مدخل فرع المحكمة الجنائية المركزية في الكرخ، العراق.

© 2019 خالد محمد/ "آيه بي إيمادجز"
 

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن مواطنَين فرنسيَّين حوكما مؤخرا في العراق بتهمة الانتماء إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا بـ "داعش") زعما تعرضهما للتعذيب أو الإكراه على الاعتراف. 

حُكم على 7 فرنسيين بالإعدام في محاكمات بين 26 و28 مايو/أيار 2019، وأُرجأ الحكم على شخص سابع. قال مدعى عليه واحد على الأقل إن عناصر أمن عراقيين عذبوه، وأفاد آخر أن العناصر أجبروه على الاعتراف تحت الإكراه وتوقيع بيان لم يستطع قراءته. ورغم هذه الادعاءات، صرح وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان في 29 مايو/أيار بأن المتهمين نالوا "محاكمات عادلة".

قالت لما فقيه، المديرة بالإنابة لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "ينبغي لفرنسا ودول أخرى ألا تعهد بشؤون المشتبه في تورطهم في الإرهاب إلى أنظمة قضائية منتهِكة. ينبغي ألا تقف هذه البلدان مكتوفة الأيدي بينما يُنقل مواطنوها إلى بلاد يُقوَّض فيها حقهم في محاكمة عادلة والحماية من التعذيب".

الرجلان جزء من مجموعة محتجزين أجانب، منهم 11 فرنسيا على الأقل، نقلتهم "قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة من الولايات المتحدة من شمال شرق سوريا إلى العراق أوائل 2019. قالت هيومن رايتس هيومن إن عمليات النقل غير قانونية في هذه الحالات بسبب خطر التعذيب وغياب المحاكمات العادلة. تسلط هذه الانتهاكات الضوء على الضرورة الملحة لدول مثل فرنسا أن تضمن الإجراءات القانونية الواجبة، لضمان عودة مواطنيها إلى بلدهم الأم. ينبغي أن يُحقَّق مع أي مواطن يُشتبه في ارتكابه جرائم حرب أو تعذيب أو جرائم دولية أخرى، ومقاضاته إذا لزم الأمر، في محاكمات تفي بمعايير المحاكمة العادلة المقبولة دوليا.

حكم فرع الكرخ في المحكمة الجنائية المركزية العراقية بالإعدام على 6 فرنسيّين لانتمائهم إلى داعش،  وأرجأ لغاية 2 يونيو/حزيران إصدار الحكم بحق السابع، الذي زعم أمام المحكمة تعرضه للتعذيب. قالت مصادر في المحكمة إنه سيُحكم على باقي الفرنسيين الذي نقلتهم قوات سوريا الديمقراطية من سوريا في غضون أيام.

قال شخصان راقبا المحاكمة لـ هيومن رايتس ووتش إن أحد المدعى عليهم الفرنسيين الذين مثلوا أمام المحكمة في 27 مايو/أيار أخبر المحكمة بأن العناصر عذبوه أثناء الاحتجاز. طلب القاضي الذي ترأس الجلسة من المدعى عليه رفع قميصه، ورأى علامات على ظهره وكتفه، وأمر بإجراء فحص طبي شرعي، وأن يمثل المتهم أمامه في المحكمة في 2 يونيو/حزيران. قال أحد المراقبين إن القاضي لم يستفسر عن مكان التعذيب، وزمانه، ومن عذبه، وكيف.

قال المراقبون إن أحد المدعى عليهم الفرنسيين، والذي حُكم عليه بالإعدام، أخبر القاضي أن العناصر أكرهوه على الاعتراف وتوقيع بيان بالعربية لم يستطع فهمه. قال المراقبون إنهم استخلصوا أن الإشارة إلى الإكراه تعني احتمال تعرضه للتعذيب. طلب منه القاضي رفع قميصه، ثم حكم عليه بالإعدام على ما يبدو بسبب غياب علامات تعذيب واضحة، ومن دون أن يطرح أي أسئلة بخصوص الادعاء.

وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام المحققين العراقيين أساليب تعذيب متعددة، منها ضرب المشتبه بهم على باطن أقدامهم، المعروف بـ "الفلقة"، والإيهام بالغرق، والتي لا تترك آثارا دائمة على جسم الشخص. كما وثقت هيومن رايتس ووتش أيضا عدم إجراء النظام القضائي العراقي تحقيقا موثوقا في مزاعم التعذيب، رغم التقارير الكثيرة والموثوقة عن التعذيب أثناء الاحتجاز. 

في السنوات القليلة الماضية، خضع المعتقلون العراقيون المتهمون بالانتماء إلى داعش لمحاكمات جائرة أفضت إلى عقوبة الإعدام. باستثناء واحدة، تألفت كل المحاكمات التي رصدتها هيومن رايتس ووتش منذ 2016 من قاضٍ يقابل المتهم لفترة وجيزة معتمدا عادةً على الاعتراف وحده، وغالبا بالإكراه، بلا تمثيل قانوني فعال. لم تبذل السلطات أي جهد لالتماس مشاركة الضحايا في المحاكمات، حتى كشهود.

تحظر اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب نقل المحتجزين إلى بلد "توجد فيه أسباب حقيقية للاعتقاد" بأنهم معرضون لخطر التعذيب. لدى القانون الدولي العرفي حظر مماثل.

ثمة آلاف العراقيين وأكثر من ألفَي أجنبي يُشتبه في انتمائهم إلى داعش محتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا معرضين لخطر نقلهم إلى العراق لمحاكمتهم، مع استمرار المفاوضات. في 2018، وثقت هيومن رايتس ووتش نقل الولايات المتحدة أجانب يُشتبه في انتمائهم إلى داعش أيضا من شمال شرق سوريا إلى العراق، دون أي اعتبار على ما يبدو لخطر التعذيب والمحاكمات الجائرة في العراق. وثّق تحقيق أجرته "رويترز" 30 عملية نقل مشابهة على الأقل.

ينبغي ألا تنقل قوات سوريا الديمقراطية، أو أي دولة، المحتجزين إلى العراق لمحاكمتهم بالإرهاب أو الجرائم ذات الصلة، نظرا لخطر التعذيب والمحاكمات الجائرة التي تؤدي إلى عقوبة الإعدام. في الحالات التي نُقل فيها المحتجزون بالفعل إلى العراق، يُلزَم من نقلهم بموجب القانون الدولي بمراقبة قضاياهم لضمان عدم إساءة معاملتهم، وخضوعهم لمحاكمة عادلة إذا تمت مقاضاتهم.

ينبغي للدول التي لديها أنظمة قضائية عادلة اتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان عودة رعاياها المحتجزين في شمال شرق سوريا إلى بلدهم الأم، مع التحقيق مع المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب وأي جرائم دولية أخرى. ينبغي أن تضمن هذه البلدان السماح بمشاركة الضحية والشهود في محاكمات المتهمين بارتكاب جرائم دولية، بما فيها الاغتصاب، والتعذيب، والقتل، وجرائم الحرب الأخرى.

بالنسبة للمحتجزين لدى العراق، ينبغي للقضاة التحقيق في جميع مزاعم التعذيب وقوات الأمن المسؤولة، والأمر بنقل المعتقلين إلى مرافق مختلفة فور ادعائهم التعذيب أو سوء المعاملة، لحمايتهم من الانتقام.

تعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع البلدان وجميع الظروف. ولكن في العراق، حيث لم تلبِ محاكمات المشتبه بانتمائهم إلى داعش حتى أبسط الشروط الأساسية في الإجراءات القانونية الواجبة، فإن تطبيقها مثير للقلق بشكل خاص.

قالت فقيه: "وُثّقت عيوب خطيرة في الملاحقات القضائية العراقية، منها التعذيب. إذا كانت دول مثل فرنسا لا تريد أن يواجه مواطنوها عقوبة الإعدام، كما ادعى مسؤولون أمام وسائل الإعلام، عليها إعادتهم إلى وطنهم للتحقيق والمقاضاة كما فعلت دول أخرى".