لبنان: موظفو المدارس يضربون الأطفال

وجد تقرير "ما بدي إبني ينضرب: العقاب البدني في المدارس اللبنانية"، أن الأطفال يعانون من العقاب البدني في المدارس بسبب عدم محاسبة المرتكبين. وقالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للبنان تطبيق الحظر المفروض منذ زمن على العقاب البدني، واقترحت طُرقا يمكن لوزارة التربية والتعليم العالي عبرها، وبمساعدة الممولين الدوليين، إنهاء هذه الانتهاكات.

بعدما شُخِّص بسرطان الدم في الخامسة من عمره، كان فادي (اسم مستعار) ما زال يعاني من الآثار الجانبية للعلاج عندما قابله بيل فان إسفلد، الباحث في "هيومن رايتس ووتش"، للتحدث معه ومع أمه عن الإساءات التي تعرض لها في مدرسته القديمة في محافظة البقاع اللبنانية.

جالسة على أريكة في غرفة المعيشة، أوضحت "رشا"، والدة فادي، لفان إسفلد أن دواء ابنها وعلاجه جعلا التركيز صعبا عليه. لكن بدلا من مساعدته، وبّخه موظفو المدرسة، ووجّهوا إليه الإهانات اللفظية واعتدوا عليه جسديا. كانت معلمة تشد شعره وتنعته بالأحمق أو الـ "حمار" وتجبره على الوقوف في الخارج. اشتكت رشا إلى مديرة المدرسة - التي قال فادي إنها أيضا شدت شعره - لكنها أخبرت رشا أن على ابنها أن يكون في مؤسسة للأطفال ذوي الإعاقة.

فادي لديه حالة طبية خطيرة، وليس إعاقة. لكن المديرة كانت صريحة بأنها تريد طرده. في لبنان، الأطفال ذوو الإعاقة الذين يجب تسجيلهم في المدارس يُرسلون غالبا إلى مؤسسات ليست مُخولة حتى بتوفير التعليم.

قالت لفان إسفلد: "يُصاب فادي بحالات صداع شديد، وعندما تُصيبه تتصل بي المديرة وتقول: ’لا تحضريه هنا مجددا‘".وفقا لفادي، فاته امتحان لأنه سقط بسبب مرضه وكسر فكه، قال إن الأمر أزعج المديرة.

ينتشر الاعتداء على الطلاب جسديا في لبنان، رغم أنه أصبح غير قانوني منذ سبعينيات القرن الماضي. في تقرير جديد بعنوان "ما بدي إبني ينضرب"، تحدث باحثو هيومن رايتس ووتش إلى 51 طفلا، بالإضافة إلى أولياء أمور ومعلمين وناشطين تربويين حول ما يجري في مدارس البلاد. ما وجدوه يصل إلى مستوى انتهاك حقوق الإنسان.

كان فادي في مدرسة خاصة في محافظة بعلبك-الهرمل، لكن عندما انتقلت العائلة إلى بلدة أخرى في منطقة البقاع للعمل، لم يتمكن والداه من تغطية تكاليف التعليم. دخل النظام الحكومي عندما كان عمره 9 سنوات.

لاحظت رشا أن المعلمين في هذه المدرسة الحكومية لم يُحسنوا معاملة ابنها ولم يوفروا ما يساعده على التعلم. عندما ذهبت رشا إلى المدرسة لتشتكي، وهو ما فعلته 4 مرات على الأقل، قيل لها إنه لا يمكن لابنها الحصول على أي "معاملة خاصة". بعيدا عن المعاملة الخاصة، كل ما كانت تطلبه هو توقفهم عن الإيذاء النفسي والجسدي لابنها المريض.

أصبح فادي محط تركيز معلمة على وجه الخصوص، والتي كانت تدعوه بالـ "حمار" عندما كان الصداع يُصعّب عليه التركيز، وتجبره على الوقوف خارجا في البرد كعقاب.

ازداد عدد الأطفال في المدارس الرسمية في لبنان أكثر من الضعف بعد أن فتح لبنان صفوفا للطلاب السوريين اللاجئين. لكن الأساتذة يفتقرون إلى التدريب على التأديب الإيجابي. قال أطفال سوريون إنهم تعرضوا للإهانة ومُنعوا في كثير من الأحيان من استخدام الحمام في المدرسة.

© 2019 دادو شين لـ هيومن رايتس ووتش

بالنسبة لرشا، التي تُعيل أيضا شقيقَيْ فادي، ضاعفت المعاناة النفسية من قلقها حول صحة فادي. كانت ترى ابنها يعود يوميا من المدرسة بائسا ويبكي زيادة على كل ما كان يواجهه.

حاولت أن تبدو بمظهر سعيد وإيجابي، لتدعم ابنها وتحاول إبقاءه هادئا وتُساعده خلال مرضه، لكن بداخلها صُدمت من كيفية معاملته ومدى قلة اهتمام المدرسة.

