لقطة من فيديو انتشر على وسائل الإعلام الاجتماعي في 20 سبتمبر/أيلول يظهر حشودا من المتظاهرين ضد الحكومة في مدينة دمياط إلى الشمال من القاهرة وهم يمزقون لافتى كبيرة للسيسي. 

 

© تويتر
 

شهد الأسبوع الأخير من سبتمبر/أيلول مظاهرات في أحياء الوراق والجيزة في القاهرة، وفي مدن أخرى، شارك فيها العشرات، وفي بعض الأحيان المئات، الذين طالبوا في هتافاتهم برحيل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. قبل فترة ليست بالطويلة، كان المرء ليصف هذه المظاهرات الجريئة بالشوارع بأنها غير مسبوقة، فالتظاهر محظور قانونا منذ 2013. لكن هناك سابقة: قبل ذلك بأسبوع، يوم الجمعة في 20 سبتمبر/أيلول، خرج المئات إلى الشوارع في السويس والمحلة والإسكندرية، بل وحتى في ميدان التحرير الشهير بالقاهرة.

لكن هذه المرة حاصرت قوات الأمن العاصمة. أُغلقت الطرق المؤدية إلى ميدان التحرير، وأعلنت إدارة مترو الأنفاق عن حاجته المفاجئة إلى "صيانة عاجلة"، أٌغلقت خلالها ما لا يقل عن أربع محطات بوسط البلد يوم التظاهر. ألغت السلطات مباريات كرة قدم وحفلات. وفي نقاط التفتيش على امتداد المحاور الرئيسية بالمدينة، أوقفت الشرطة المارة عشوائيا، وتحققت من بطاقات الهوية وهواتفهم الخلوية بحثا عن منشورات ناقدة على مواقع التواصل الاجتماعي. مع انتهاء صلاة الجمعة في مسجد الفتح بوسط القاهرة (كان من نقاط التجمع الرئيسية للمتظاهرين في 2011)، كان عشرات رجال الشرطة بالزي الرسمي ومعهم عناصر أمن بملابس مدنية "يرتدون أقنعة ومعهم بنادق كبيرة" مصطفين خارج المسجد لضمان أن يمضي المصلون في سبيلهم بعد انتهاء الصلاة. أفادت وسائل إعلامية مستقلة عن مشاهد مماثلة في كل من الإسكندرية والسويس ومدن أخرى، وهي المدن التي شهدت قبل ذلك بأسبوع مظاهرات جماعية، عفوية على ما يبدو، ضد الرئيس.

وفي ليلة مظاهرات 20 سبتمبر/أيلول، لم ترد قوات الأمن على الفور بالمنع أو بالقمع للمظاهرات عند بدايتها، ما يعكس ربما الارتباك في غياب السيسي – إذ كان في طريقه إلى نيويورك لحضور اجتماعات "الجمعية العامة للأمم المتحدة". لم تصدر تصريحات عن مسؤولين، ولم تُذكّر تلك المظاهرات في وسائل الإعلام التي تهيمن عليها الدولة في مصر إلى حد بعيد. لكن صباح الأحد أصدرت "الهيئة العامة للاستعلامات" بيانا لم يذكر المظاهرات، وإن ورد فيه أن الهيئة "تراقب عن كثب" تغطية الإعلام الدولي وأنها "تُذكر" المراسلين بضرورة "الالتزام بالقواعد المهنية" و"عدم الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصادر للأخبار والتقارير، خاصة مع حالة هذه الوسائل من الانفلات والفوضى". سرعان ما حجبت السلطات عدة مواقع إخبارية، منها موقع "بي بي سي العربية" وموقع قناة "الحرة" الممولة من الحكومة الأمريكية.

بحسب تقارير، اعتقلت الشرطة مئات الأشخاص أثناء المظاهرات وبعدها. وخرجت الشرطة في اليوم التالي، السبت، بكل قوة، لمنع تكرار المظاهرات (لكن اندلعت مظاهرات كبيرة مجددا يوم السبت في السويس).

خلال الأسبوع التالي، اعتقلت قوات الأمن أكثر من ألفيّ شخص، ويبدو أنها كانت تعتزم ضمان عدم تكرار مظاهرات 20 سبتمبر/أيلول. لكن حتى 28 سبتمبر/أيلول كان أقل من نصف هذين الألفين قد مثلوا أمام النيابة، بحسب ما يقتضيه القانون. كانت بعض الاعتقالات محددة الأهداف – ومن بينها توقيف المحاميَين الحقوقيين ماهينور المصري ومحمد صالح عجاج، وأستاذي العلوم السياسية المعروفَيْن حسن نافعة وحازم حسني، من بين آخرين، وأشخاص آخرين معروفين بنشاطهم لكن لم يشاركوا في تلك المظاهرات، مثل خالد داود. لكن هناك المئات ممن تم توقيفهم عشوائيا، لمجرد تواجدهم بمناطق التظاهر أو لأن الشرطة وجدت منشورات ناقدة على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي عندما فتشت هواتفهم الخلوية في نقاط التفتيش.

