مسعفون فلسطينيون يخلون رجلا على جانب غزة من السياج الذي يفصل القطاع عن إسرائيل، كما يبدو المشهد على الجانب الإسرائيلي من الحدود، خلال مظاهرات 30 مارس/آذار بمناسبة "يوم الأرض". 

© 2018 رويترز

من حق إسرائيل الدفاع عن حدودها، لكن إطلاق النار على متظاهرين عزل لم ينتهكوا حدودها غير متناسب وغير قانوني.

منذ بدء المظاهرات في 30 مارس/آذار، قتل الجنود الإسرائيليون أكثر من 100 متظاهر فلسطيني بالرصاص داخل قطاع غزة، بالقرب من السياج الحدودي الذي يفصل غزة عن الأراضي الإسرائيلية. تستجيب حكومة إسرائيل للانتقادات الدولية لعمليات القتل في غزة بسلسلة من الحجج التي استخدمتها منذ سيطرة "حماس" على غزة عام 2007. نحن نأسف للضرر الذي يلحق بالفلسطينيين في غزة، تقول إسرائيل، لكن ذلك لا مفر منه، لأن حماس تسيطر على كل شيء في غزة، ولا يمكننا العمل ضد حماس دون الإضرار بالمحتجين.

هذا هو الرد الذي استخدمته إسرائيل حتى عام 2010 للدفاع عن القيود العقابية المفروضة على نقل البضائع إلى غزة، بما في ذلك بعض الأغذية. هذا هو الرد الذي تستخدمه إسرائيل لتوضيح سبب استمرار حظرها على التنقل ومنع معظم السلع من مغادرة غزة إلى الأسواق الخارجية، وهما من القيود الكثيرة التي جعلت البطالة في غزة تبلغ 49 بالمئة. هذا هو الرد الذي أعطته إسرائيل، بدعم رسمي من الولايات المتحدة، على إدانة مقتل أكثر من 100 فلسطيني وتشويه وإصابة آلاف آخرين، على مدى 7 أسابيع من التظاهرات داخل غزة، بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

صوّت "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" يوم الجمعة بأغلبية 29 مقابل 2 لإجراء تحقيق مستقل في إطلاق النار، وهو قرار رفضته إسرائيل على أنه يعكس ما تصفه بانحياز المجلس ضد إسرائيل.

صاغت الحكومة الإسرائيلية بالفعل دفاعها في دعوى قضائية محلية رفعتها منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية. وجادلت الحكومة في إحاطة للمحكمة بأن "هذا ليس احتجاجا شعبيا أو عفويا. هذه الاضطرابات العنيفة تم تنظيمها وتنسيقها وتوجيهها من قبل حماس، وهي منظمة إرهابية تشارك في نزاع مسلح مع إسرائيل". سارع متحدث باسم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، راج شاه، إلى تكرار هذه الحجة الأسبوع الماضي قائلا: "هذه الوفيات المأساوية تقع على عاتق حماس".

من المؤكد أن حماس دعمت الاحتجاجات في غزة التي تبدو فيها سيطرتها واضحة. وقد يُعاقَب انتقاد حكم حماس بالاعتقال والتعذيب، كما وثقت "هيومن رايتس ووتش". تراجع حماس الخطب في مساجد غزة، وتلك الخطب الآن تدعو المصلين إلى الانضمام إلى المظاهرات على حدود غزة. في الأيام العادية، يمنع عناصر شرطة حماس المتظاهرين من الاقتراب لأقل من ألف قدم من السياج الحدودي داخل غزة، وهي المسافة التي أعلنتها إسرائيل "منطقة محظورة". لكن منذ 30 مارس/آذار، سمحت حماس للمتظاهرين بالعبور واستأجرت الحافلات لنقل الناس إلى المظاهرات.

قال بعض المتظاهرين إن ممثلي حماس دخلوا الخيام بالقرب من الحدود وشجعوا النساء على الانضمام إلى الاحتجاجات بالقرب من السياج الحدودي. تفاخر القيادي في حماس محمود الزهار في مقابلة تلفزيونية بأن المظاهرات مدعومة بقوة حماس العسكرية.

مع ذلك، فإن الاحتجاجات ذات أصول شعبية ومشاركة شعبية. فقد بدأت بمنشورات لناشطين على "فيسبوك" تدعو الناس للتظاهر في الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، التي هُجّر خلالها 700 ألف فلسطيني، والتي صاحبت إنشاء دولة إسرائيل عام 1948. تضم اللجنة المسؤولة علنا عن تنظيم المظاهرات مجموعات غير حكومية وممثلين عن الفصائل السياسية الرئيسية في غزة، وقد شملت الأنشطة الاحتجاجية نزهات عائلية ورقصات شعبية.

قال شهود لمحققين من هيومن رايتس ووتش إن معظم المتظاهرين لم يتم تفتيشهم، رغم تقرير من شاهد عيان واحد على الأقل، رأى مسؤولين أمنيين من حماس يمنعون متظاهرا من حمل بندقية كلاشنيكوف، قلقا من التصعيد على ما يبدو. أفاد المتظاهرون بأنهم شاهدوا عددا صغيرا من الرجال المسلحين في المظاهرات، وعددا كبيرا من الأشخاص يلقون الحجارة، بما في ذلك بالمقاليع، ويرمون قنابل حارقة ويطلقون طائرات ورقية بمواد حارقة.

