من أعلى اليسار: محمد نور الشمالي، عبد الأكرم السقا، محمد مقداد، باسل خرطبيل، خليل معتوق ومحمد عطفا من النشطاء السياسيين والصحفيين وعمّال القطاع الإنساني والمحامينالذين أخفتهم الحكومة السورية.

© خاص

بعد سنوات من الصمت، بدت المعلومات الشحيحة التي كشفت عنها الحكومة السورية بشأن المفقودين في سجونها وكأنها طوفان. هذه الأخبار المأساوية جلبت معها أسئلة تتجاوز الأجوبة التي تنتظرها العائلات منذ سنوات لمعرفة مصير أحبائها.

علمت العديد من العائلات من داريا في ضواحي دمشق، معقل الاحتجاجات السلمية سنة 2011 التي أدّت إلى هذه الحرب، أن أبناءها – الذين يُعرفون بـ "المفقودين" – قد قتلوا رهن الاحتجاز. أعلم جيّدا كيف كانت هذه العائلات تستميت للحصول على معلومات عنهم.

منذ 2012، قمتُ مع زملاء آخرين من "هيومن رايتس ووتش" بتوثيق حالات شباب سوريين يُعتقد أنهم محتجزون لدى الحكومة. حاولنا لفت الاهتمام إلى قضاياهم للدعوة إلى إطلاق سراحهم.

اتصلنا بأمهاتهم وزوجاتهم وأقاربهم الآخرين وأصدقائهم لمحاولة فهم أنماط الاختفاء في منظومة الاحتجاز الحكومية. أغلبهم كانوا رجالا في العشرينات من عمرهم، رغم أن بعضهم كُنّ نساء شابات. الكثير منهم شاركوا في تنظيم احتجاجات، الإبلاغ عن انتهاكات، الدفاع عن الحقوق، وإيصال مساعدات إنسانية.  

خلال مكالماتنا مع العائلات في كافة أنحاء سوريا وحتى في القارات الأخرى، حاولنا تجميع معلومات عن هويات هؤلاء الرجال والنساء والظروف التي أدت إلى اختفائهم. أصبحنا متصلين بعائلاتهم واطلعنا على التفاصيل الحميمة في منازلهم.

شاهدنا صورا لمفقودين كانوا في الماضي مجرد أسماء وأرقام ملفات بالنسبة إلينا، ودققنا النظر في وجوههم المبتسمة وهم واقفون في الشمس أو أمام كعكة عيد ميلاد. صرت أعلم أعمار أبنائهم، الوضع الصحي لآبائهم وأمهاتهم، وآمال وأحلام خطيباتهم وأصدقائهم. كانت لهم عائلات، وكانوا يحيون حياة عادية يحتفلون فيها بأعياد الميلاد ويقضون الصيف في الريف. جلسنا مع أقاربهم لدقائق خيّم عليها صمت رهيب وغصة منعانا من الكلام.

كان هؤلاء الشباب والشابات يعتقدون أن الاحتجاج السلمي قد يُحدث فارقا، فأدى بهم ذلك إلى المخاطرة بسلامتهم وحياتهم حتى يعلم العالم بما يحدث في سوريا. عرفت أيضا ما يربط عائلاتهم ببعضها البعض – إنه اليأس والرغبة في فعل كل ما يستطيعون لمعرفة أي شيء حول ما حصل لأحبائهم وإعادتهم إلى منازلهم.

في الأسابيع القليلة الماضية، ومع انتشار أخبار عن بعض هؤلاء المفقودين الذين قتلوا رهن الاحتجاز منذ 2013، كان ذلك بمثابة التذكير الصاعق بكفاح هذه العائلات. أي معنى للإبقاء على أمل دام سنوات بأن الباب سيُفتح يوما لابنك أو زوجك ليعود منه إلى الحياة، لتعلمين بعد ذلك من خلال سجل مدني لا يقيم لك وزنا بأن ذلك الحلم والشخص قد قتلا منذ سنوات؟

أعدّ "مركز توثيق الانتهاكات"، وهو مجموعة مراقبة محلية، قائمة تضمّ أكثر من 60 ألف شخص احتجزتهم الحكومة منذ ربيع 2011. لم تتلق العديد من العائلات أي أخبار عنهم منذ ذلك الحين. كما وثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، وهي منظمة محلية أخرى، 532 حالة لأشخاص مفقودين أعلنت وفاتهم في سجلات الدولة.

لا يمكن أن يتوقف الجواب عند ورقة صغيرة تحمل تاريخ الوفاة. يتعين على الحكومة السورية – وهي حتما بصدد تحديث سجلاتها المدنية لتغطي على آلاف حالات الاختفاء – تقديم أجوبة عن الكثير من الأسئلة الأخرى.

يحق للعائلات أن تعرف كيف مات أحباؤها وأن تسترجع جثامينهم. كما يحق لها السعي إلى تحقيق العدالة، ومعرفة الحقيقة وإلحاق العقاب بالمذنبين.

أسوأ شيء يمكن أن يحدث هو أن يتم التعامل مع هذه الأرواح كملفات تختمها الحكومة بكلمة "متوفي".

مع تراجع الحرب، مازال احتمال معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة لهذه العائلات ضعيفا. فقد دأبت روسيا والصين على عرقلة جهود مجلس الأمن الدولي لإحالة سوريا على "المحكمة الجنائية الدولية". لكن بعض الدول الأخرى شرعت في محاكمة هذه الملفات بموجب الولاية القضائية العالمية. كما أنشأت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" وحدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن النزاع.

ستبقى هذه الملفات مفتوحة إلى أن يعلم كل أب وأم ما حصل لابنه/ا وإلى أن ينال المتورطون عقابهم. على بقية العالم مساندتهم في سعيهم إلى الحقيقة والعدالة.