حضّرت رشا القهوة وهي تتحدث عن ابنها وتشرح كيف أدى بها الإحباط الذي شعرت به إلى مساعدة فادي في كتابة منشور علني على "فيسبوك". الأسرة فلسطينية، وخشية رشا من التعصب الذي قد يواجهه الفلسطينيون في لبنان كان يعني أن شكواها العلنية لم تأتِ إلا بعدما استنفدت جميع خياراتها الأخرى. بعد انفصال والديه، كان فادي أكثر اعتمادا على رشا. أصبحت وحدها فقط من تدعمه.

قالت: "لم يعد هناك أحد أشتكي إليه". حتى أن معلمة فادي شدت شعره أمام والدته عندما ذهبت إلى المدرسة لتشتكي، كما لو أن الإساءة أصبحت فعلا تلقائيا ومُعتادا من المعلمة.

بعدما جذب المنشور بعض الانتباه، قابلت محطة تلفزيونية لبنانية وزير التربية، واقترح على الهواء أن تُتابع الأسرة قضية فادي مع مسؤولي الوزارة في بيروت. في فقرة إخبارية أخرى، سُجلت مقابلة مع مديرة المدرسة قالت فيها إن على فادي أن يكون في مؤسسة وأن مظهره، نتيجة لعلاجه الكيميائي، يزعج الأطفال الآخرين. رغم كل ذلك، كما تقول رشا، لم يتابع معها أحد من الوزارة، واستمرت الإساءة.

قالت: "كنت أحاول جاهدة إبقاءه قويا نفسيا، وليس مستاء، لأن ذلك أهم شيء عند الإصابة بالسرطان. وكان يأتي إلى المنزل مستاء كل يوم. كان يكره الذهاب إلى المدرسة".

يقول الأطفال في لبنان إنهم يتعرضون للصفع والضرب في المدارس باستخدام أسلاك كهربائية وأنابيب مطاطية وأحزمة وعصي ومساطر. في المسوح الإحصائية، بين 20 و70 بالمئة من الأطفال في المدارس قالوا إنهم عانوا من العقاب البدني.

© 2019 دادو شين لـ هيومن رايتس ووتش

في 2018، أطلق لبنان سياسة لحماية الأطفال في المدارس، متضمنة بندا خاصا يحظر على المعلمين إيذاء التلاميذ. لكن محظورات مماثلة كانت موجودة منذ عقود. نادرا ما تُطبّق القوانين وغالبا ما لا يُحاسب المعلمون الذين يخالفونها.

أخبر الأهالي هيومن رايتس ووتش عن ضرب أطفالهم بالعصي وأدوات أخرى، وضربهم على الوجه، وسحبهم من تحت المكاتب حيث كانوا يحاولون تجنب الضرب، ليُضربوا مرة أخرى.

شُد صبي عمره 10 سنوات إلى الأعلى من أنفه مرتين، فكُسر، ولم تعرف والدته إلا عند عودته للمنزل مغطى بالدماء. اتهمت معلمة فتاة بالغش لظنها أنها تستخدم آلة حاسبة في حصة الرياضيات. ضُربت على وجهها بقسوة لدرجة أنه كان لا يزال أحمر ومتورما عندما عادت إلى المنزل بعد ساعتين. يتوجه بعض الأهالي مباشرة إلى الشرطة عندما يرون حالة أطفالهم، وأخبروا هيومن رايتس ووتش عن خيبة أملهم عندما لم تتخذ الشرطة أي إجراء.

المشكلة أكثر حدة بالنسبة لأبناء وبنات اللاجئين السوريين - يرتاد 210 آلاف منهم المدارس الحكومية في لبنان - لأن عائلاتهم تخشى الاشتكاء غالبا بسبب وضعها الضعيف في البلاد . في إحدى الحالات، أصبحت الإساءة إلى الأطفال السوريين في إحدى المدارس شديدة لدرجة أن تجمّع اللاجئين بأكمله سحبوا أطفالهم من المدرسة، ورفضوا إعادتهم إلى أن تُعالج مشاكل كمنعهم من الذهاب إلى الحمام وضربهم.

لحسن حظ فادي، ظهر خيار في نهاية المطاف. قامت رشا ببعض الأبحاث ووجدت مدرسة خاصة تقدم منحا دراسية للأسر ذات الدخل المنخفض، وتمكن من الانتقال في العام الماضي. يُحب فادي  الآن الذهاب إلى المدرسة مجددا ويمكنها البدء في البحث عن عمل مطمئنة بأنه سعيد.

لا يزال فادي يمر بأيام عصيبة، كاليوم الذي قابل فيه فان إسفلد، لكنه على الأقل يستمتع عندما يستطيع الذهاب إلى المدرسة.

قالت والدته: "حتى أنهم يحملون حقيبة ظهره له الآن".