نكتب إليكم قبل أن تجروا مراجعتكم العامة قريبا لالتزام الحكومة اللبنانية بـ "اتفاقية حقوق الطفل" ("الاتفاقية"). المعلومات الواردة في هذه المذكرة هي تحديث للمعلومات التي سبق أن قدمناها، استنادا إلى تقريرنا الأخير، "هذا ليس مكاننا: محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية في لبنان". تتعلق هذه المذكرة المحدثة بتعذيب الأطفال ومحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية واحتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي.

للاطلاع على نتائجنا وتحليلاتنا عن هذه المواضيع، يرجى قراءة تقرير "هيومن رايتس ووتش" التالي:

التعذيب وانتهاك الإجراءات القانونية ومحاكمة الأطفال أمام المحاكم العسكرية (المواد 37، 40)

في لبنان، يمكن محاكمة الأطفال أمام المحاكم العسكرية، حيث لا يُحترم حقهم بإجراءات قانونية سليمة ويُنتهك القانون الدولي. نظام المحاكم العسكرية في لبنان هو نظام قضائي استثنائي خاضع لسلطة وزارة الدفاع، حيث معظم الجلسات ليست علنية والعديد من القضاة هم ضباط عسكريون يعينهم وزير الدفاع مباشرة، ولا يشترط أن يكونوا حاملين شهادة في القانون. هيكلية المحاكم العسكرية ونظام تعيين القضاة فيها يقوّضان كفاءتها واستقلاليتها وحيادها.

حسب جمعية "الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان"، حوكم 355 طفلا في محاكم عسكرية في 2016. وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات من أطفال حوكموا أمام المحكمة العسكرية، بالإضافة إلى تقارير عن انتهاكات خطيرة للإجراءات القانونية السليمة في المحاكم العسكرية.[1]

وصف أشخاص خضعوا لمحاكمات عسكرية ومحامون انتهاكات متعددة للحق في أصول المحاكمات العادلة، عانوا منها هم وموكلوهم في المحاكم العسكرية. من ضمنها، الاستجواب بغياب المحامي، سوء المعاملة والتعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، استخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، الاحتجاز المطوّل قبل المحاكمة، القرارات الصادرة بدون شرح، الأحكام التي تبدو تعسفية، والحق المحدود بالاستئناف.

في خريف 2014، ضباط على حاجز جيش في طرابلس أوقفوا هيثم (اسم مستعار)، لاجئ سوري كان يبلغ 15 سنة حينها، واحتجزوه لعدة أيام في مركز المخابرات العسكرية في عباي قبل أن يُحوَل إلى وزارة الدفاع في اليرزة. وبينما كان في عهدة المخابرات العسكرية، قال إن الضباط ضربوه بأيديهم وأرجلهم وأجبروه على "الاعتراف بأفعال لم أرتكبها". وقال إن في وزارة الدفاع، أجبره ضباط على توقيع الاعتراف وهو معصوم العينين. وقد استُخدم الاعتراف كدليل ضده خلال محاكمته بجرائم إرهابية أمام المحكمة العسكرية. أخبر هيثم هيومن رايتس ووتش أن القاضي رأى أثار التعذيب على جسمه لكنه لم يقل شيئا عنها. حين قابلت هيومن رايتس ووتش هيثم، كان جسمه ما زال يحمل أثار ضربة تلقاها من الضباط بعقب البارودة.[2]

أوقف ضباط من المخابرات العسكرية خالد (اسم مستعار)، كان في الـ 16 حينها، في منزله في شمال لبنان في خريف 2014، ونقلوه إلى مقر المخابرات العسكرية. قال محاميه إنه استُجِوب هناك طوال 3 أيام. وقد عصب المحققون عينيه و"لكموه في وجهه وضربوه بواسطة قضيب على ظهره، وأهانوه وهددوه". قال إنهم نقلوا خالد إلى وزارة الدفاع في اليوم الرابع من إيقافه. وقال المحامي إنه في الوزارة، ربط المحققون معصميه خلف ظهره بحبل وعلقوه منه وضربوه. وقال إنهم وصلوا أسلاكا كهربائية إلى أعضائه التناسلية وصعقوه حتى أغمي عليه. سلّطوا عليه ضوء ساطعا ليحرموه من النوم، ورشوه بالماء ليوقظوه، وكل هذا وهم يسألونه تحديد مشتبه بهم إرهابيين والاعتراف بوضع قنبلة وإلقاء قنابل يدوية على مراكز للجيش والانتساب إلى منظمة إرهابية. قال المحامي: "لم يكن يعلم من أين تأتي الضربات. فاعترف بكل شيء، بأنه صلب المسيح وقتل رئيس الوزراء".