في 26 سبتمبر/أيلول، قال النائب العام المصري الجديد حمادة الصاوي إن النيابة استجوبت "عددا لم يتجاوز ألف متهم" حتى تاريخه، لكنه لم يذكر عدد المقبوض عليهم. ورد في بيانه أن النيابة تستكمل إجراءات التحقيق "حتى يتسنى التصرف في المتهمين، ليفرج عمن وضعوا أنفسهم بموضع الشبهات غير قاصدين ارتكاب جرائم، ولينال كل مرتكب جريمة جزاءه العادل". الأحد في 29 سبتمبر/أيلول، قبضت الشرطة على الناشط المعارض البارز علاء عبد الفتاح. قالت أسرته إن عناصر "الأمن الوطني" أخذوه من زنزانته في قسم الشرطة، حيث كان يقضي فترة الـ 12 ساعة مراقبة ليلية التي فُرضت عليه كعقوبة مراقبة بعد إخلاء سبيله، بعد إكماله عقوبة السجن خمس سنوات التي انتهت في مارس/آذار، بسبب مشاركته في مظاهرات.

إضافة إلى القبض على "المشتبهين المألوفين" والكثيرين غيرهم، وتحويل وسط البلد بالقاهرة إلى منطقة محتلة، يبدو أن الحكومة قامت برعاية مظاهرة كبيرة مؤيدة للسيسي في ميدان رابعة العدوية شرقيّ القاهرة، وهو الموقع الذي قتلت فيه قوات الأمن في أغسطس/آب 2013 نحو ألف متظاهر كانوا يحتجون على الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع حينئذ، عبد الفتاح السيسي، على الرئيس المنتخب محمد مرسي. بحسب الموقع الإخباري المصري المستقل "مدى مصر"، نقلت الحكومة المئات بالحافلات إلى المظاهرة نظير وجبات مجانية. نشرت الصحفية لدى "رويترز" أمينة إسماعيل على "تويتر" صورا ومقاطع فيديو لعشرات الأشخاص يركبون حافلات "ميني-باص" بحي بولاق أبو العلا، لنقلهم إلى مظاهرة التأييد. أعطى المنظمون لكل منهم وجبة كباب وأرز.

الوجبة المجانية – وهي بها لحم – ليست بالأمر البسيط في بلد يعيش ثلث سكانه تحت خط الفقر، بحسب أحدث الاستبيانات الرسمية، بعد أن كانت النسبة 28% قبل عامين، و17 % عام 2000. التقرير الصادر في 30 يوليو/تموز كان قد تأخر صدوره ستة أشهر، إثر اعتراض "جهات سيادية" عليه، وهو المصطلح الذي يشير إلى أجهزة الاستخبارات والأمن. بحسب استشارية لدى "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء"، الجهة التي نشرت التقرير، فإن الزيادة في معدلات الفقر سببها إجراءات التقشف التي فرضتها الحكومة مقابل قرض الإنقاذ من "صندوق النقد الدولي" بقيمة 12 مليار دولار. قالت صباح فواز (58 عاما) لـ "نيويورك تايمز": "لا أكف عن الدعاء كي يخرج الناس للتظاهر". قالت للصحيفة إن أسرتها "تأكل اللحم بالكاد مرة واحدة في الشهر".

اندلعت المظاهرات بسبب مقاطع الفيديو المثيرة التي نشرها على مدى أسابيع محمد علي، وهو مقاول إنشاءات سابق الذي نفى نفسه إلى إسبانيا. تكرر انتقاد محمد علي اللاذع للسيسي والمقربين منه واتهامه إياهم بالفساد والإنفاق ببذخ على القصور الرئاسية ومشاريع أخرى مشابهة، وهي الادعاءات التي لاقت بوضوح صدى لدى الفقراء. قابل السيسي رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في 24 سبتمبر/أيلول على هامش اجتماعات الجمعية العامة لمناقشة "تفعيل أطر عمل للتعاون المشترك على كافة المستويات". أعرب بعض المصريين عن القلق من أن المناقشات ربما تطرقت إلى استضافة إسبانيا لمحمد علي. قال محمد في فيديو بثه في 23 سبتمبر/أيلول إن السلطات المصرية تحاول مطاردته، ما يدفعه إلى تغيير مكان إقامته بشكل مستمر.

قالت أمينة إسماعيل مراسلة رويترز في تغريداتها على تويتر في 27 سبتمبر/أيلول حول المظاهرة المؤيدة للسيسي برعاية الحكومة، إن الأشخاص الذين تحدثت معهم على متن الحافلة التي نقلتهم إلى المسيرة "بدوا غير مدركين لما يحدث، لدرجة أنهم لم يكونوا يعرفون إلى أين تأخذهم الحافلة. سأل الكثيرون منهم باستمرار منظّم الرحلة والسائق عن وجهتهم".

في الواقع، دفعت تلك المظاهرات المفاجئة الكثير من المصريين إلى التساؤل عمّا سيحدث. قال الصحفي والناشط المعارض خالد داود لـ نيويورك تايمز: "هناك قطعا حالة غضب عامة، لكن لا نعرف ما هو البديل". قال: "لن أدعم شعارات "إرحل يا سيسي". من الذي سيأتينا بعده؟" لكن تحذير خالد داود، كما ذكرنا، لم يحُل دون القبض عليه في 25 سبتمبر/أيلول. هناك متظاهر عمره 19 عاما بدا أنه فهم الوضع بوضوح عندما قال: "مهما حدث، فقد انطلقت المسيرة بالفعل. اتضح أن الناس ضد السيسي". أشار محمد زارع، رئيس "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" في مصر المحظور سفره منذ ثلاث سنوات ونصف جراء انتقاداته للسلطات، إلى أن "الاعتقالات والتدابير الأمنية المشددة أخافت الناس". لكنه أضاف: "هناك حاجز انهار يوم الجمعة [20 سبتمبر/أيلول]، ولن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل ذلك اليوم".