من اليسار إلى اليمين: ماريا (10 أعوام)، وأحمد (عامان ونصف)، وراما (8) مع والدهم، خالد الصطوف.

© 2019 خالد الصطوف

هل تذكرون آخر مرة جلستم فيها مع شريككم في الحياة للتمتع بنسيم المساء العليل بعد يوم عمل طويل، تبتسمون وأنتم تشاهدون أطفالكم يلعبون؟ السوري خالد الصطوف يتذكر – ولن ينسى هذه اللحظة أبدا.

قُبيل صلاة المغرب في 16 أغسطس/آب، كان السيد الصطوف يجلس في ساحة مجمع تديره منظمة غير حكومية للأسر النازحة بسبب الحرب قرب بلدة حاس في محافظة إدلب، شمال سوريا.

بعد التنقل لمدة خمس سنوات، واقتلاع أحبّته من مكانهم أكثر من مرة للهرب من خطوط الجبهات المتغيرة، شعرالسيد الصطوف أخيرا بالاستقرار في مجمع النازحين. عاد إلى المنزل بعد يوم عمل في الحقول وكان يستريح مع زوجته. كانا ينظران بفخر إلى أطفالهما: أحمد (عامان)، آية (6 أعوام)، راما (8 أعوام)، وماريا (10 أعوام).

مرّت طائرة تابعة للتحالف الروسي-السوري فوقهم، فقصفت المجمع وهدمت أسرته أمام عينيه.

"سمعنا صوت الطائرة ورأيت فجأة وميضا أحمر، سمعت انفجارا وعمّ الظلام كل شيء. فقدت وعيي لثوانٍ قليلة. وقفت ورأيت زوجتي واثنتين من بناتي ممددات على الأرض. بمجرد رؤيتهن تيقنت أنهن مُتنَ. فقدت وعيي واستيقظت في المستشفى حيث أخبرني أقربائي أن راما وأحمد فقط نجيا... واضطر الأمر إلى استخراج شظية من خد راما. دفنّا بقية أسرتي ليلتها".

كان قد وصل إلى المجمع في سبتمبر/أيلول 2018. ثم، في يوليو/تموز هذا العام، أغارت مروحية على أحد المباني وقتلت رجلا، دافعةً الأُسر الـ80 إلى مغادرة المجمع. حاول الصطوف إيجاد ملجأ آخر. غير أن شمال سوريا يضم 1.5 مليون نازح في مخيمات مكتظة فوق طاقتها، يدفعون إيجارات مرتفعة جدا لأي غرفة متاحة أو يعيشون في المدارس المكتظة، والجوامع، والحقول. لذلك، اضطر إلى العودة إلى مجمع النازحين حيث ستُمزَّق أسرته بعد أسبوعين.

تكلمتُ وزميلتي مع 24 شاهد عيان على الغارة – التي قتلت 20 شخصا على الأقل معظمهم نساء وأطفال، وجرحت أكثر من 50 – ومع مصور سجّل بالفيديو آثار الغارة المروعة.

قال الشهود إنه لم يكن هناك أي مسلحين أو أهداف عسكرية في مركز النزوح أو محيطه، فهو يبعد نحو 30 كيلومتر عن المكان حيث كانت القوات الحكومية السورية وتلك الموالية لها تقاتل المجموعات المناهضة للحكومة.

تحظر قوانين الحرب الغارات المتعمدة أو العشوائية ضد المدنيين أو الأعيان المدنية، مثل هذا المجمع السكني. على جميع الأفرقاء المتقاتلة الحرص الدائم على تحييد المدنيين وبذل كل ما في وسعها لتقليل الخسائر العرضية في أرواح المدنيين.

جريمة الحرب المفترضة في حاس التي قتلت أسرة الصطوف في تلك الليلة البغيضة هي واحدة من لائحة تطول ارتكبها التحالف الروسي-السوري في إدلب خلال السنوات الأخيرة. منذ أبريل/نيسان، صعّد التحالف حملته العسكرية هناك وفي أجزاء أخرى من شمال سوريا. منذ ذلك الحين، قُتل ألف مدني، وتعرضت المستشفيات والمدارس للهجمات ونزح أكثر من 400 ألف شخص بحسب "الأمم المتحدة". التحق هؤلاء النازحون بمليون آخرين عالقين ويكافحون للحصول على المساعدة عند الحدود التركية المغلقة.

ليس التحالف الروسي-السوري وحده المسبب بالنزوح الجماعي في سوريا. في 9 أكتوبر/تشرين الأول، انضمت تركيا إلى النزاع عبر هجومها على شمال سوريا ما أدى إلى نزوح أكثر من 165 ألف شخص انضموا إلى 100 ألف آخرين يعانون للحصول على المساعدة.

القضاء على أسرة الصطوف وآلاف الأسر الأخرى لا يمكن استدراكه. يجب الضغط على سوريا وروسيا لإنهاء هجماتهما غير القانونية. على البلدان المعنية أن تقول بوضوح إنها لن تتعامل كالمعتاد مع المسؤولين السوريين والروس الذين ينتهكون قوانين الحرب عمدا أو بسبب التهور، والسماح للمدنيين بالهرب من المجزرة المستمرة في إدلب وأماكن أخرى. على تركيا التوقف عن صد طالبي اللجوء عند حدودها والتوقف عن إعادة اللاجئين إلى إدلب.