يعيش في جميع أنحاء العراق، رجال ونساء وأطفال – قد يزيدون عن 100 ألف إذا ما اعتمدنا إحصائيات الحكومة عن المحتجزين بتهم الإرهاب – يطلق عليهم المجتمع مسمى "عوائل الدواعش". في بعض الحالات، يُفترض أن الآباء أو الأزواج أو الأبناء في هذه العائلات حملوا السلاح للقتال في صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية" ( المعروف أيضا بـ "داعش") عندما سيطر على قُراهم. ﻓﻲ ﺣﺎﻻت أﺧرى، اﺧﺗﺎر هؤلاء ببساطة ﻣواﺻﻟﺔ اﻟﻌﻣل ﻓﻲ المستشفى أو المكتب الحكومي المحلي، حتى بعد أن ﺳﯾطر التنظيم على اﻟﻣﻧطﻘﺔ اﻟﺗﻲ ﯾﻌﯾﺷون ﻓﯾﮭﺎ.

كلمة "داعش" مكتوبة على حائط بيت أقارب مسؤول في التنظيم في أحد أحياء غرب الموصل، العراق. 

© 2018 خاص

تعيش معظم هذه العائلات في مخيمات أنشأها المجتمع الدولي للعائلات النازحة نتيجة القتال بين القوات العراقية وداعش بين عامي 2014 و2017. على الرغم من أن هذه المخيمات تضم عائلات نازحة "عادية"، أصبحت بحكم الواقع سجونا لـ"عوائل الدواعش". قد يكون مصير هؤلاء الأشخاص من أهم العراقيل أمام أمن العراق القومي واستقراره في المستقبل.

في العامين الماضيين، زُرتُ أكثر من 12 من هذه المخيمات خارج الموصل التي كان داعش قد سيطر عليها في يونيو/حزيران 2014 لمدة 3 سنوات. تدير المخيماتِ مجموعة من المنظمات الإنسانية المحلية والدولية. منذ سقوط التنظيم، أطلعت المجتمعات المحلية وزعماء القبائل والمؤسسات الحكومية وحتى الجيش العراقي معظم هذه العائلات، التي يُعتقد أنها مرتبطة بداعش، بأنه غير مرحب في عودتها إلى ديارها، وتُستخدم هذه المخيمات لممارسة هذه السياسة. رأيت قوات أمن عند مدخل المخيم تحرم العائلات من حقها في التنقّل بحرية، لزيارة بسيطة للمستشفى أو للعودة إلى منازلها.

تنبع العقبات التي تواجهها هذه العائلات من عنصر يُعتبر عاديا للغاية: نظام الفحص الأمني.

أخبرني رجال أمن أنه لدى بدء داعش في الاستيلاء على الأراضي، فرّت عائلات عراقية عديدة من تلك المناطق، وعند أول اتصال لها بمسؤولين أمنيين وعسكريين من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان، أعطتهم أسماء جيران اتهمتهم بحمل السلاح للقتال مع التنظيم. وضعت قوات مفوضة قانونيا لاحتجاز المشتبهين بالإرهاب، وأخرى غير مفوضة لذلك، هذه الأسماء على قوائم المطلوبين – من دون تنسيق يُذكر بينها. قد يؤدي ذلك إلى إعادة اعتقال أشخاص برّأتهم جهات أخرى وسمحت بالإفراج عنهم. استُخدمت هذه القوائم لاحتجاز الأشخاص، بما في ذلك في السجون غير الرسمية، ومحاكمتهم، بالاستناد إلى اعترافات منتزعة تحت التعذيب أحيانا.

يقول المحامون والقضاة الذين تحدثت إليهم "هيومن رايتس ووتش" في جميع أنحاء العراق إن هذه القوائم تخلق مشاكل متأصلة بسبب انتشار أسماء شائعة - مثل محمد أحمد. إذا أُبلغ عن هذا الاسم، قد يتعرض أي شخص يحمله في العراق للاعتقال، عدة مرات أحيانا. تضخم حالات "الأسماء المتشابهة" أعداد نزلاء السجون والأشخاص الذين يتعرضون للمحاكمة، وفقا لقضاة كبار في محاكم نينوى وبغداد. أخبرني موظفون في العديد من الشركات والمنظمات المحلية عن نزاعات داخلية حديثة هدد خلالها موظف ما زميله بوضع اسمه على إحدى لوائح المطلوبين تلك، إذ باتت هذه الطريقة فعالة للأخذ بثأر عائلي أو شخصي.

بالإضافة إلى هذه الحملات، على كل شخص يحتاج إلى الاتصال بالحكومة - للحصول على بطاقة هوية أو جواز سفر أو شهادة ميلاد أو زواج مثلا، أو ببساطة لدخول محكمة، أن يخضع لفحص أمني للتأكد من عدم ورود اسمه على إحدى قوائم المطلوبين. ترسب عائلات الأشخاص الواردة أسماؤهم في تلك اللوائح - ومعظمهم من الرجال أو الشبان - في الفحوص الأمنية بانتظام، حتى إن وردت بالخطأ، خصوصا إذا رفضوا دفع رشاوى للمسؤولين. يُهدد البعض بالاعتقال، أحيانا لاستدراج أحد أقاربهم الذي ورد اسمه في القائمة، إن كان غير محتجز.

