلامة هذا الشاهد المهم للخطر. فانتهاكات القانون الإنساني التي ترتكب في كوسوفو هي من الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة.

وإذا اتخذت المحكمة خطوات فورية لجمع وحفظ الأدلة وشهادات الشهود، فإنها لن تعزز من فرص تقديم المذنبين آخر الأمر للعدالة فحسب، بل إنها تعزز كذلك من فرص ردع الانتهاكات المماثلة في المستقبل. ولكن الوقت ذو أهمية حاسمة وشارطة لقدرة المحكمة على الاضطلاع بدورها الردعي الكبير، بحيث أن عليها أن تعير اهتماما أكبر وأسرع بكثير للفظائع المستمرة في المنطقة.

ولكي تتمكن المحكمة من كسب هذا التحدي، فلا بد أن يتوفر لها على عين المكان من القدرة ومن التجهيزات ما يكفي لإجراء تحقيق فوري عندما تبرز مزاعم عن وقوع فظائع. كما ينبغي أن يكون لمحققيها، بمن فيهم الخبراء الشرعيون، القدرة على الوصول دون أية عوائق لمواقع الانتهاكات التي وقعت حديث
. والحال أن الحكومة اليوغسلافية قد رفضت حتى الآن منح تأشيرات دخول لفرق الخبراء الشرعيين، ولمحققي المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة وللمنظمات الدولية المحترمة والمحايدة، وذلك في محاولة سافرة للحيلولة دون الفحص الدولي المستقل للانتهاكات التي ارتكبتها قواتها. وإن منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" لتهيب بالمجتمع الدولي أن يساعد المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة على تطوير القدرات المشار إليها آنفا لأن الحاجة تمس إليها.
كما تهيب بالحكومة اليوغسلافية أن تسمح للمحكمة ولخبرائها الشرعيين بدخول أراضيها على الفور ليحققوا في المزاعم المتعلقة بالمقابر الجماعية وغير ذلك من الفظائع في المنطقة.