لكن في ظل المعايير الدولية لمراقبة المظاهرات، لا يبرر استخدام الحجارة أو القنابل الحارقة استخدام القوة القاتلة، في غياب خطر وشيك على الحياة. لا يهم من يؤيد المتظاهرين أو من يشجعهم على التظاهر، إن كان هناك من يفعل ذلك. لا يمكن استخدام القوة القاتلة إلا عند الضرورة القصوى للحماية من خطر وشيك على الحياة.

تعترف الحكومة الإسرائيلية بهذا المعيار الدولي لإنفاذ القانون، لكنها تقول إن قواتها ستطلق الذخيرة الحية حتى قبل أن يصبح تهديد الحياة وشيكا، لأنها تعتقد أن حماس ستستغل وجود آلاف المتظاهرين لخرق السياج الحدودي. هذا في الأساس يفرغ كلمة "وشيك" من أي معنى. وهو يتجاهل الوسائل غير القاتلة، مثل الغاز المسيل للدموع، المياه النتنة، والرصاص المطاطي، وهي وسائل يمكن ويجب على إسرائيل استنفادها لحماية حدودها. حتى لو لم تنجح تلك الأساليب (ولم تكن قد استُنفدت)، فإنه لن يكون لإسرائيل مبرر في استخدام القوة القاتلة إلا إذا كان اختراق الحدود يمثل تهديدا وشيكا للحياة. يطلق الجنود والقناصة الإسرائيليون النار الآن من مواقع محصنة داخل إسرائيل، خلف سياجين، وفي بعض المواقع الرئيسية، من خلف خنادق تم حفرها لمنع عبور الحدود. وهم يتلقون صورا من طائرات بدون طيار تحوم فوق غزة، ويتلقون دعم أفراد ومعدات إضافية في قلب إسرائيل. تحدثت إسرائيل عن إصابة واحدة فقط بين قواتها منذ بدء الاحتجاجات.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع متظاهرين قالوا إنهم جاؤوا للاحتجاج سلميا على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وأطلق عليهم النار قناصون بعيدون عن السياج الذي لا يزال سليما. العديد من المتظاهرين هم من الشباب الذين يقولون إنهم يحتجون على سنوات من القيود العقابية على التنقل، التي دمرت الاقتصاد ومنعت الوصول إلى المدارس والزيارات العائلية والرعاية الطبية. تبلغ نسبة البطالة في غزة 65 بالمئة بين الشباب ونحو 80 بالمئة بين الشابات. الاحتجاجات ليست فقط على الحدود الإسرائيلية: فوسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينية تغلي هذا الأسبوع بشريط فيديو لشاب يضرم النار في نفسه في غزة احتجاجا على الوضع الاقتصادي.

يزعم المسؤولون الإسرائيليون والأمريكيون أنه ليس أمام إسرائيل من خيار سوى الرد على التهديد الذي تراه من حماس عن طريق مهاجمة سكان غزة، مما يتسبب في المعاناة، وحتى الإصابات والموت. كانت تلك طريقة العمل الإسرائيلية الفاشلة، المدعومة من الولايات المتحدة، منذ أن سيطرت حماس بالقوة على غزة في عام 2007 بعد فوزها بأغلبية الأصوات من الفلسطينيين في القدس الشرقية وغزة والضفة الغربية في عام 2006 وتقاسم السلطة لفترة وجيزة مع منافستها "فتح". قامت إسرائيل، التي تسيطر على معظم معابر غزة ومياهها الإقليمية ومجالها الجوي، والقطاع الحدودي داخل غزة، بإغلاق المعابر، ولم تسمح بمرور الناس إلا في "ظروف إنسانية استثنائية"، وحظرت خروج السلع، وحدّت من الإمدادات الواردة. وأغلقت مصر حدودها مع غزة مع استثناءات قليلة.

احتسبت إسرائيل حتى عام 2010 عدد السعرات الحرارية التي يسمح لسكان غزة باستهلاكها، حسب العمر والجنس، ثم استخدمت صيغا رياضية لتقييد كمية الطعام التي تدخل غزة لكي لا تتعدى ما يعتبره المسؤولون الإسرائيليون ضروريا. دافعت الحكومة الإسرائيلية عن القيود على أنها "حرب اقتصادية" تهدف إلى إضعاف حماس من خلال تقييد الإمدادات لسكان غزة ووقف الإنتاج والتجارة.

كان لذلك نتيجة عكسية، ففي مواجهة هذا النقص، قوّى نظام حماس في غزة سلطته، وزّع الطعام والمال على الفقراء، وظّف العاطلين عن العمل كموظفين حكوميين، وفتح نظام تجارة مربح عبر الأنفاق تحت الحدود مع مصر.

من خلال معاملة جميع سكان غزة، وغالبيتهم من الأطفال، على أنهم حماس، ساعدت إسرائيل الحركة على النمو بقوة. جمعت حماس الضرائب على سلع الأنفاق، وجعلت الناس يعتمدون على سخائها، واستولت على التجارة، في حين تعرض الناس العاديون في غزة لقيود عقابية وغير قانونية على حرية حركتهم.

ترتكب الحكومة الإسرائيلية خطأ مماثلا الآن من خلال معاملة جميع المتظاهرين باعتبارهم عملاء لحماس ثم استخدام القوة القاتلة ضدهم في غياب تهديد وشيك للحياة. قد تشكل سيطرة حماس على غزة تهديدا أمنيا لإسرائيل، لكنها لا تبرر أعمال إسرائيل غير القانونية ضد سكان غزة المدنيين.