أخبرنا قاض بارز قابلناه في الموصل ومحامٍ يعمل في منظمة دولية أن وزارة الداخلية أصدرت أمرا يقضي بمثول عائلات أعضاء داعش أمام المحكمة لتقديم معلومات حول مكان وجود المشتبه به وأنشطته و"إدانتها"،   للحصول على تصريح أمني، واطلع كلاهما على الأمر الصادر عن الوزارة. يتعرض المحامون الذين حاولوا مساعدة هذه العائلات للتهديد، وفي بعض الحالات، يتم اعتقالهم.

يقبع أفراد الأسرة الذين لم يتم القبض عليهم في النهاية في المخيمات. بما أن معظمهم يفتقرون إلى وثيقة مدنية بارزة على الأقل، يواجهون خطر الاعتقال عند نقاط التفتيش، ولا يمكنهم الحصول على عمل، أو استصدار شهادة للإرث أو لحل زواجهم.

في هذه المخيمات، التقيت بنساء حاولن البقاء في منازلهن بعد أن استعادت القوات العراقية السيطرة على أحيائهن، ولكن مسؤولين عسكريين أو أمنيين أرسلوهن إلى هذه المخيمات ضد إرادتهنّ. أخبرتني نوفة هادي حسين المتقدمة في السن أنها فرت من منزلها إلى مخيم في مارس/آذار 2017، لكنها عادت في يونيو/حزيران، بعد أن أخبرها جيرانها بأن منزلها أُحرق، وكُتب "داعش" على جدرانه. عاشت مع ابنتها وحفيدتها في غرفة جانبية صغيرة لم تُدمر. في سبتمبر/أيلول، جاءت الشرطة الاتحادية إلى المنزل، وقالت إن الجيران كانوا يشتكون من وجودهم، باعتبارهم "عائلة من الدواعش"، لأنّ ابنيها انضما إلى التنظيم. أُرسلن إلى المخيم الذي كان يحتضن عائلات أخرى مُتّهمة بارتباطها بداعش.

تفتقد عديد من العائلات التي تُعتبر موالية لداعش في المخيم إلى أقارب ذكور. أخبرتني نوفة ونساء أخريات محتجزات معها أنهن عندما وصلن، صادر رجال أمن وثائق الهوية القليلة التي كن يحملنها، ما نسف إمكانية عودتهن إلى ديارهن بملء إرادتهن.

شاهدت 3 حالات أساء فيها مسؤولو المخيم من مختلف الهيئات العسكرية والأمنية المعاملة اللفظية للعائلات لانضمام أحد أبنائها المزعوم إلى داعش. رأيت أحدهم يصرخ بوجه سيدة قائلا: "لماذا لم تسمّمي عشاء ابنك بمجرد أن عرفت أنه انضم إلى داعش؟" كان هؤلاء الحراس، مسلحين ببنادق كلاشنكوف، يتجولون في الخيام، يرهبون ويهددون النساء والأطفال، في انتهاك للطابع المدني والإنساني المفترض لمثل هذا المخيم. أخبر موظفو إدارة المخيم ورجال من المجتمع المحلي منظمات الإغاثة التي تدير المخيمات بأن المزيد من النساء يتقدمن للإبلاغ عن هؤلاء الرجال الذين يضغطون عليهن لممارسة الجنس مقابل المال.

علمت من إحدى منظمات الإغاثة الدولية أنها تلقت تقارير بأن حراس أحد المخيمات في الأنبار يطالبون بممارسة الجنس مع النساء إذا كن يردن مغادرة المخيم لتلقي المساعدة الطبية، أو حتى لزيارة أزواجهن في السجن.

في المخيم الذي تُحتجز فيه نوفة، ضربت قوات الأمن المسلحة بوحشية المحامي الذي يقيم في المخيم ويعمل مع منظمة دولية تحاول مساعدة العائلات على الحصول على وثائق للعودة إلى ديارها. زعمت قوات الأمن في وقت لاحق أن المحامي كان خارج خيمته بعد الساعة 8:30 مساء، أي أثناء حظر التجول. لكن، لا يبرّر حظر التجول هذا الاعتداء. أخبرنا محامون أنهم لا يشعرون بالأمان لدى محاولة مساعدة هذه العائلات.

دفع اليأس بعض النساء المقيمات في المخيمات إلى تطليق أزواجهن أو استصدار شهادات وفاة، ليتزوجن من رجال يُعتبرون "نظيفين" ليُسمح لهنّ بالرحيل. لكن، تخلق مثل هذه الزيجات الجديدة تعقيدات، لأن الأزواج الجدد لا يرغبون في تربية أطفال النساء. يعتبرون الأطفال ملطخي السمعة بسبب آبائهم، وعادة يبقى الأولاد مع آبائهم أو أقربائهم من جهة الأب إذا تزوجت أمهاتهم من جديد.

