يفقد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ("داعش") معاقله في شتى أنحاء العراق، مخلفا وراءه جماعات سكانية كاملة روعها مقاتلوه، وأيضا عائلات يُشتبه في انتماء بعض أفرادها إليه. هذه العائلات هي من بين الأفراد الأكثر عرضة للخطر في المناطق التي يستردها الجيش العراقي، مع رغبة الكثير من جيرانهم في الانتقام بعد عامين من المعاناة المؤلمة.

سكان مخيم الشهامة يتكلمون مع أقاربهم من خلال سياج المخيم.

 

© 2017 سامي هلالي

تجري مناقشات كثيرة في بغداد حول الحاجة إلى المصالحة، لكن يبدو ألا أحد يُراعي "قضية" هذه العائلات.

"عوائل داعش"

هناك أسرة من 14 فردا في بلدة القيارة، 60 كم جنوبي الموصل، التي استردتها القوات العراقية في أغسطس/آب، أخبرتني في مطلع مارس/آذار أنها طردت أحد أبنائها من البيت بعد انضمامه إلى داعش، ولكن السكان يعتبرونها عائلة داعشية. على مدار 3 ليال في فبراير/شباط، رمى مهاجمون مجهولون قنابل يدوية من فوق سور البيت، فهشموا نوافذهم وحطموا الباب.

هناك أسرة أخرى من 12 فردا في الحي انضم ابنها إلى داعش، قالوا إنهم استُهدفوا بهجمتين بالقنابل اليدوية في فبراير/شباط. قال مقاتل بالمنطقة مؤخرا لأحد أطفالهم الصغار، وكان يلعب في الشارع، إن على العائلة مغادرة البلدة إلى مخيم للنازحين بسبب صلاتها بداعش. فسروا هذا القول على أنه تهديد. هناك عائلة ثالثة من 8 أفراد في حي قريب قالت إن بيتهم استُهدف بقنبلة يدوية قبل ليلتين من زيارتي في مارس/آذار. قبل شهر، أمسكوا بشخص كان يحاول إشعال النار في سيارتهم بالنفط.

أخبرتني العائلات الثلاث أنها تقدمت إلى الشرطة المحلية بشكاوى، لكن الشرطة لم تفعل شيئا للبحث عن المعتدين أو معاقبتهم، على حد علمهم.

بعد مقابلتي لهذه العائلات الثلاث، أوقفني مسؤولون بالبلدة، ينتمون إلى "جهاز الأمن الوطني" الخاضع لقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي. حذروني قائلين إن على "هيومن رايتس ووتش" عدم زيارة من وصفوهم بعوائل داعش، بما أن الأمن يراقبهم للاشتباه فيهم، رغم الإقرار بأن لا أحد في تلك البيوت تورط في أية جرائم.

معاقبة العائلات

في بعض المناطق الأخرى، تمادت السلطات أكثر. في يوليو/تموز، وافق مجلس محافظة بابل على قرار يطالب السلطات بهدم منازل من تثبت مشاركته في أنشطة إرهابية، وترحيل عائلاتهم من المحافظة، والتصريح بإجراءات قانونية ضد العائلات التي يثبت تسترها على أقارب ينتمون إلى داعش.

في أغسطس/آب وافق مجلس محافظة صلاح الدين على قرار مماثل، نصّ على أن كل من يثبت تعاونه مع داعش أو انتماؤه إليه – بما يشمل أقارب عناصر داعش – لا يحق له العودة إلى المحافظة. نصّ القرار على تشكيل لجنة لمصادرة ممتلكات المنتمين إلى داعش وتجميد بطاقاتهم وبطاقات عائلاتهم التموينية. تُعفى العائلات التي تقتل أو تسلم الأقارب المنتمين إلى داعش.

في يناير/كانون الثاني قامت وحدات قبلية سنية – "الحشد العشائري"، التابعة لـ "قوات الحشد الشعبي"، وهي قوات مسلحة تخضع لرئيس الوزراء – وجنود عراقيون، بترحيل ما لا يقل عن 125 عائلة قسرا، قيل إن لكل منها أقارب ينتمون إلى داعش، مع إرسال العائلات إلى مخيم يُستخدم كسجن في الهواء الطلق. دمر المقاتلون بيوت بعض العائلات. ليس في المخيم مدرسة يرتادها مئات الأطفال المقيمين هناك.

تواجه عائلات من محافظة الأنبار تعيش بمناطق احتلها داعش صعوبات مشابهة. في يوليو/تموز قال قادة محليون إن من روجوا لداعش لا يُسمح لهم بالعودة حتى تُراجَع الاتهامات المنسوبة إليهم.

لا يُسمح لمن لا ينبذون الأقارب الداعمين لداعش بالعودة إلا بعد استقرار الوضع، ولا يعرف أحد متى سيستقر. لكن العودة إلى الديار هو حق أساسي ويجب ألا يُربط بنبذ الأقارب أو إدلائهم بتصريحات أو تعهدات أخرى.

راح المسؤولون الحكوميون وأعضاء المجتمع الدولي يناقشون في بغداد مسألة المصالحة، وبدأت بعض الجهود لضمان إتاحة العدالة لضحايا انتهاكات داعش. لكن هذه المناقشات لم تتناول بعد التطورات على الأرض، أو الخطوات التي يتخذها القادة المحليون والسكان الآخرون لمعاقبة تلك العائلات. إذا زاد تهميش العائلات، واستمر بقاء أطفالها بعيدا عن المدارس، فمن الصعب تصوّر أن المصالحة الفعالة ستتحقق يوما.