القوات العراقية تحرس بوابة مخيم يأوي عائلات رجال يشتبه بانتمائهم لداعش في برطلة، شرق الموصل، العراق 15 يوليو/تموز 2017. 

 

© 2017 رويترز

سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضا باسم داعش) في ذروة قوته في العراق على 40% من أراضي العراق والحياة اليومية لملايين العراقيين. قام عشرات آلاف العراقيين بخدمة إدارة داعش، بما في ذلك أطباء، مدرسون، قضاة، طهاة، ومحامون، مما قد يكون قد ساهم في سيطرة الجماعة على المدن التي احتلتها.

كما أُجبر العراقيون على الانضمام إلى "حزب البعث" في عهد صدام حسين، فإن الكثيرين في المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش يقولون إنهم أجبروا على الانضمام إلى الجماعة للحفاظ على وظائفهم - على الرغم من أن بعضهم أيّد أيضا تطرف داعش.

لكن اليوم، في ظل القانون العراقي - وكما جاء في قرارات مختلفة للأمم المتحدة - يحاول العراق ملاحقتهم جميعا. يواجه المدانون السجن مدى الحياة أو عقوبة الإعدام فقط لعضويتهم في داعش. لكن مثل هذه الملاحقات القضائية الواسعة ستكون خطأ فادحا إن كان العراق يريد التوصل إلى نوع من المصالحة الوطنية.

هناك تعاطف عالمي مع مطالبة الشعب العراقي بالعدالة ضد مجرمي داعش الذين تسببوا بلا رحمة، بل بفخر، بمعاناة لا يمكن تصورها، والموت، والدمار في العراق (وسوريا) لمدة 3 سنوات. أصبح قرنُنا 21 الآن يحمل وصمة القرون الوسطى الحديثة، التي بيعت فيها نساء إيزيديات كسبايا، وقُطعت فيها رؤوس صحفيين يرتدون بذلات برتقالية بسيوف ضخمة مباشرة أمام عدسات الكاميرات. بعيدا عن الطغيان اليومي الذي فرضه داعش على العراقيين الخاضعين لسيطرته، من عمليات القتل العلني لمعاقبة الجرائم البسيطة، إلى قواعد السلوك الديني الصارمة التي وقعت فيها أسر عادية، فقد تسبب في مقتل وجرح آلاف الجنود العراقيين الذين تم تجنيدهم لهزيمته. من المؤكد أن مقاتلي داعش لم يُبدوا أي احترام لقوانين الحرب أو الآداب الإنسانية في كيفية معاملتهم للجنود العراقيين الأسرى.

أنشأت الأمم المتحدة فريق تحقيق خاص لجمع الأدلة على جرائم داعش لمساعدة المحاكم العراقية في مقاضاتهم. لكن المجتمع الدولي اختار أن يتغاضى عن الانتقام الجماعي الذي لا يزال جاريا على يد جنود عراقيين: تعذيب بالضرب وإعدام للمشتبه في انتمائهم لداعش واحتجاز تعسفي لآلاف النساء والأطفال ذوي الصلة بالتنظيم في المخيمات المؤقتة والسجون.

أغلب الظن أن هذه النزعة الانتقامية التي تلت الحرب ستهدأ، لكن محاكمة ما يقرب من 10 آلاف من عناصر داعش وسجنهم والحكم عليهم سيستمر لسنوات، مما سيخلق مظالم جديدة لدى عدد أكبر بكثير من الأسر والقبائل والمجتمعات العراقية. تُبين أبحاثنا في هذه الملاحقات القضائية أنها مليئة بنفس انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة التي طغت منذ عقود على نظام القضاء العراقي - الاحتجاز في ظروف لاإنسانية استنادا إلى أدلة واهية؛ ادعاءات التعرض للتعذيب الشديد لانتزاع الاعترافات؛ عدم تواصل السجناء مع محامين أو أسرهم، التي لا تعرف في كثير من الأحيان حتى ما إذا كان قريبهم على قيد الحياة؛ والمحاكمات الموجزة التي لا يتعدى بعضها 15 دقيقة، ولكنها تُصدِر أحكاما مستعجلة بالإعدام.

مما يؤسف له أن هذه المحاكمات لا تتمتع حتى بجدارة إنشاء سجلّ قضائي وتاريخي لجرائم داعش ضد الشعب العراقي، وتوفير إحساس حقيقي بالعدالة للضحايا. بل يبدو أن التهمة الوحيدة التي تُوجّه إلى مشتبهي داعش باستمرار هي "العضوية في الدولة الإسلامية". من السهل إثباتُها باعتراف من جملة واحدة، ولكن دون أي جهد لوضع سجل كامل للجرائم، مثل الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي أو الاغتصاب، والقتل بموجب القانون الجنائي العراقي. ليس هناك من استراتيجية لتحديد أولويات محاكمة الأشخاص الأكثر مسؤولية عن أخطر الانتهاكات، بدلا من الطريقة المُتّبعة حاليا، حيث أكّد لنا أحد كبار القضاة العراقيين أن "طاهي الدولة الإسلامية يواجه نفس مسؤولية مقاتلها".

ضحايا جرائم داعش، الذين ينبغي أن يكونوا قادرين على الإدلاء بشهاداتهم بشأن الانتهاكات التي تعرضوا لها، والإحساس بالرضا لرؤية مرتكبي هذه الأفعال أمام العدالة، غير مشمولين في هذه المحاكمات، مما يتسبب في إبعاد كبير للضحايا عن نظام العدالة، رغما أننا على علم بأن المحاكم العراقية قامت بمحاكمة ما لا يقل عن 7282 من مشتبهي داعش بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، وأعدمت 92 منهم. إذا لم يحدث تحول جذري في النهج، فسيُعدم مئات آخرون، إن لم يكن آلافا، بينما سيسبّب عشرة أضعاف هذا العدد ضغطا في المحاكم والسجون العراقية لعقود.

هناك بديل عن هذه النتيجة المخيّبة للآمال والخطيرة، وهي في متناول العراق عمليا، ولو لم تكن في حدود إرادته السياسية المباشرة. يمكن للعراق أن يجد بدائل للملاحقة القضائية لآلاف المشتبه فيهم من داعش الذين لم يرتكبوا جرائم خطيرة أو أعمال عنف. بكل صراحة، الأسباب التي قد تكون دفعت شخصا ما للانضمام إلى داعش معقدة ومرتبطة بتاريخ طويل من عزلة السنّة، وكثيرون همُ المسؤولون عن تلك العزلة في العراق.

أفضل طريقة لمعالجة عميقة لخيانة المجتمع التي تمثلها هذه العضوية (ولو أنها غير كاملة بلا شك) هي السماح لأعضاء داعش بالمشاركة في آلية وطنية لكشف الحقيقة، يمكنها خلق سجل حقيقي لجرائم داعش، وتقديم تعويض في شكل خدمة للمجتمعات العراقية التي ينتمون إليها في نهاية المطاف. هناك سوابق كثيرة لهذا الأمر. في العديد من حالات ما بعد النزاع الأخرى، قرّرت الحكومات اختيار بدائل للملاحقة القضائية باعتبارها أفضل طريقة للمضي قدما. نظرا لوضع المجتمع العراقي الذي يعاني حالة انكسار كبيرة، قد تكون تلك أيضا أفضل فرصة لتوحيد وإعادة بناء بلد يعمه السّلام.