خلال الشهر الماضي، أجريت مقابلات مع 4 أجداد وعمّ يُعتبرون، بحكم الأمر الواقع، أوصياء على أحفادهم أو أبناء أشقائهم، في مخيم بالقرب من الموصل. أخبرنا والد "كريم" أن ابنه توفي في ديسمبر/كانون الأول 2016 في بلدة الشرقاط عندما كانت تحت سيطرة داعش. بقيت "هناء"، زوجة كريم (28 عاما)، مع 3 أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و 9 سنوات. قال لنا:

"تركتنا [هناء] قبل 3 أشهر للعثور على زوج في الشرقاط، حتى تتمكن من العودة إلى ديارها. لا أعرف أي شيء عن الزوج الجديد، كل ما أعرفه هو أنه رفض استقبال أحفادي. تحاول [هناء] زيارتهم من وقت لآخر، ولكن الأمر ليس سهلا بالنسبة لها. سأعتني بهم حتى أموت، ولكن ماذا بعد ذلك؟"

أخبرنا جدّ آخر: "سأربّي أحفادي كأنهم أولادي". لكن حتى عندما يكون الأطفال محظوظين ويكون لديهم أقارب مستعدون وقادرون على التدخل ودعمهم، فإن إجبار النساء على الاختيار بين البقاء حبيسات مع أطفالهن أو التخلي عنهم هي مأساة بالفعل.

ما يزيد الطين بلة أن العائلات لا تحصل عادة على شهادة ميلاد صالحة للأطفال المولودين في أراضي داعش. لذا، لا يمكن للأطفال الالتحاق بالمدرسة، ولا حتى مدارس المخيمات. ما مصير أولئك الأطفال عندما يكبرون؟ قال لنا "عمار" (47 عاما) إنه يربي حفيديه بعد أن تمكنت أمهما من التفاوض والخروج من المخيم قبل 6 أشهر للعثور على زوج جديد والتزوج مرة أخرى، ولم تزر أولادها منذ ذلك الحين. انقطع أثر ابنه، والد الطفلين، في الموصل قبل عامين ونصف. تابع:

"ليس بحوزة أي من الولدين أوراق هوية، ولا يمكنني الحصول على وثائق جديدة لهم، لأن حضور والديهما ضروري لذلك، وحتى إذا حضرا، يبقى الأمر صعبا للغاية. ما مصير أحفادي؟"

تدعو الظروف في هذه المخيمات إلى التشاؤم ولا تنفكّ تتفاقم، بينما تستمرّ المساعدات الإنسانية الدولية للنازحين في العراق في النضوب. أخبرتني العائلات أن المياه المؤمنة لها قذرة، لدرجة أنهم يستخدمون الجوارب والصخور والرمال كأدوات للتصفية اليدوية. أصبح الانتحار شائعا في بعض المخيمات على الأقل، بحسب مراقبين دوليين وإدارة المخيمات.

أقرت الحكومة العراقية سياسة الاحتجاز في المخيم، في غياب أي استراتيجية أو خطة مصالحة وطنية معلنة لإزالة العقبات التي تواجه هذه العائلات وتيسير عودتها الآمنة والكريمة إلى ديارها، أو الاندماج المحلي في أماكن أخرى من العراق. يبدو أيضا أن الحكومة لم تطوّر برنامج استجابة للاعتداء والاستغلال الجنسيين أو لتأمين احتياجات الحماية للأسر التي ترأسها نساء. كما يبدو، لم تستطع الحكومة تخصيص أموال لتوفير الخدمات في المخيمات، مع تراجع التمويل الدولي، ومعه رقابة منظمات الإغاثة.

لا يمكن وصف سياسة المخيمات الشبيهة بالسجون، والتي تستهدف العائلات ذات الولاء المزعوم لداعش، إلا بكونها قصيرة النظر، ومزعزعة للاستقرار وإجرامية. تذكّر بسياسات عراقية في الماضي القريب، انتُهجت في سياق اجتثاث حزب البعث، ويُعتقد أنها ساهمت في قيام داعش.

ستتولى حكومة العراق الجديدة مهامها في الأسابيع القادمة، وسيتعين عليها الانخراط على وجه السرعة في التخطيط لإطلاق سراح جميع الأسر المحتجزة ضد إرادتها، وفتح حوار مصالحة على جميع المستويات لإعادة التئام المجتمعات المحلية وتسهيل عودة وفق المبادئ.

بينما يواصل داعش هجماته الفردية، انتهت الحرب إلى حد كبير. على العراقيين الآن أن يسألوا حكومتهم ما إذا كان نظام التصاريح الأمنية مناسبا لتنظيم جميع الاتصالات بين المواطنين وحكومتهم. على الحكومة الجديدة إلغاء هذا النظام غير الملائم تماما والمرهق والمسيء الذي تم اتخاذه سلاحا لمعاقبة النساء والأطفال بشكل جماعي، مما يؤدي إلى المزيد من التهميش وخطر تجنيد المتطرفين. إذا كان للعراق أن يمضي قدما في مرحلة ما بعد الصراع هذه، على الحكومة العراقية الجديدة الحرص على شعور جميع مواطنيها بالأمان والحماية.