سوق في الأتارب بعد الغارة الجوية في 13 نوفمبر/تشرين الثاني.

© 2017 خاص

(بيروت) - قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن على روسيا وتركيا وإيران جعل حماية المدنيين أولوية عند اجتماعهم في سوتشي في روسيا في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017. تُظهر الغارات الجوية الأخيرة التي شنتها العملية العسكرية الروسية السورية المشتركة، وأصابت سوقا ومركزا للشرطة في منطقة شمال سورية أدرجت مؤخرا ضمن اتفاق "المناطق الآمنة"، المخاطر التي يواجهها المدنيون الذين يعيشون في تلك المناطق. أسفرت الهجمات عن مقتل 75 شخصا على الأقل، منهم 5 أطفال.

تجري المحادثات مع تصاعد العنف في الغوطة الشرقية. تعرضت المنطقة لأكثر من 181 غارة جوية في الأيام الأربعة الماضية، وفقا للدفاع المدني السوري. يوجد 400 ألف مدني في المنطقة واقعين تحت حصار مشدد، مما يهدد بالمجاعة ونقص الرعاية الطبية الكافية. أعلنت روسيا أن محادثات سوتشي بين رؤساء إيران وروسيا وتركيا ستهدف إلى مناقشة مناطق خفض التصعيد وتسوية الأزمة السورية.

قال نديم حوري، مدير قسم الإرهاب ومكافحة الإرهاب في هيومن رايتس ووتش: "إذا أرادت روسيا برهنة جديتها في حماية المدنيين في سوريا، عليها بذل جهود إضافية لتجنيب المدنيين غاراتها الجوية وضمان سماح حليفها في دمشق بوصول المساعدات إلى المناطق المحاصرة. فشلت العديد من اتفاقيات خفض التصعيد في تحقيق الحماية الموعودة للسكان هناك".

في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد الساعة 2 عصرا، قامت طائرة تابعة للتحالف الروسي السوري بثلاث غارات جوية على بلدة الأتارب، وهي مدينة تقع في محافظة حلب –25 كيلومترا من الحدود التركية. تعد الأتارب جزءا من منطقة خفض التصعيد الذي أُعلن عنه في محادثات أستانا في سبتمبر/أيلول. تغطي المنطقة محافظة إدلب ومناطق حلب الغربية وحماة. أصابت الغارات شارعا تجاريا يحوي سوقا ومركز شرطة.

تحدثت هيومن رايتس ووتش عبر الهاتف إلى 5 من سكان الأتارب، أحدهم ناجٍ من الهجمات. كما راجعت صورا ومقاطع فيديو قدمها الشهود ونشروها علنا. ذكر السكان غارات، ألقي أثناء كل واحدة منها قنبلتين على منطقة مكتظة بالسكان، أصابت واحدة مركز شرطة والثاني سوقا قريبا. انفجرت 5 قنابل على ما يبدو عند الارتطام في حين بقيت واحدة لم تنفجر قرب مركز الشرطة. شارك أحد الشهود خريطة لمواقع الارتطام. 

قال جميع الشهود إنه لم يكن هناك وجود عسكري أو هدف عسكري، ولا تواجد لـ"هيئة تحرير الشام"، المجموعة المسلحة المستبعدة من اتفاق التصعيد. قال أحد الشهود إن الشخص كان يعرف الجميع تقريبا في الأتارب، وإن سلطات الأتارب نجحت على الدوام في إبعاد جميع الفصائل المسلحة عن المدينة.

مركز شرطة الأتارب بعد الغارة الجوية في 13 نوفمبر/تشرين الثاني.

© 2017 عامر الفج

قال كل السكان الخمسة إن مركز الشرطة كان هيئة مدنية تتبع لـ"الحكومة السورية المؤقتة"، وهي هيئة معارضة أُنشئت في 2013. لم يحمل رجال الشرطة أسلحة. حسب قوانين الحرب، من المفترض اعتبار أفراد الشرطة ومراكز الشرطة مدنية، إلا إذا كان أفراد الشرطة مشاركين بشكل مباشر في الأعمال العدائية، أو يتم استخدام مراكز الشرطة لأغراض عسكرية، وفقا لـ هيومن رايتس ووتش.

