صحفي إندونيسي يحمل لافتة خلال احتجاج على اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي أمام السفارة السعودية في جاكرتا، إندونيسيا، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2018. 

© 2018 رويترز/بياويهارتا

قبل عام من اليوم، تحدثتُ هاتفيا مع خديجة جنكيز، التي عرفت عن نفسها بصوت مرتجف، كخطيبة صديقي جمال خاشقجي. كانت تقف خارج القنصلية السعودية في اسطنبول، وتشعر بقلق بالغ لعدم خروجه منذ دخوله قبل ساعتين.

طلبت منها بإلحاح ألا تغادر حتى تصل الشرطة التركية، وبسرعة تحركتُ لإبلاغ أي شخص اعتقدتُ أنه يمكن أن يساعد. كان أسوأ ما أخشاه هو أن المسؤولين السعوديين سيحاولون خطف جمال وإعادته إلى السعودية، فقد أخبرني من قبل أنهم يحاولون ترغيبه وترهيبه كي يعود من منفاه الاختياري.

عندما حثّيتُ جمال أول على مرة مغادرة السعودية في يناير/كانون الثاني 2017، بعد فترة وجيزة من منع الحكومة إياه من الكتابة والتغريد، كان قلقي هو أن ولي العهد الجديد محمد بن سلمان سيسجنه أو يمنعه من السفر. لسنوات، رأيتُ مثل حالته في جميع أنحاء الشرق الأوسط. في البداية، قاوم جمال بالاعتماد على تطمينات من الأميرين الوليد بن طلال وتركي الفيصل، وهما من كبار أفراد العائلة المالكة اللذين كانا صديقين مقربين منه على مدى عقود، بأن الجميع سيكونون على ما يرام و"ستهدأ الأمور". كما أن احتمال ترك أحفاده وراءه كان يزعجه.

بحلول صيف 2017، قرر جمال أنه سيغادر، إذ لم يعد يحتمل مع عدم قدرته على احتمال الحبس الفكري، واقتناعا منه أن الخطوة التالية قد تكون اعتقاله. في الواقع، بعد وقت قصير من وصوله إلى الولايات المتحدة، تصاعدت الاعتقالات بشكل كبير، وزُجّ عدد كبير من الكتاب والعلماء والصحفيين خلف القضبان.

بحلول نوفمبر/تشرين الثاني، سُجن الأمير الوليد بن طلال في فندق "ريتز كارلتون" الفخم بالرياض إلى جانب أفراد من العائلة المالكة ومسؤولين حكوميين، وكبار رجال الأعمال، وشخصيات إعلامية. صُودر الجزء الأكبر من أصول الأمير، إلى جانب أصول عديد منهم، فيما أصبح يُعرف بأنه إحدى أكبر عمليات الابتزاز في التاريخ الحديث، إذ تزعم الدولة أنها "استعادت" 107 مليار دولار بلا تدخل أي قضاة أو محامين.

لم يتوقع أحد، وبالتأكيد ليس السعوديين الذين تحدثت إليهم، حدوث هذه الاعتقالات الجماعية لشخصيات بارزة. كما لم يتوقعوا إيقاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وإطلاق سراحه بذلك الشكل الفظ خريف ذلك العام.

لكن لم تكن هناك صدمة أكبر من مقتل جمال خاشقجي بعد عام في قنصلية اسطنبول، ليس فقط لبشاعتها، بل لفشل العملية الذريع: من وصول القتلة السعوديين الذين كان من السهل رصده، إلى الطبيب الشرعي الذي كان يحمل منشارا لقطع العظم وشبيه جمال الذي استخدم لاستبداله، وصولا إلى الخلل الغامض في كاميرات مراقبة القنصلية والإجازة المفاجئة لموظفي القنصلية.

في نهاية المطاف، بعد نشر الحكومة التركية المعلومات قطرةً قطرة، وكشف أكاذيب الرياض يوما بعد يوم، اضطرت الرياض للاعتراف بأن موظفي الحكومة السعودية قتلوا جمال. حوّرت السعودية قصتها من شجار بالأيدي غير مخطط له، إلى عملية مسبقة التخطيط نفذها موظفون ذوو مناصب متدنية دون علم الحكومة. تحاكم السعودية الآن 11 مسؤولا سرا لحفظ ماء وجهها. لم تتهم الحكومة مطلقا سعود القحطاني، الذي أُفيد أنه العقل المدبر للقتل، وهو كبير مستشاري ولي العهد.

أخطأت الحكومة السعودية جدا في تقدير النتائج الدولية لمثل هذه الجريمة، خاصة بالنسبة لولي العهد. ربما ذلك لم يؤدِّ إلى مسؤولية جنائية بعد، لكنه بالتأكيد تسبب في خسائر باهظة لسمعته وسياسته ومخططاته الاقتصادية وحكومته، بما فيها مئات الملايين من الأموال العامة السعودية التي أنفقت على جماعات الضغط لتعزيز صورته العالمية.

سرّبت "وكالة المخابرات المركزية" الأمريكية، ببساطة، النتائج التي توصلت إليها، استنادا إلى تحقيقاتها المستقلة، بأن ولي العهد أمر بالقتل، ما جعل من الصعب تجنب الأضرار. في حين أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وألمانيا ودول أخرى عدة ضد المسؤولين السعوديين المتورطين استبعدت ولي العهد، والشركات التي تراجعت في البداية تعود إلى جني الأرباح في المملكة، فإن الحصيلة ما زالت هائلة.

