أم تعرض صورة ابنها الذي احتجزته السلطات في محافظة إدلب شمالي سوريا، 20 مارس/آذار 2016. لم تسمع أخباره منذ احتجازه. 

© 2016 رويترز

(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن على الداعمين الدوليين للمفاوضات لإنهاء النزاع في سوريا أن يضمنوا أن تضم أية عملية انتقالية هيئة مستقلة قوية الصلاحيات للتحقيق في آلاف وقائع "الاختفاء". خصصت الأمم المتحدة يوم 30 أغسطس/آب يوما دوليا لضحايا الاختفاء القسري، للتوعية بالاختفاء القسري حول العالم.

توصلت "لجنة الأمم المتحدة للتحقيق المعنية بسوريا" إلى تفشي استخدام الحكومة السورية للإخفاء القسري، وأنه قد يرقى لجريمة ضد الإنسانية. قالت هيومن رايتس ووتش إنه يجب فورا تشكيل مؤسسة مستقلة مسؤولة عن التحقيق في مصير وأماكن المختفين، والتوصل إلى رفات المجهولين والمقابر الجماعية في سوريا. يجب أن يكون لها ولاية واسعة تسمح لها بالتحقيق، بما يشمل استعراض جميع السجلات الرسمية ومقابلة أي مسؤول، وأن تكون مدعومة دوليا، سواء سياسيا أو ماديا. 

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "لن تتمكن سوريا من المضي قدما إذا أخفقت المفاوضات في التصدي بالقدر المناسب لفظائع الاحتجاز والاختفاء. يجب عدم تجاهل هذا الأمر. دون تقدم، كل يوم يمر يُرجح أن يشهد المزيد من التعذيب والإعدام للمختفين".

حتى قبل بداية الأزمة في 2011، اتبعت السلطات السورية سياسة الإخفاء القسري للأفراد جراء معارضتهم السياسية السلمية، التغطية الإعلامية الناقدة، والنشاط الحقوقي. زاد استخدام الإخفاء القسري بشكل حاد منذ الانتفاضة، وتورطت جماعات مسلحة غير حكومية في عمليات اختطاف. وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام السلطات السورية الممنهج للإخفاء القسري، الذي أسفر في أحيان كثيرة عن أعمال تعذيب وقتل وغياب أية معلومات عن الضحية.

لا يمكن تحديد عدد المختفين في سوريا بدقة لأن الغالبية العظمى من مراكز الاحتجاز مغلقة في وجه الأطراف الخارجية. عادة ما يُحتجز المعتقلون من قبل أجهزة الأمن الحكومية والعديد من الجماعات المسلحة غير الحكومية في سوريا، بمعزل عن العالم الخارجي. تقدر "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" أن أكثر من 65 ألف شخص قد اختفوا قسرا أو اختُطفوا في سوريا منذ 2011، الغالبية العظمى منهم على يد قوات حكومية وميليشيات موالية للحكومة.

أدان قرار مجلس الأمن 2139 المُعتمد في فبراير/شباط 2014 بقوة أعمال الاختطاف والإخفاء القسري في سوريا، وطالب بإنهاء فوري لهذه الممارسات وبإخلاء سبيل كل المحتجزين قسرا. لكن دون اتخاذ خطوات ملموسة لتنفيذ هذا المحور من القرار، أخفقت جولات عديدة من المفاوضات السياسية في الوصول إلى حل.

يُعرَّف الاختفاء القسري في القانون الدولي بصفته توقيف أو احتجاز لشخص من قبل مسؤولين حكوميين أو أعوان لهم، ثم رفض الاعتراف بالتوقيف أو الكشف عن مصير الشخص أو مكانه. ينتهك الاختفاء القسري جملة من حقوق الإنسان الأساسية التي يحميها القانون الدولي، ومنها الحظر ضد الاعتقال والاحتجاز التعسفيين؛ التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ والإعدام خارج نطاق القضاء. كما يخالف الاختفاء القسري الحق في سلامة الإجراءات القانونية وفي المحاكمة العادلة.

قد يتسبب الاختفاء القسري في معاناة نفسية حادة تلحق بأهالي المختفين، الذين قد تمر عليهم شهور وسنوات دون معرفة مصائر أقاربهم. أثناء سعي أهالي المختفين للمعلومات عادة ما يواجهون ابتزازا ماليا. على سبيل المثال، اعتقلت القوات الحكومية في مارس/آذار 2012 باسل خرطبيل، المدافع السلمي عن حرية التعبير. في أكتوبر/تشرين الأول 2015، نقلته السلطات السورية من سجن عدرا – الذي كان بإمكان أسرته زيارته فيه – إلى موقع مجهول. في 1 أغسطس/آب 2017 – بعد اختفائه بعامين تقريبا – عرفت زوجة خرطبيل أن القوات الحكومية أعدمته.

قالت هيومن رايتس ووتش إن على الداعمين الدوليين للعمليات السياسية المزمعة في أستانة وجنيف ضمان التصدي بشكل مستفيض لقضية المحتجزين والمختفين خلال المفاوضات.

على روسيا وإيران – أبرز داعمَين للحكومة السورية – الضغط على الحكومة لتنشر فورا أسماء جميع الأفراد المتوفين في مراكز الاحتجاز السورية، وأن تخطر أهالي المتوفين وتعيد رفاتهم إليهم. عليهما أيضا الضغط على الحكومة لتقدم معلومات عن مصير ومكان جميع المختفين قسريا، ولتنهي ممارسات الاختفاء القسري وتسمح للمنظمات الإنسانية المستقلة بالوصول إلى مراكز الاحتجاز.

على داعمي الجماعات المسلحة غير الحكومية – مثل تركيا والسعودية والولايات المتحدة – إلزام الجماعات التي يدعمونها بالكشف عن مصير المحتجزين لديها والسماح للمنظمات الإنسانية بالوصول إلى مراكز احتجازها.

على مبعوث الأمم المتحدة ستافان دي ميستورا أن يتحدث علنا عن أسباب عدم إحراز تقدم في ملف المختفين في سوريا، ويعزز جهود التصدي لهذه المشكلة المُدمرة.

قالت ويتسن: "نطاق الاختفاءات القسرية في سوريا يعني أن الضحايا والأهالي تُقدَّر أعدادهم على الأرجح بمئات الآلاف. حتى يكون لأي قرار حول النزاع تأثير حقيقي على الأجل البعيد، لا بد من التصدي لمسألة المختفين بما يمكّن من كشف أنباء عن مصائرهم وبما يخدم مصلحة العدالة".