وفق محاميه، أمضى خالد 4 أيام في وزارة الدفاع في اليرزة. قال المحامي "كان يستطيع سماع أصوات أشخاص يُعذَبون". وقال إن الضباط أجبروا خالد على توقيع إفادة وهو معصوم العينين بعد كل جلسة تعذيب، مرة أو مرتين في اليوم. قال محامي خالد إن الضباط حولوه إلى المحكمة العسكرية، حيث مثل أمام قاضي التحقيق برفقة ممثل عن الأحداث، لكن دون محام. واتهمه المدعي بالانتساب إلى منظمة إرهابية والقيام بأعمال إرهابية. قال المحامي: "أخبرت القاضي أنه اعترف تحت التعذيب، لكن المحكمة العسكرية لا تستمع؛ ولا تأخذ أقوالنا بعين الاعتبار". أدانت المحكمة العسكرية خالد، وحولت ملفه إلى محكمة الأحداث، لأنها لا تملك سلطة الحكم على طفل.[3]

راسلت هيومن رايتس ووتش وزارة الدفاع اللبنانية مفصلة هذه النتائج. وفي رد لها، أفادت الوزارة:

"لا يتم استجواب أي قاصر في المحكمة بدون حضور مندوب حماية الأحداث علما أن محاكمة القاصرين أمام المحكمة العسكرية تحصل إذا كانوا مشتركين بالجرم مع راشدين، وتأخذ المحكمة قرارا بإدانتهم أو بتبرئتهم وتحيل الملف إلى محكمة الأحداث (لتحديد العقوبة). أما إذا كان الملف لا يتضمن إلا قاصرين فتعلن المحكمة عدم اختصاصها مهما كانت نوعية الجرائم المرتكبة، وتحيل الملف إلى محكمة الأحداث.[4]

احتجاز الأطفال بمعزل عن العالم الخارجي (المادة 9)

قد لا يُسمح لمن يوقفهم الجيش، بما في ذلك الأطفال، بالاتصال بذويهم أو محام.

قال محامي خالد، الذي شُرحت قضيته أعلاه، لـ هيومن رايتس ووتش "لم يُسمح له بالاتصال بمحام أو حتى بفرد من عائلته، كما لم يُسمح لأحد بالسؤال عنه" بينما كان موظفو وزارة الدفاع والمخابرات العسكرية يستجوبونه، ولما كان محتجزا بعد ذلك في المحكمة العسكرية. قالت والدته إن العائلة لم تعرف مكان تواجده لعدة أشهر، حتى أفرج عن أحد المعارف فأخبر العائلة أين كان خالد.[5]

تملك وزارة الشؤون الاجتماعية مشروعا لدعم الأطفال الموقوفين ولتقديم الخدمات النفسية، لكن البرنامج لا يشمل الأطفال الموقوفين لدى الجيش. ممثل عن الوزارة أخبر هيومن رايتس ووتش أنه "بالنسبة للموقوفين لدى الجيش، [الوزارة] لا يمكنها الوصول إليهم". يقدم الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان الدعم الاجتماعي إلى الأطفال الخاضعين للمحاكمة أمام المحاكم اللبنانية، بموجب عقد مع وزارة العدل. لكن أحد الموظفين قال لـ هيومن رايتس ووتش إن العاملين الاجتماعيين لا يحضرون الاستجوابات العسكرية، لأن الجيش لا يعلمهم دوريا عندما يحتجز طفلا.[6]

توصيات:

نشجع اللجنة على رفع التوصيات التالية إلى الحكومة اللبنانية:

  • إزالة ولاية المحاكم العسكرية على الأطفال.
  • تعديل المادة 401 من قانون العقوبات لتجريم كل أنواع التعذيب وسوء المعاملة.
  • التحقيق في ادعاءات تعذيب الأطفال وسوء معاملتهم وملاحقتها قانونيا بشكل مناسب.
  • السماح لممثلي الأحداث بحضور كافة التحقيقات الأولية مع الأطفال وتعديل المادة 49 من قانون أصول المحاكمات لضمان حق المشتبه بهم بمحام خلال الاستجوابات.
  • التأكد من حصول الأطفال على سلامة الإجراءات القانونية، ومن ضمنها حقهم في الحصول على استشارة ورفض احتجازهم والاتصال بعائلاتهم والانفصال عن الموقوفين البالغين.
  • السماح للمنظمات الإنسانية المستقلة، من ضمنها "اليونيسف"، بالوصول غير المشروط إلى كل الأطفال في كافة مراكز الاحتجاز.
  • التأكد ألا يُحتجز الأطفال سوى كتدبير أخير وأن تكون فترة احتجازهم قصيرة جدا.
  • التأكد من أن يكون العقاب على الجرائم مناسبا لأعمارهم ويهدف إلى إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع.

 

 

[1]  هيومن رايتس ووتش، هذا ليس مكاننا: محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في لبنان، يناير/كانون الثاني 2017

https://www.hrw.org/sites/default/files/report_pdf/lebanon0117ar_web_1.pdf

[2]  السابق ص. 26

[3]  السابق ص. 27

[4]  السابق، ص. 47

[5]  السابق، ص. 27

[6]  السابق، ص. 28