في الواقع، هذه الجريمة حققت المستحيل، حيث دفعت إلى تحرك صلب من كلا حزبَي "الكونغرس" المنقسم بعمق، بإصدار ثلاثة مشاريع قوانين لتعليق مبيعات الأسلحة إلى السعودية بسبب جرائم الحرب في اليمن (نقضها الرئيس دونالد ترامب جميعا للأسف). في يوليو/تموز، أقرّ مجلس النواب مشروع قانون يشترط نشر تقرير عن مقتل جمال للموافقة على الإنفاق الدفاعي.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، واجه ولي العهد أيضا خطر خضوعه لتحقيق بشأن التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، بدعم من منظمتي "هيومن رايتس ووتش"، عندما حضر إلى اجتماع "مجموعة الـ20" في الأرجنتين. منذ العام الماضي، لم يجرؤ على إظهار وجهه في الولايات المتحدة أو أوروبا، حيث سيواجه على الأرجح مزيدا من الدعاوى القضائية.

في هذه الأثناء، ألغى مشاهير بارزون، مثل نيكي ميناج، حفلاتهم في السعودية، والشهر الماضي انسحبت "مكتبة نيويورك العامة" من حدث نظمته مؤسسة "مسك الخيرية" التابعة لولي العهد، بعد غضب شعبي.

أقرّ ولي العهد الأسبوع الماضي بمسؤوليته خلال مقابلة في برنامج "60 دقيقة" على تلفزيون "سي بي إس" بقول من قبيل "أنا مسؤول لأني الحاكم"، والذي قد يكون محاولة لتخفيف الأضرار التي لحقت بالمملكة. من المؤكد أن هذا القول يتماشى مع القانون الدولي، الذي يحمّل الدولة المسؤولية عن الأفعال غير القانونية لموظفيها الذين يتصرفون بصفتهم الرسمية، وفي هذه الحالة، الإعدام المسبق التخطيط والمتعمد خارج نطاق القضاء لأحد منتقدي الحكومة.

سواء أكنت تعتقد أن ولي العهد أمر بالقتل بشكل مباشر أما لا، فهو المسؤول بصفته رئيس الموظفين القتلة. بموجب القانون الدولي، الحكومة السعودية ملزمة بثلاثة أشياء موضحة بالتفصيل في تقرير الأمم المتحدة للمقررة الخاص المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، أنييس كالامار: المساءلة، والتعويض، وضمان عدم تكرار الجريمة.

بالنسبة للجرائم الدولية مثل التعذيب، يمكن تحميل القادة حتى أعلى المستويات مسؤولية الانتهاكات التي يرتكبها مرؤوسوهم بموجب مبدأ مسؤولية القيادة.

المساءلة تعني إجراء تحقيق مستقل ونزيه وعلني يطال جميع المتورطين في جريمة القتل لكشف ما حدث بالضبط، وهو ما وعدت به الحكومة السعودية لكنها لم تحققه. يشمل ذلك إخبارنا أين أخفت جثة جمال حتى تتمكن أسرته من دفنه بكرامة.

طالبت كالامار بتحقيق جنائي تابع لـ "الأمم المتحدة"، خاصة في ضوء عدم تعاون السعودية مع تحقيقها. هل ستتعاون الحكومة السعودية الآن في ضوء اعتراف ولي العهد، بما يسمح بالوصول إلى الأدلة والأشخاص المعنيين في المملكة؟ في حين أن المساءلة الجنائية عن جميع المذنبين قد تظل بعيدة المنال، سيخدم التحقيق الجدي المسألة التي لا تقل أهمية، وهي قول الحقيقة وتوثيق الحدث.

على الحكومة السعودية أيضا تعويض المتضررين جراء جريمتها، والاعتذار من عائلة جمال وأصدقائه وشركائه الذين تعرضوا لصدمة كبيرة بسبب هذا الهجوم على صحفي، ومن الحكومتين الأمريكية والتركية عن قتل مواطن أميركي على الأراضي التركية.

يجب أن تقدم تعويضا إلى الذين تضرروا، ليس على شكل مكافآت سرية مقابل الصمت العائلي، ولكن اعترافا بالخطأ.

على الحكومة السعودية أن تثبت لمواطنيها والمجتمع الدولي أنها لن تستمر في قمع حرية التعبير. سجلها منذ مقتل جمال – يشمل ذلك استمرار اعتقال ومحاكمة عشرات ناشطات حقوق المرأة والكتاب والباحثين، مثل لجين الهذلول وسلمان العودة على سبيل المثال لا الحصر – يشير إلى أنها تواصل معاقبة الأصوات الناقدة.

لإقناع أي شخص بخلاف ذلك يجب الإفراج الفوري عن هؤلاء السعوديين المسجونين، الذين تبنى جمال قضيتهم. ثمة حاجة إلى مجموعة من الإصلاحات لضمان قدرة السعوديين على التعبير بحرية، بما فيه استبدال قوات الاستخبارات التي تستهدف المعارضين، ووضع قوانين تحفظ حقوقهم، وقانون عقوبات يوضح عناصر الجرائم الحقيقية، وقضاء مستقل. لكن قبل كل شيء، على السلطات السعودية أن تفرج عن الذين يقبعون الآن في السجن.

على الحكومات الأخرى الوفاء بالتزاماتها أيضا بمساءلة السعودية من خلال الضغط لتنفيذ هذه التغييرات. وعليها تكريم ذكرى جمال، من خلال إنشاء النُصب التذكارية، والفعاليات، والمنح الدراسية باسمه. الأهم من ذلك، عليهم وعلينا دعم أكثر ما كافح من أجله: الحرية والديمقراطية في العالم العربي. كما ذكّرتنا شعوب السودان، والجزائر، ومصر هذا العام بهتافاتها الداعمة، هذا هدف يتشاركه الملايين في المنطقة.