قال نجيب بكور، رئيس فرع الدفاع المدني السوري المحلي، الذي كان في مكان قريب أثناء الهجوم وأول المستجيبين، "إن السوق هو شريان الحياة في الأتارب، وكان يعتقد الجميع أنه آمن نظرا لوجود اتفاق لتخفيض التصعيد. الناس دائما في الشوارع، والسوق مزدحم طوال الوقت. اعتقدوا أنه لا يوجد شيء يدعو للقلق".

قال عبد الرزاق الفج، الذي يعمل في مركز الشرطة وكان هناك وقت الغارة، إنها كانت مباغتة.

تسببت الغارة في مقتل 75 مدنيا، وفقدان وإصابة آخرين، وفقا للسكان المحليين والمسعفين والأقارب الذين زودوا  هيومن رايتس ووتش بالأسماء. من بين القتلى 7 نساء و5 أطفال و5 أشخاص نزحوا من مناطق أخرى، إضافة إلى 13 ضابط شرطة و3 محتجزين.

قال الشهود إن الهجوم تسبب في أضرار كبيرة بالسوق والشارع والمباني السكنية المجاورة. كان محمد شاكردي، من سكان المدينة، ويقع مكتبه في ذلك الشارع، في طريق عودته إلى العمل عندما وقع الهجوم وألحق ضررا واسعا بمكتبه.

استنادا إلى أشرطة الفيديو التي راجعتها هيومن رايتس ووتش ووصف الشهود، فإن بعض الذخائر المستخدمة في الهجوم كانت نوعا من قنبلة بيتاب-500 (BETAB) جو-أرض، وهي قنبلة هادمة تخترق الخرسانة ثم تنفجر. يحمل هذا النوع من القنابل 12 ذخيرة صغيرة مدعومة بالصواريخ، وزن كل منها 25 كيلوغراما، قادرة على إنشاء حفر تبلغ مساحة الواحدة 4 أمتار مربعة وفقا لمصنعها الروسي. اُستخدام النوع نفسه من القنابل في فبراير/شباط 2017 في تمنة في حماة.

وصف الفج الدمار: "يتألف مبنى [مركز الشرطة] من 3 طوابق. تدمر الأول والثاني، لكن بقي الثالث قائما. اخترق الصاروخ عميقا المبنى إلى عمق الأرض ثم حدث ضغط هائل، واندفع دخان أسود كثيف إلى الأعلى. لم أر أبدا أو أسمع عن أي شيء مماثل. كانت نجاتي معجزة".

راجعت هيومن رايتس ووتش 3 مقاطع فيديو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلا عن صور قدمها شهود عيان. أظهرت سقوط صواريخ وظهور دخان أسود. كما أظهرت صور، زود الشهود هيومن رايتس ووتش بها، الأضرار التي لحقت بمركز الشرطة وأظهرت دمارا يتسق مع قنابل "خارقة للتحصينات". لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من العثور على صور لمخلفات الذخائر أو فحصها.

أحد أعضاء الدفاع المدني السوري وناجٍ من الغارة الجوية على مركز شرطة الأتارب في 13 نوفمبر/تشرين الثاني.

© 2017 عامر الفج

في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، نفى ألكسندر إيفانوف، المتحدث باسم قاعدة حميميم الجوية التي تستخدمها روسيا، ارتكاب الطائرات الروسية "مجزرة" في موقع مدني في الأتارب.

إذا كان التحالف الروسي السوري استهدف فعلا منطقة مأهولة بالسكان لا وجود لهدف عسكري واضح فيها، سيشكل ذلك انتهاكا للقانون الإنساني الدولي. على روسيا وسوريا الالتزام بقوانين الحرب في العمليات العسكرية، واتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لتجنب وقوع خسائر بصفوف المدنيين، بما يشمل اتخاذ خطوات مناسبة لتبين أن المواقع المستهدفة تخدم هدفا عسكريا، مع التمييز بين المدنيين والمقاتلين. على روسيا وسوريا السماح بتحقيقات مستقلة في هذه الغارات، وإتاحة المعلومات المتوفرة عنها علنا.

قال حوري: "في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن خفض حدة الصراع في سوريا، يواجه سكان العديد من المناطق الآمنة المفترضة الجوع  ويفتقرون إلى الرعاية الطبية الكافية. كما يواجهون تهديدات قاتلة من الجو، مثل سكان الأتارب. إذا أراد الرئيس بوتين إثبات اهتمامه بالمدنيين، عليه الاستفادة من الاجتماع في سوتشي لتقديم حماية ملموسة لهم".